العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :69
من الضيوف : 69
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809435
عدد الزيارات اليوم : 13989
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


"التأجج" لم ينطفئ والجمالي باقٍ في ذاكرة الناس

حاوره: اسماعيل زاير
مظفر النواب شاعر عراقي اشتهر بقصائده العامية والفصحى، وبإلقائه القصائد بأداء خاص وفي أجواء حساسية سياسية.هذا اللقاء معه حول مصادر شعره وأفق هذا الشعر بعد انتهاء مرحلة يصفها بأنها كانت "متأججة":



.الآن وبعد انحسار الموجة وهدوء المياه، أين انتهت تلك الحماسة الغامرة التي رافقت مرحلة الستينات، والتي كنت في المركز منها؟
- التغيرات كانت حادة، والتطور لابد ان يأخذ أبعاده، فإذا كانت هذا التطور أخذ شكل حماس او تأجج، فقد بدأ يأخذ أبعاداً أخرى، وبدأ المرء ينظر الى العالم على نحو أوسع. والتغيرات التي أصابت العالم كله لابد من ان تترك أثرها في تطوير المفاهيم والقناعات، أقول تطوير القناعات وليس الغاءها.
لا أزال على رغم التقدم في السن، وعلى رغم المتاعب التي تسببه الغربة يوماً بعد يوم وثقل القضايا ووطأتها على النفس، لا أزال أمتلك الحماس نفسه ولكن بشكل أعمق. ربما كان انفعالي يوماً ما حاداً ولكنه الآن يأخذ أبعاداً أخرى… وفي الأساس والجوهر يبقى التأجج موجوداً لذلك عندما يأتي أي ظرف فيه أحداث معينة او اندلاعات معينة حادة، أجد نفسي في الجو الذي كنت فيه من اندفاع للكتابة وحماس على رغم تقدم السن.
أعتقد ان فترة الخمسينات وما بعدها كانت مرحلة هائلة، حتى صعود الأنظمة الفاشية في المنطقة. تلك المرحلة انطوت على زخم هائل للتحويل والتطوير، وهي قطعت وذبحت بحدة. لا تزال تلك المرحلة تعيش فيّ ولم تضع كما قد يكون حصل لبعض الناس. ولذلك لا يزال عندي العنفوان السابق للكتابة عن الأحداث التي تحصل، خذ مثلاً أحداث الأرض المحتلة، فهي لا تزال تشعلني حقيقة. وكذلك أي حدث في العراق او في المنطقة وفي العالم، أي حدث حقيقي له أبعاد إنسانية.

 .يسال ناقدوك: ما الذي ترسب وثبت من مرحلة التأجيج تلك عند مظفر النواب؟
- قد يبدو للمراقب غير الدقيق ان اللغة الحماسية فترت وافتقدت جذوتها، انما الأمر على غير ذلك، فالذي حصل ان هذه اللغة بلغت أعماقاً أبعد. ثم اني لا أعتقد انه كان هناك بحث عن جدوى أساساً. كانت الكتابة الشعرية مثل الرسم من أجل ان يعيش الانسان او ان يخوض في عمق زمنه، أي ان أعيش زمني بعمق، ان ألتزم بزمني بشكل جيد. ومن دون امتلاك الروح المتأججة بالثورية لا أعتقد انني قادر على الاحساس بأنني عائش بشكل جيد. وأفهم جيداً بابلو نيرودا عندما يكتب في مذكراته "أشهد بأنني قد عشت" انه شارك في عصره وفي خضم أحداثه، لذلك تراني كذلك، ليس فقط في الشعر بل أيضاً في حياتي العملية، من السجن الى اريتيريا الى ظفار الى الثورة الفلسطينية في الأردن، خضت مع الفدائيين عمليات داخل الأراضي المحتلة وفي الأغوار. مارست كل ما يشعرني اني أعيش زمني وعصري، ويشعرني ان في أمكاني ان أساهم من خلال ما أكتب في مساعدة الآخرين على تحمل العبئ. الغناء يساعد على تحمل العبئ. النوق مثلاً عندما تمشي في الصحراء يساعدها الحداء على تحمل العطش ويجعلها أكثر قدرة على الصبر، فكيف بالإنسان وهو أكثر حساسية للغناء؟

.واضح انك راض عما فعلت، ما قولك في ما يقال من انك أسهمت في تأجيج حالة سياسية سلبية، أدت في ما أدت الى الهزائم؟
- للهزائم أسبابها وظروفها الموضوعية التي أدت إليها. طبيعة الأنظمة، طبيعة علاقة الغرب بهذه الأنظمة بشكل عام، وعلاقة الولايات المتحدة بشكل خاص وأساسي، الوضع الاقتصادي وكل العوامل الموضوعية التي أدت الى ما أدت اليه، وأهمها تقوية اسرائيل على حساب المنطقة… الخ. الشعر كان يحاول ان يخوض المعمعة في المواجهة كمعركة حضارية واسعة، احدى واجهاتها الأخطر هو الجانب الحضاري.
حضارياً أعتقد اننا على رغم الهزائم لم نهزم، والحضارة العربية الاسلامية، حضارة هذه الأمة، لم تهزم بعد. يجوز ان تكون حصلت اختراقات هنا او هناك، او أصوات منهزمة، ولكن، كجبهة عامة لا تزال حضارتنا قوية. والذي تعمل عليه اسرائيل الآن هو اختراق هذه الجبهة. ما الذي تقصده اسرائيل بالتطبيع؟ اقتصادياً ممكن يمشي كل شيء، سياسياً يمكن ان تعترف بها الأنظمة، ولكن على الجبهة الحضارية، الجبهة الثقافية، الاختراق صعب. ونحن نرى الموقف الشعبي المصري وموقف المثقفين المصريين في مواجهة التطبيع، او في الأوضاع العربية الأخرى بشكل عام. إذاً، أنا ما أججت وضعاً أدى الى ما أدى إليه هذا، بل الظروف الموضوعية تسببت بذلك. ولا أزال مصراً على التصدي، على المواجهة، على المقاومة، ومتمسكاً بكل مفردات المجابهة.

.لننتقل الى الشاعر، الى قصيدة مظفر النواب. هل كنت موقناً انك كنت موقنا انك كنت تبحث عن حداثة ما في الشعر، او لنقل باللغة المألوفة: ما الحداثة بالنسبة إليك؟
- تأتي الحداثة من القدر الذي استوعبته من معطيات عصرك، كم هو أفق نظرتك وخيالك وشفافيتك وحساسيتك، كل هذا مهم للعمل الشعري. هذا هو الذي يخلق التجدد من دون ان تعلم، ان تجلس قائلاً لنفسك أريد ان أجدد وتكتب كتاباً، هذا ليس تجديداً، بل هو اما تنفيذ لنظريات وآراء …الخ. الشعر ليس هذا، الشعر ملامسة هائلة لأسرار الوجود، في لحظة الملامسة هذه تكون شفافاً بالقدر الذي تكون فيه قادراً على التعبير عن هذه الملامسة. ولكن ان كنت تريد تنفيذ نظرية فلا يمكن ان تصل الى هذه اللحظة اطلاقاً. لأنك تكون مشغولاً بما أنت مكتظ به من مسائل نظرية. هذه يجب ان تشتغل في الخلفية.

.ما هو ثوري من هواجسك، السياسي من جهة والمعرفي من جهة أخرى، أي منهما كان أكثر جذباً للحساسية الشعرية؟
- للإجابة أود ان أشير الى ما يعرف في التراث الاسلامي - العربي بالعرفان. والعرفان هو غير المعرفة، بل المعرفة القلبية او الادراك القلبي. وبمعنى آخر بالمصطلح الحديث هو الإدراك الذي ليس فيه حساب مقدمات مثل واحد + واحد = 2، هذا حساب معرفي. العرفان هو تألق، نوع من الومض الذي يحصل في دواخلك ويجعلك تدرك بعض القضايا من دون أولياتها. ما هو واضح بالنسبة للشاعر خلال الكتابة هو هذا القدح الذي الذي يجيء، وأحياناً يضيء أبعاداً مستقبلية من الصعب حسابها موضوعياً.

 .التداول ما بين الكتابة بالعامية العراقية وبالعربية الفصحى، لماذا وكيف حصل في تجربتك الشعرية؟
- كتبت بالإثنتين، وترافق المتنان منذ بداياتي الأولى. وجاء قربي الشديد من العامية من الأجواء التي عشتها، الطفولة وهدهدات المهد، الأهازيج والسبايات، الأعياد والأراجيح (أو الأرجوحات). في البيئة التي عشتها كنت أتلقى كل ما حولي بالعامية، الجو كله كان مشبعاً بالعامية المشحونة بالذكريات والحساسيات التي تولد معها، هذا جانب. أما الجانب الثاني فهو ان للعامية قدرة عالية على ملامسة الناس في العراق تحديداً. الآن أصبحت أوسع من ذلك، فتجد قاعدة لفهمها في الأردن وفلسطين وغيرهما. وانتشار العامية العراقية يجري كما انتشرت قبلها العامية المصرية وأضحت مفهومة من جمهور عربي واسع. هكذا العراقية العامية بدأت تأخذ أبعاداً أوسع، وأنا لا أعتبر ذلك خطأ. من ناحية ثانية فالمفردة العامية او الصيغة العامية لها قدرة على تأجيج الناس أكثر مما تفعل العربية الفصحى، خصوصاً في الأوساط الشعبية ولا ننسى وجود نسبة عالية من الأمية في بلداننا.
الجانب الثالث هو ان العامية تتمتع بغنى جمالي موروث وغير مدروس جيداً، خذ "فدعه" او "الحاج زاير" ونماذج أخرى لم يكن الكثير منها منتشراً، بل الذي كان له حظ الانتشار هم الشعراء الشعبيون في المدن مثل الملا عبود الكرخي، الذي يتميز بكونه ساخراً وناقداً، لا أعتقد ان في شعره بناء او صيغاً جمالية عالية، وقد تكون جماليته في السخرية والهزء والتجريح، هذا الموروث الذي تتمتع به العامية يجعلك تفتح عينيك على جماليات لا تمتلكها الفصحى.
والجانب الرابع هو عامل شخصي، فقد كنت أسمع فقط الشعر الموجود في بغداد او المغنين الذين نسمعهم في الاذاعة العراقية، الى ان رحت في عام 1955 او 1956 الى أهوار العمارة (احدى مدن جنوب العراق الرئيسية) والتقيت هناك بمغنين هم غرير وجويسم وسيد فالح، وقد ذهلت فعلاً بغنائهم. وتكشف لي عالم مهمل، لكنه مليء بالجمال ويمكن ان يسد حاجة كبيرة في امكانيات الخلق لدي، كما لو وجدت طينة معجونة جيداً ومخمرة جيداً لتصنع منها تمثالاً، عالم مختمر، بما فيه من الطين والماء والقصب وأصوات الجواميس، كنت أمام عجينة حية تماماً تنتظر احداً ممن لديه فهم للمعاصرة الشعرية الحديثة ليتنبه إليها وليشتغل على المادة الخام الهائلة التي لا تنضب منابعها. كما كتبت عن مناطق الهور من قصائد… ولكن، حتى الآن أشعر أنني لم أعمل شيئاً نهائياً، هذا العالم المختمر يكفي كمنبع لأعمال ابداعية هائلة، وأنا لا أعتقد أن السلطة في العراق تخاف من الهور فقط، لكونه مكاناً للتمردات بل هناك خوف من الجمالية الموجودة في الهور، خوف من الجميل يشعر به القبيح لأنه يفضحه. لذا فإن هناك اتجاهاً لإنهاء وتدمير هذا المنبع، ومن ثم لإنهاء الشعر الذي يكتب عنه.

.بعد هذه السنوات من تجربتك في الشعر العامي، هل ترى حالات ابداع تتناسب مع ما ذكرت في داخل العراق او خارجه؟
- لا أعرف ما الذي يحصل في الداخل لأنني بعيد ولا يصل إليّ شيء منه. والتجزيء الحاصل ما بين أقطار الوطن العربي تجعل الإتصال بأوروبا او أميركا أسهل من الإتصال ببلد عربي آخر.
 القصائد العامية العراقية لم يصلني منها سوى ديوانين او ثلاثة عبر أشخاص عابرين بالصدفة. لكني متأكد من وجود كم جيد. أتذكر أسماء كثيرة كانت واعدة ولكن هل هي صمتت في النهاية؟ لا أستطيع الجزم. قد لا تكون الظروف تساعد على ايصال اعمالها، خذ مثلاً عريان سيد خلف و علي عبدالحسين وغيرهما لا نعلم ما يكتبون وما يفعلون، الجو سيء جداً، والذي يعيش أجواء احتقان واختناق لا يستطيع ان يكتب. حتى المنافذ المساعدة على التنفس او الإيصال غير موجودة. أما في الخارج فان الكتابة بالعامية العراقية محدودة جداً، وقد لا تجد غير رياض النعماني.

.قراءة قصيدتك تحيلنا الى تداعيات وأسئلة عن مغزى بعض المفردات مثل الموت، العشق، الجسد، الصداقة. ما الذي عنته لك هذه المفردات؟
- الوجه الآخر من الديكتاتورية هو الرعب من الموت. ليس ثمة ديكتاتور غير مرتعب من الموت. وهو لمشاغلة نفسه تراه يضطهد البشر. ليس ثمة عشق الا ويكون جانبه الآخر هو الموت. التعلق والوله يعكسان الخوف من الموت، وعندما تتحرر من هذا الخوف وتجد أمامك الزمن كله، فمن الصعب تصور الحياة من دون الموت.

.هل كان الموت دافع أول لقصيدة ما من قصائدك؟
- ضمن القصائد كلها يمكن ان تجده. لكني لم أكتب قصيدة محددة بهذا الدافع. وعلى رغم قناعتي بعدم انتفاء الكائن البشري وانتهائه، إلا انه من الصعب تقبل ان يموت أمامي إنسان أعرفه وكان يتحدث معي ولديه عواطفه وأحاسيسه وسيصبح تراباً ويأكله الدود. صعب استيعاب الأمر وتهزني التجربة من الأعماق على رغم قناعتي، تتصارع القناعة مع المظهر المادي الذي يحصل أمام عيني. وهذه هي أزمة كلكامش مع انكيدو.

.هل توافق على القول الشائع ان العراق زبون جيد للموت، او ان الموت أحد عناوين القصيدة العراقية والمشهد الثقافي العراقي؟
- صحيح، ثمة انطباع شائع ان الرسم العراقي والشعر العراقي ممتلئ بهذا الشيء الذي يدعى الموت. لكن ما يشغلني ليس هذا النوع من الموت. فهو يصح ان يدعى إبادة او قسراً، انها لحيوات قبل مواعيدها، انها لطاقات هائلة قبل موعدها. هناك مواعيد طبيعية لموت الكائن البشري، وهذا ما أتحدث عنه.
 جريدة الحياة - لندن
27 ايار 1995م

 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية