العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :46
من الضيوف : 46
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809719
عدد الزيارات اليوم : 14273
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


مظفر النواب ينقش قصائده فوق قلوب الفقراء

منذ أن خط كلماته الأولى وهو يرسم أحاسيس الفقراء والمعذبين والمضطهدين من الناس، أستل احاسيسهم الحقيقية، وأدرك عمق معاناتهم، وتنفس رائحة الاكواخ والصرائف والبردي، ثم وقف في طوابيرهم ينتظر الامل ويحلم بالغد المشمس


  ورغيف الخبز المداف، ومنذ بواكير اعماله انحاز مظفر بن عبد المجيد نحو الفقراء، يتقاسم وإياهم مرارة الكلمة ويتعاطاها معهم سراً داخل أرغفة خبز الشعير أو ضفائر الفلاحات اللواتي يتحزمن بعباءاتهن في فصل الحصاد، يصير جزء من محنتهم، ويرفع مع الرجال بيارغهم ويكتب هوساتهم، وترك آثار اقدامه فوق جرف الهور عند حدود الغموكة أو الحمار أو الجبايش والفهود، مظفر النواب يتحرر من أهازيج التحدي والعطاء والتضحية التي يقدمها صوراً لتحدي العراقيين في الزمن الحنظل، يعود يهزج وسط حقول الشلب أو فوق جبايش القصب، أو سابحاً في عروق العمال وحرقة العاطلين ولهفة الجياع وشوق السجناء، فأنه لا يلبث ان يرتد اليهم حتى وان عبر السدة بقطار العشق الحديدي،
والعمر الذي مر عليه قيظاً وعاد يمر قيظاً آخر لكنه يرتد مع سؤال مظفر الإنسان عن لوعة الغياب ووحشة الطريق، بعد ان يترك علاماته الفارقة في خطوط الشعر الفضي، أملاً في ان يعود الغائب ويعيد الزمن تركيبة أيامه فينصف الفقراء. والرمز الذي يتعلق به الفقراء في أن يكون لهم بيت وان تتوفر لهم ارغفة الخبز يصير قصيدة من الشمس، ويصوغ قلائد قصيدته من كرامتهم ولا شيء أكثر من هذا، ذلك هو الأمل الذي بات منقوشاً ليس فوق العيون والقلوب، وانما حتى في احلام فقراء العراق الذين لم يزالوا يحلمون بالشمس والخبز، ومن يعرف مظفر النواب يستطيع ان يتذوق طعم الكلمة، ويشعر بملحها العراقي الطيب، ولهذا تجد مفردات عراقية تنبع من بين ثنايا الروح العراقية لا يجيد توظيفها احد من الشعراء مثلما استطاع النواب ان يوظفها، فقدرة مظفر على الولوج الى اعماق الروح وفر له الامكانية في استلال المفردة الشعبية من بين تلك الارواح الهائمة، وحين تخضع ملحمة (حجام البريز) الى التصوير البطيء، يستطيع المتمعن بدقة ان يفرز الصور العميقة والدفينة التي تمكن مظفر من انتقائها خلال تصويره تلك الملحمة، وحجام البريز ليس فقط فلاحاً يناضل ضد السلطة وليس فقط مضحياً بأغلى ما يستطيعه الإنسان ضد السلطات الغاشمة، وانما يرسم صوراً لتاريخ واحزاب ومواقف وصوراً، يستطيع القارئ ان يتلمسها في بساطة الكلمات وروعتها، وفي عمق حروفها ودقة صورها، فمن صورة اليد التي تسبح وهي مقطوعة الاصابع، الى الشمس التي تسقي الحقول بحزمات اشعتها الذهبية، مروراً بأصرار العراقي الذي يعتز بترابه وبأداة الحفر (المسحاة) التي تورثها منذ العهد السومري، وما بين الشمس والطين يأتي السلاح وهو السلاح الذي تحضنه الروح، ويضمه المقاتل الى صدره، فيصير حبيباً ورفيق درب، وتصير تلك الكتلة الحديدية الصماء، عشيقة لا يفارقها ليلاً أو نهاراً، وحتى لا يغلبه النعاس أو تأخذه الغفلة، تلك الغفلة التي أخذت منا ومن اعمارنا وتاريخنا واحزابنا الكثير الكثير، والفتاة (سعيدة الحلوة) التي كانت تنقل التمر الزهدي مع الرصاص عبر مياه الهور، وتحت اكوام القصب العائم فوق اسرار سومر وبابل وطين أور وأكد، وتلك المشاحيف التي تشبه الرحيل نحو عوالم لا يدركها الناس في تلك المجاهيل ودموع تتكسر عند حد الجفن فلا تنساب الا خلسة، وما بين صوت صرير عربات القطار، والتواء القاطرات المنسجم مع صفير القطار ودخانه الأسود الحزين، ومع كل هذا فأن الريل بصريره وآهاته والتواءات جسده وحده من يعبر عن تنهدات العشق وأحاسيس الموجوع دون كلام، فيصيح صيحة القهر وتسمع دقات القلب مع ارتطام خشبة الجاون لسحق القهوة في مضايف سعود، وذلك سعود الذي صار علماً يشار اليه، وصبغ بدمه هذا البيرغ دون ان تقدر عطابات الدنيا وتوقف النزيف، فالروح نازفة مادام الظلم طاعناً في أرواح الفقراء، يتسلل الى عظامهم فينخرها، مادام هناك برد وجوع، وأنهار وعطش، وقطارات تروح وتجيء دون سفر، ومظفر يكتب كلمات تنبع من الروح المنذورة لفقراء الناس، العصافير وحدها تزور الفقراء في اكواخهم، وتسامر اطفالهم، والعصافير وحدها من تسافر دون جوازات سفر، وتنتقل بين شبابيك العاشقين دون وجل، غير ان الفقراء يبقون ملتزمين بقيمهم لا يفترون في عشقهم، ولا يفضحون محبوباتهم، فتزداد صدورهم وجعاً وأسراراً، ويكتفون برائحة المحبين أو في عبورهم امامهم دروباً أو بساتين، فيتعطر الزمن وتزهر المسافات، ولا تفضح عشقهم العصافير، فهي امينة الفقراء، وليس لمظفر النواب الذي عشق بغداد عشقاً دفيناً ان يخفي مجامره فيقول:
(ببغداد الوصول من مثلي يعرفج يا مسعدة اليوم مدة وكت ما شفتج يحلوة وآنه ما ترهملي مدة) فتعيده الروح الى رمل الشواطئ ولعبة الدعبل واشجار السدر وظفائر البنات الحلوات وماء النهر الذي ظل اميناً، والشريعة التي كانت مرتعاً للطفولة، يخبرها انه ظل وفياً لها كأحلى شرائع العمر، غير انه يتعطش لان يبكي في حضنها وان يشم رائحتها، وان يتذوق طعم نبقها وخوخها وأوراقها الدائمة الاخضرار، للشبابيك التي تخفي اسراراً ووجوها ممتلئة بالحسن، وللسنوات التي تغير الناس، وللاراوح التي فرشت نفسها طابوقاً محلياً في سقوف منازل الفقراء، بديلاً عن جذوع النخل وحصران القصب، وللصيف زمن الفقراء الرحيب، وللشناشيل التي كللت جباه البيوت الفخمة.
وصارت نزهة للفقراء واعراسهم حين تمر مواكبهم تحتها، والحزن الذي يعم النفوس.
ويبقى مظفر النواب يستقطب العصافير فوق الشناشيل، ويستقطب ايضاً الاكلاك والزوارق الراقصة فوق تموجات دجلة، تختلط بدموعه وشوقه الدفين، مع طول مدة الوقت التي فارقها، وهي تنبش في حشاشة الروح.
(اليوم مدة وكت ما شفتج يحلوة ونه ما ترهملي مدة) وها قد عبرت سنين العمر، وكبرت كلمات مظفر التي صاغها الفقراء قلائد وقصائد في اعراسهم، وها قد عبر مظفر محنة الالم الدفين، وحفظ أسرار المحبة، ونثر أحرف قصائده فوق رؤوس السجناء في الحلة والسلمان وديالى والمركزي، ويتزاحم في كلماته مع مطر الربيع وروائح ثياب الفلاحين في الغموكة والجبايش، والغيوم التي يتصورها الفقير خضراء شهية، مشبعة تشبه رغيف الخبز، والمطر الذي يبلل شفاه العطاشى فيزيد صمت اهوارهم حزناً ويزيد السمك وسباتاً ومياههم سكوناً، تلك هي ميزة مظفر النواب الذي بادل كل سلطات الدنيا بأكواخ الفقراء، وأبدل كل ثروات الدنيا برغيف من شعير، ولم يبدل محبته لبغداد بما بقي من كل العمر، وبقيت بغداد والقيم منقوشة على كلا جهتي القلب، اميناً كماء النهر، مستمراً كجريان الفرات، وآه من العمر الذي لا يستريح بين المنافي والفنادق والقفار، ولن يستريح، وآه من العمر الذي لم يسترح بين البنادق والخنادق والحدود الغريبة، وآه من العمر الذي تتزاحم فيه كل تلك القصائد، التي انشدها الأطفال في المدارس أو في البيوت أمام أهلهم، ويغنونها العشاق خلسة أو تبجحاً وصارت لوناً من ألوان علم العراق الجديد وصارت أناشيد ثورية لأحزاب كانت ولم تزل وتغنت بها الأمهات والأخوات وغناها حتى الشرطة السريين خلسة عن رؤسائهم وصارت خيوطاً تحكيها الفقيرات لأولادهن كنزات يتدفأ بها الاطفال الفقراء، وصارت لازمة لمن يكتب في نضال الفقراء، فقد أختص النواب بان يكون منهم ولهم، ولهذا سيبقى النواب معهم وبينهم حياً أو ميتاً، لا يطمح سوى ان يكون لهم، وسبقته كل تلك الكلمات التي انتشرت بين الفقراء منشورات سرية تخبئها الصناديق الخشبية، ويبللها عرق نهود الفتيات، وتهتري من كثرة اعادة قراءتها من قبل رجال العراق المسكونين بمحبة النواب
وشعره.
وريل الفقراء البطيء صورة اخرى، ورائحة الهيل والقهوة التي يشمها الفقير ولو على بعد قرن من الزمان، فيشبع منها قبل ان يتذوقها، ومحبة الفقراء التي تكتمها النساء فتصير وجعاً اخر غير وجع ظلمها وظلمتها، فتطلقها النساء في مناجاة الاطفال وفي اغاني الفرح، أو زغاريد الفرح وصرخات الحزن، أو في أغاني العمل وتسلية الروح، والقهر الذي يعم الروح، والمناطق الفقيرة التي وصلها أو لم يستطع ان يحل فوقها مظفر، ووصلها بروحه، كل تلك الاماكن لم تزل تنبت فوقها كلمات مظفر تزهر عاماً بعد عام، فتصير اشجاراً وارفة، وقصائده قاسماً مشتركاً من قواسم المتحدثين باللغة العربية، ولهذا لم يعر النواب أي اهتمام للسلطات الحاكمة، فهو خصمها الأبدي وبقي يتجاهلها ويبتعد عن دواوينها، وبقي معتزاً بانحيازه الى الفقراء في كل زمان ومكان.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية