العدد(4001) الاثنين 21/08/2017       سرقة في البلاط الملكي سنة 1932 والشرطة تعثر على السارق       قصة تأسيس مدرسة التفيض الأهلية       صادق الازدي وذكريات عن حلاق المحلة!       عبد الكريم قاسم في حوار نادر لمجلة مصرية       زميل الوردي وخصمه يتحدث عن هدفه الخيَّر       كيف أرغم حكمة سليمان على تقديم استقالته؟       هذه ذكرياتي عن شارع الرشيد       نوري السعيد كان أكبر السياسيين العرب وحسم تحالفه مع الغرب مبكراً       الصحافة تقدم كشفا بحكومة ارشد العمري عام 1946    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16968354
عدد الزيارات اليوم : 6062
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


هكذا عرفت عبد الفتاح ابراهيم

د.جليل العطية
كم معدل اعمار العراقيين في عصرنا؟:
سؤال   لن تجد جوابا علميا له.. غير ان الرقم المتوفر هو: ستون عاما.. لكن هذا   الرقم المتواضع تناقص كثيرا قياسا لاعمار ابناء الشعوب الاوروبية مثلا..   ولا حاجة لمعرفة الاسباب في بلد طحنته الحروب والحصارات، حتى عجز  العراقيون  عن معرفة عدد المقابر الجماعية الموجودة في بلدهم!


رغم كل هذا فثمة استثناءات شملت عددا من الشخصيات العراقية، نذكر منهم السادة: -عبد العزيز بن الحسين الجواهري(الشاعر) الذي توفي في تموز 1986م عن 94 عاما (مولده في النجف 1890)
-محمد بهجة الاثري(المجمعي) الذي توفي في 31 اذار 1996 عن 94 عاما -محمد مهدي الجواهري(شاعر العرب الاكبر) الذي توفي في دمشق في 27 تموز سنة 1997 عن 98 عاما.
-عبد الرزاق الحسني(المؤرخ) الذي توفي في بغداد 24 تشرين الثاني الاول سنة 1997م عن عمر 94 عاما.
-واخيرا صاحب(على طريق الهند) الذي توفي في بغداد في بداية اب 2003 عن 99 عاما وفق(ارجح الروايات).
وبذلك كان الاطول عمرا ممن عاصرناهم من المفكرين والمثقفين العراقيين.

ولد(عبد الفتاح بن ابراهيم بن عبد الفتاح بن حميد بن ابراهيم ال وريد) في البصرة سنة 1904م -وفقا لرواية الاستاذ مير بصري في كتابه (اعلام الادب في العراق الحديث)- في اسرة دينية معروفة.. كان ابوه وجده من ائمة المساجد ويحملان لقب المدرس. درس في البصرة وبغداد(1920-1924) ثم واصل دراسته في الجامعة الامريكية في بيروت (24-1928) حيث اختار علم التاريخ وكان الكتاب الاساسي الذي درسه(تاريخ اوروبا الاجتماعي السياسي) للكاتب الامريكي (هياس) ودرس(تاريخ اوروبا الحديث 1870-1918 وغير ذلك من الكتب التي وسعت مداركه الفكرية ليتجاوز الاطار المحلي الضيق ليعتنق الفكر الاشتراكي ثم الماركسي.
قال عبد الفتاح ابراهيم(حصلت نقطة التحول عندي نحو الاشتراكية والاتحاد السوفييتي خلال اعدادي لاحد البحوث الدراسية حول الثورة (1917). ولم يسبق اختياري لهذا الموضوع اي فكرة او دافع الدراسة والبحث.. اما سماعي بالاشتراكية فقد حصل لاول مرة من خلال دراستي لكتاب HEYAS.. فهذا الكتاب تناول الحركات السياسية والاجتماعية في اوروبا ومن ضمنها الحركة الاشتراكية. بالاضافة الى الثورة الفرنسية وما رافقها من مفاهيم حول اندحار الاقطاع وانتصار الطبقة الوسطي والديمقراطية والدستور. اي انني تعرفت على الاشتراكية بشكل اكاديمي مدرسي).
غير ان المضامين الاجتماعية في تفكير ابراهيم لم تبرز فيها الاشتراكية بل برزت فيها الديمقراطية بمضمونها الليبرالي المعادي للسلطة، فيقول:
«كنت انظر ان المقدرة المالية لكل من الاقطاع والاغنياء بصورة عامة انعكست في سيطرتهم على الجهاز السياسي وبحكم عدائي للجهاز السياسي ودفاعا عن الديمقراطية دخلت المفاهيم الديمقراطية تفكيري.. وهذا كان قد نتج عن تاثري بالثورة الفرنسية التي اشبعت مفاهيمي السياسية بمضامين اجتماعية. ولتحقيق الديمقراطية لابد من التأكيد على الشعب والمطالبة بخدمته وتحسين احواله الاجتماعية والاقتصادية.. فأتخذ مفهوم الديمقراطية عندي مضامين اجتماعية....».
بعد عودته من بيروت مارس(عبد الفتاح) التعليم في الموصل والبصرة مابين 1928-1930 وتعرض لمضايقات من السلطة. في هذه الفترة قرا كتابا للبروفيسور MOON  عن الاستعمار فصمم على ان يتتلمذ على يده  يقول”قبل قراءة هذا الكتاب كنت افهم انني اكره الانكليز كانكليز فقط. اما بعده فأصبح مفهومي عن الانكليز وكرهي لهم كونهم استعمارا اقتصاديا استغلاليا».
سافر(عبد الفتاح) الى الولايات المتحدة 1930 ليدرس على يد الاستاذ(مون) وبارشاد من استاذه اختار الكتابة في تشريح الاستعمار واساليبه في امتصاص الشعوب وقد سماه(على طريق الهند) وقد طبع لاحقا عدة مرات في بغداد ودمشق.
استثمر الطالب كل وقته في الولايات المتحدة لدراسة العلاقات العراقية- البريطانية. وعاد الى وطنه دون ان يتم دراسته، لكنه قرأ (راس المال) لكارل ماركس ودراسة عن الدستور السوفيتي وغير ذلك.
عندما عاد الى العراق عمل مترجما في ميناء البصرة ثم وزارة العدل في بغداد(1932) وعاد الى التدريس، واصدر مع اخرين مجلة العصر الحديث(1936) ثم عين استاذاً مساعداً في دار المعلمين العالية عام 1940 فمفتشاً بوزارة المعارف (التربية) عام 1943 واستقال من الوظيفة في السنة التالية فأسس شركة الرابطة للطبع والنشر وتولى ادارتها، واصدر مجلة (الرابطة) في اذار 1944 وهي نصف شهرية لبث الثقافة القومية الديمقراطية. امن (عبد الفتاح ابراهيم) منذ مطلع شبابه بالاراء التقدمية والديمقراطية وحقوق الانسان ودشن مساهماته الفكرية بكراس عنوانه (مباديء الشعبية) الفه سنة 30-1931 وهو الكراس الذي تبنته جماعة الاهالي قبل صدور جريدة الاهالي، وهو عبارة عن (صفحات منهجية بشكل كراس يعتبر اقدم وثيقة سياسية واقتصادية معروفة من تاريخ العراق، وربما في تاريخ المنطقة العربية تصلح لتكوين النواة التي تحمل كل شروط النمو من اجل تطور الحركة الاشتراكية والنظرة العلمية لها في العراق وما جاوره) كما يقول (عبد الغني الملاح). واشترك (عبد الفتاح ابراهيم) مع (محمد حديد) و (علي حيدر سليمان) بوضع اربعة فصول من كتاب (الشعبية) الذي اتخذ في الشيء الكثير من بمبادئها الاشتراكية مع اشادة بها وترغيب بمبادها معتبراً اياها المباديء الوحيدة التي يمكنها ان تخدم الطبقات الاجتماعية المسحوقة، فاستعرض فيه تاريخ الفكر السياسي من اليونان حتى ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917. من الواضح ان (الشعبية) كانت تمزج بين مباديء الديمقراطية وبين مباديء الاشتراكية العلمية، لكنها تختلف عن كل منها فقد اعترفت (الشعبية) بنظام الحكم الدستوري المبني على قاعدة التمثيل النيابي ودعت الى حماية حقوق الانسان. الا انها نادت بان تكون للدولة من حيث علاقتها بالافراد حق التدخل في كل ما يتعلق بتنظيم المجتمع وتبنت نوعاً من التجمعات الشعبية مؤكدة على الشعب كمجموع لا كأفراد، وفي نفس الوقت رفضت الاعتراف بوجود الصراع الطبقي في المجتمع، كما رفضت اسلوب العمل الثوري لتغيير المجتمع، ومن ناحية اخرى اعترفت الشعبية بتنظيمات الاسرة والدين والوطنية. بعد صدور جريدة (الاهالي) في كانون الاول 1932 انتقل (عبد الفتاح ابراهيم) الى البصرة ليعمل في الميناء وهناك واصل الاطلاع على الفكر فترجم كتابين: الاول (التربية والتعلم في الاتحاد السوفيتي) والثاني عن الزعيم الهندي (غاندي) لاعجابه به. ثم صدرت له سنة 1935 دراسة بعنوان (مطالعات في الشعبية) تضمنت هجوماً قاسياً على الفكر القومي جاء فيها:
“ان تاريخ القومية ملطخ بالدماء مملوء بالفضائح والمظالم محشو بالاخاديع والاكاذيب.. وان القومية كانت ولاتزال من الاساليب التي تستغل الشعوب بواسطتها لفائدة الفئات الحاكمة وحدها». وقد سببت هذه الدراسة-وغيرها-خلافات ونقاشات بينه وبين جماعة الاهالي، اما المفكرون القوميون فاتهموه (بالستالينية). ولعل من المفيد ان نثبت هنا شهادة الفقيد عبد الفتاح ابراهيم في كيفية توصله الى مفهوم القومية من خلال الحديث المباشر الذي اجراه واياه (عامر حسن فياض) في االثاني من اذار سنة 1977:”بصورة عامة تكونت انطباعاتي عن القومية انذاك من خلال موقفين تاريخيين. من جهة-ان المانيا في زمن (وليم الثاني) اخذت تنمي وتطور علاقاتها بالدولة العثمانية فزار (وليم) تركيا وبعض اجزاء الامبراطورية وخاصة الاماكن المقدسة كالقدس-هذا الاهتمام الالماني جاء بدافع الاطماع الالمانية بممتلكات الامبراطورية العثمانية. احتضنت المانيا الحكومة العثمانية ورفعت معها علم الجامعة الاسلامية لبسط نفوذها على الشرق.. ومن جهة اخرى فان الانكليز ايضاً بدافع اطماعهم في المنطقة ولمواجهة النفوذ الالماني ومقاومته رفعوا فكرة القومية العربية بوجه فكرة الجامعة الاسلامية.. ولكن هاتين الفكرتين لم تكونا مقطوعتين عن الجذور في الدولة العثمانية نفسها. بل اساسهما هو الاسلام من جهة والحركة الطورانية من جهة اخرى، فاستغل الالمان فكرة الجامعة. هذا الاحتضان للفكرتين من قبل الالمان والانكليز بالاضافة الى اطلاعي على اقتران مفهوم القومية الاوربي بالبرجوازية. كل ذلك خلق عندي ريبة من كلا الفكرتين، ومن الطابع القومي بالذات. زاد كرهي عندما بدأ ت ارى بان مفهوم القومية عند العرب انذاك مفهوم قبلي، وذو طابع فاشي!
بعد الحرب العالمية الثانية انصرف (عبد الفتاح) الى العمل السياسي فالف في نيسان 1946 حزب الاتحاد الوطني واختير رئيساً له.. ثم اصدر جريدة (السياسة) فجريدة (صوت السياسة). وبعد قيام ثورة تموز 1958، عين مديراً عاماً لمصلحة مصافي النفط حتى اذار 1961 ثم واصل التأليف والترجمة. كان (عبد الفتاح ابراهيم) واحداً من رواد الفكر التقدمي، ومن اوال دعاة مكافحة الامية، واول من تنبه لخطورة تدخل الجيش في السياسة وعارض الانقلابات العسكرية! وعمل الكثير من اجل حرية الفكر وحقوق الانسان وحقوق المرأ ة.  اتاح له عمره المديد ان يشهد احتلالين: الاول تشرين الثاني 1914 عندما دخلت القوات البريطانية العراق.. وكان صبيا في البصرة. الثاني في نيسان 2003 عندما احتلت القوات الامريكية-البريطانية العراق. وكان يصارع الشيخوخة ويوشك على الاحتضار!
رحل الاستاذ عبد الفتاح ابراهيم دامع العينين في اوج حاجة العراق والعراقيين له والى امثاله ممن ناضلوا من اجل الديمقراطية وحرية الفكر والمعتقد وتحرير المراة واقامة مجتمع مدني.. حقاً انها خسارة فادحة تتطلب ان ينهض تلامذته ومحبوه الى جمع تراثه المطبوع والمخطوط في مجلدات باقرب فرصة ولياخذ مكانه اللائق في مكتبة التراث الديمقراطية.

قائمة باهم اثار الاستاذ عبد الفتاح ابراهيم:
1. الشعبية-بغداد-1932
2. التربية والتعليم في الاتحاد السوفياتي (ترجمة)-بغداد-1932
3. غاندي (ترجمة)-بغداد-1932.
4. مطالعات في الشعبية-بغداد-1935
5. على طريق الهند-ط1-بغداد-1932
6. مقدمة في الاجتماع-بغداد-1939
7. كلمة في وجهة المجتمع بعد الحرب-بغداد-1942
8. مشكلة التموين-بغداد-1942
9. وحدة الحركة الديمقراطية-بغداد-1946
10. دراسات في الاجتماع-بغداد-1950
11. معنى الثورة-بغداد-1959
12. قصة النفط-بغداد-1960
وغيرها.
عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية