العدد(3935) الاثنين 29/05/2017       اخبار الثورة الروسية في الصحافة العراقية... مكتبات رائدة في خدمة الافكار الماركسية       من ذكريات رمضان في الجيل الماضي       طرائف وحقائق عن محمد مهدي البصير في سنواته الاولى       كيف صدر قانون الاصلاح الزراعي؟ ومتى عرف العراق أولى الجمعيات الفلاحية؟       هكذا عرفت بغداد شوارعها وساحاتها الحديثة       من أين جاء اسم منيرة الهوزوز؟       من قصور بغداد العثمانية الباقية..قصر كاظم باشا في الكريمات       العدد (3934) الاحد 28/05/2017       17 شاعراً روسياً في كتاب "من ديوان الشعر الروسي"    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :12
من الضيوف : 12
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 15711074
عدد الزيارات اليوم : 6760
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


صورة طالب غالي في البصرة

 طالب عبدالعزيز
في بيت من  بيوتات اليهود المهجورة بالبصرة القديمة،على نهرظران،في الربع الأول من  سبعينيات القرن الماضي،ومع حشد من العمال والفلاحين والطلبة والمعلمين  يتقدمهم صف من الكبار،يرتدون بدلات زرق بأربطة حمراء،لم أرهم من قبل،في بيت  زين للتو بأشرطة ملونة وصور كثيرة لطالما شاهدتها في الكتب الصادرة عن دار  التقدم،لم تكن الإضاءة


 كافية في البيت كي أتبين الجميع،لكني عرفت وفي وقت متأخر أن من بين الذين كانوا يجلسون في الأمام أسماء مثل أبو زيتون،أبو جماهير،أبو ثابت..
 في البيت هذا،ولأول مرة سمعت باسم طالب غالي،وهو يغني أغنية حسين جاسم (الفرحة طابت يا هوى والسعد غنى- بدر الليالي استوى ونوّر محلنا،توالفت القلوب –محبوب مع محبوب-.لليلنا يعدي والنهار ما ندري عنا) هناك رأيته،ثمة  حزب يحتفل بذكرى ميلاده، وكان طالب شعلة فرح كبير،في نهاية السهرة قال لي بأنه يريد فسيلا برحيا،من بستاننا الكبير لحديقة بيته الصغيرة،قلت:نعم،هو لك، لكنه غادر ولم يعد إلا بعد ثلاثين عاما.
  ترى كيف نتحدث عن طالب غالي،الشاعر والفنان والموسيقي والملحن، ولم لا نقول أنه واحد من الذين تعلمنا منهم أبجديات كثيرة،ليس أقل منها الحب،الذي منه حب الناس والوطن،والوفاء الذي منه للأهل والأصدقاء،والأمل الذي منه الأيام المقبلة، والنور الذي منه القمر والنجوم والجلنار.وهو الذي علمنا الموسيقى التي منها خرير الماء في الجداول،الجداول التي تتفرع من نهر الخورة وتسقي مئات الدونمات الزراعية التي كنت تسور بيتهم في المناوي،ليس (المناوي لجم)،القرية التي ما زال النخل يحف بعض بساتينها إنما (المناوي باشا)،حيث ولد وحيث تغرّب وعاد إليها،طالب غالي النورس الأبيض الذي علمنا أن الجمال صنعة لا يحسن ترديدها إلا الراسخون في حب أوطانهم،في حب بني جلدتهم.
  في واحدة من التحديثات التي يجريها موقع  (google) على واجهته نقرأ،وبالمصادفة في اليوم،الثالث عشر من آذار- مارس عبارة تقول:(ذكرى ميلاد الموسيقار محمد عبد الوهاب) وهناك صورة لعوده ونظاراته يستطيع كل متصفح عربي قراءتها،فيتذكر الصوت الخالد الكبير والألحان العظيمة التي تركها العملاق العربي،ترى لم لا نتذكر طالب غالي،ومعه ما لا نحصي من الأسماء والنجوم التي زينت سماءنا زمنا،وهو الذي ترك لنا أجمل الألحان،من منا لا يتذكر أوبريت (المطرقة) الذي لحنه غالي،من منا لم يرقص (الهيوه) آنذاك مع جوقة الراقصين الذي حلموا معنا بوطن كبير، يرقص فيه الجميع فرحا وزهوا،من منا لا يتذكر أوبريت(بيادر خير) وقد عمل على تلحين العديد من لوحاته،ومن منا لم يغن: (عمّي عمّي يبو مركب يبو شراع العالي)،وهو الذي لحن للسياب العظيم (غريب على الخليج)أيام كان مغتربا في الكويت،ثم لحن له(أنشودة المطر)،وكذلك كان مع الجواهري في (دجلة الخير)، وهناك العشرات من القصائد التي لحنها للشعراء مثل محمد سعيد الصكار وعبد الكريم كاصد وخلدون جاويد وغيرهم.
   لكني أحتفظ له عندي مع ما أحتفظ له عند الآخرين بأشياء ظلت معي سنوات وسنوات،ففي يوم من أيام العام 1977،قبل النكسة بسنة،السنة التي طارد بها النظام السابق رفاقه والتي أضطر عندها مع من أضطر إلى مغادرة العراق،أتذكر أني رأيته في مكان هو اليوم قبالة أستوديو ستراك،المصور ألأرمني،عند مدخل الشارع الوطني،خائفا مثلي،يلملم أوراقه،يرزم حقائبه،يمّني نفسه بساعات أكثر، قبل أن يُلقى عليه،لم نقف طويلا ساعتها لأن النظَّارة من العسس والبعثيين كانوا في كل مكان،وفي وداع قصير جدا اختفى غالي،توارى وسط حشد الخائفين،لكني بقيت أتقصى أخباره عند الذين لم يسافروا، ثم انقطعت نهائيا،قبل أن يدخل البصرة سرّا،عبر ألحانه التي كان يؤديها فنان الشعب فؤاد سالم،وهي المرحلة الأدق في حياة الفن العراقي –البصري تحديدا.
   من هناك قاد الثنائي الكبير (طالب،فؤاد)حملة الحب والوفاء والجمال،حتى أصبحا في كل بيت عراقي،لأن أغاني فؤاد بألحان طالب غالي كانت منشورنا السري الذي ظل يرعب النظام سنوات وسنوات،لكني،لا أعرف كيف أصبحت صورة (فكتور جارا) الفنان التشيلي الذي أعدمه الرئيس  بيونشيت مطلع السبعينيات، هي الأقرب لي كي أتخيل طالب غالي،ربما لأن نظام صدام حسين ظل يلاحقه في الكويت قبل أن يغادرها إلى الأردن ومن ثم إلى روسيا وليستقر أخيرا في الدانمارك،قبل أن ألتقيه في البصرة التي ظل يجيئها خفيفا من هناك،حيث الثلج.
  ولأن الغربة تخلق وعيها،تخلق صورتها عبر أكثر من نافذة،كان علينا تخيل حياة الفنان بعيدا،أو وهو يبتعد ويجرّب الآفاق،لكننا سرعان ما نمسك بها،في متخيل هو من صنع أوهامنا أحيانا،وهكذا،وعبر متقطع من التذكر كانت بعض الأعمال الدرامية في التلفزيون الكويتي،الذي كان مُشاهَداً في البصرة،بل أن الريح الشرقية التي كانت تضايق الناس برطوبتها باتت وسيلة لسماع أصداء نائية،هكذا خيّل لي أنها تحمل صوت طالب غالي أو صورته ربما، ومن منا لا يتذكر المسلسلات الكارتونية المدبلجة للعربية مثل(الحوت الأبيض ولوسي الرائعة)وهي تؤدّى بصوت هدى حسين أو بصوت ابنتيه (لنا وسنا)أعمال كنا نحرص على متابعتها ومشاهدتها ضمن نستولوجيا بصرية،لكأننا نريد أن نستعيد معه صوته الشجي ببحته الآسرة في عوده،الذي طالما جاءني حامِلَه بسيارته الرينو البيضاء منتصف السبعينيات،اليوم أريد أن أقترب أكثر من المخمل البصري،الذي ظل ينهمرُ على أرواحنا سنوات وسنوات،بعد أن فاء الله علينا بنعمة عودته،هكذا،علّي أعطيه الفسيل البرحي الذي أتعبتني ظلاله ثلاثين عاما.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية