العدد (3956) الخميس 22/06/2017 (مير بصري)       مير بصري يؤرخ ليهود العراق أيام الوحدة الوطنية       مير بصري.. وفاء وحنين دائم للعراق       مير بصري... العراق حبا ساكنا في حنايا ضلوعه وخفقات قلبه.       مير بصري...الباحث والاقتصادي والأديب العراقي       مير بصري ينقب في ذاكرة بغــــــداد       مير بصري موهبة كونية ووطنية عراقية فرطت بها السلطات العراقية       مير بصري.. عراقية المثقف ومسؤولية التنوير       مير بصري والذاكرة الناصعة العراقية       مير بصري واسهاماته في خدمة حركة الثقافة العراقية المعاصرة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :61
من الضيوف : 61
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16144449
عدد الزيارات اليوم : 5794
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الروائي العراقي زهدي الداودي… المتخيل بعين المؤرخ

صفاء ذياب
 «في كل خطوة  تخطوها لمواجهه الموت، تجد نفسك خائر القوى يقتحمك النعاس. كل شيء يبدو لك  في تلك اللحظات حزيناً جداً، مقفراً، كئيباً، جامداً لا حياة فيه، تحس  بنفسك قد انقطعت عن العالم الخارجي، وفي تلك اللحظة بالذات، تعرف أن الموت  ليس مجرد مفردة اعتيادية كتلك التي يسمعها الإنسان كل يوم ضمن أحاديث أو  مناسبات مختلفة، دون أن يتأثر بها.


مفردة الموت تقترب من محتواها الحقيقي المرعب، ليس من الشخص المرشح للموت، إذ إنه لن يدرك حقيقة موته ولن يصدقها أبداً، ذلك أن المناعة التي منحته إياها الطبيعة، أقوى بكثير من وعيه الذي لا يمكن أن يعيش تجربة الموت التي لا تختلف عن تجربة النوم، فالنائم لا يعرف متى بدأت عملية النوم. الفرق إذن بين الحالتين هو أن النائم حين يستيقظ، يعرف أنه كان قد استسلم للنوم بخلاف الميت الذي لن يستيقظ».
هكذا كان يفكّر القاص والروائي العراقي الكردي زهدي الداودي بالموت، الموت الذي يرعب أغلب الكتّاب لأنهم ما زالوا يعتقدون بأنهم لم ينجزوا الكتاب الذي كانوا يحلمون به منذ بداياتهم، مضيفاً: «كما لا تهزك هذه المفردة حين تمس إنساناً لا تعرفه. بيد أنه، أي الموت، يتحول إلى شيء لا يمكن أن يوصف حين يواجهك مباشرة. إنه خنجر يتخذ طريقه إلى القلب دون أن يقتلك، ودون أن يخرج من هناك. وإن شاء له أن يخرج من القلب، فإن جرحه لن يلتئم، إنه كابوس يجثم على صدرك أبداً». وعلى الرغم من حياة الداودي الحافلة بالكتب والسفر والتحولات الكثيرة، إلا أن خبر رحيله كان صادماً لقرائه وأصدقائه، فالداودي الذي نشأ في بيئة كردية، لم يكتب إلا باللغة العربية، لأنها اللغة التي يمكن أن يكون بها متواصلاً مع مجايليه، بعد أن دخل ضمن جماعة كركوك، مع سركون بولص وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي وغيرهم.
ولد الداودي عام 1940 في مدينة طوزخورماتو في كركوك، عمل في التعليم الابتدائي، ثم غادر إلى ألمانيا، حيث درس ونال شهادة الدكتوراه في فلسفة التاريخ عام 1976، فعمل في التدريس الجامعي في ألمانيا والعراق وليبيا. أصدر عدداً كبيراً من الأعمال القصصية والروائية والدراسات والترجمات، منها: «الإعصار، قصص 1962. رجل في كل مكان، رواية 1974. الزنابق التي لا تموت، قصص 1978. رحلة إلى بابل القديمة، ترجمة عن الألمانية، 1984. أسطورة مملكة السيد، قصة طويلة 1990. أطول عام، رواية 1994. زمن الهروب، رواية 1998. فهد والحركة الوطنية العراقية، دراسة نقدية بالاشتراك مع كاظم حبيب 2003. وداعاً نينوى، رواية 2004. تحوّلات، رواية 2007. فردوس قرية الأشباح، رواية 2007. ذاكرة مدينة منقرضة، رواية، 2010. 13. عويل الذئاب، رواية 2013».
كما أصدر عدداً من الكتب باللغة الألمانية، منها: «الأكراد، تاريخ، حضارة وكفاح مصيري، دار أومشاو، فرانكفورت 1987. سعار، قصص، دار كيبنهوير- لايبزك 1993. أطول عام، رواية، دار كيبنهوير- لايبزك 1993. وداعا نينوى، دار كولتورفيرك – هيلدسهايم 2011».
ورغم إصداراته الكثيرة، وعلاقته بجماعة كركوك التي أخذت شهرة واسعة، غير أنه لم يكن تحت الأضواء في العراق، فكونه كرديا، وهربه إلى ألمانيا، ومن ثمَّ الموضوعات التي تناولها في قصصه ورواياته، كل هذا دفع السلطة الحاكمة السابقة إلى أن تغيّب اسمه تماماً، هذا التغييب الذي استمر حتى الوقت الحالي، سوى دراسات قليلة تناولت أعماله.
يصف الداودي بعض مراحل حياته في السيرة التي ألقاها في المؤتمر الأول للرواية العراقية في لندن 2013، قائلاً: في الصف الخامس الابتدائي تمنيت أن أكون كاتباً، بعد أن كنت أتمنى أن أكون شرطياً فمعلماً. وهكذا قررت أن أكون كاتباً، وإذا ما كان الإنسان يتمكن العيش من وراء هذه المهنة، فمسألة لم تخطر ببالي. حاولت أن أكتب قصة على غرار قصة اللقلق والثعلب، بيد أن المشكلة التي واجهتها عند البدء بالكتابة، هي كيفية التعبير عن أفكاري وتكوين الجمل ورحت أجمع الجمل المفيدة من مجلة «سندباد» المصرية التي كنت مشتركاً فيها وأنقلها إلى قصاصات ورق أحتفظ بها داخل ظروف حسب المواضيع التي تعالجها الجمل، وأحاول حفظها عن ظهر قلب. وكتبت أول قصة عن ثعلب أو ابن آوى يسرق دجاجة من حظيرة فلاح، وعندما صاحت الدجاجات بقيادة الديك، تضامناً مع الدجاجة المسروقة، استيقظ الفلاح وراح يبحث عن الثعلب الذي ترك الدجاجة تهرب واختفى وراء جدار. ولكن سرعان ما عثر عليه صاحب البيت الذي ناوله ضربة قوية من عصاه على مؤخرته. وكان أن هرب الثعلب وقرر أن لا يكرر فعلته التي لم تجلب له سوى ضربة قوية على مؤخرته التي لا تزال توجعه إلى يومنا هذا.
فضلاً عن الكتابة، فقد كانت لدى الداودي اهتمامات في الرسم أيضاً، ولاسيما في مجال نقل الصورة، «ذات يوم جاءنا معلم الرسم والأعمال اليدوية علي قمبر بخبر الإعلان عن مسابقة لأحسن صورة يرسمها الطلبة على مستوى اللواء. ولما كنت لا أثق بنفسي كرسام، لذا لم أهتم بالخبر، الأمر الذي لم يعجب علي قمبر الذي أصر على ضرورة مشاركتي في المسابقة. وكان أن رضخت لطلبه برسم صورة الملك فيصل الثاني بالقلم الرصاص. وكانت الصورة التي رسمتها، كما قال مطابقة للنسخة الأصلية. وعندما ظهرت النتائج، حصلت، كما قال علي قمبر، على الجائزة الأولى التي كان مقدارها خمسة دنانير، سألني أمام الطلبة ما إذا كنت مستعدا للتبرع بالمبلغ لشراء أدوات الرسم لمرسمنا الفقير. وكان أن انتزع مني كلمة نعم».
ربما كان المعلم والرسم والمسابقة من المؤثرات التي دفعت حياة الداودي للتغير، ومن ثمَّ فإنه سعى لتوثيق كل هذه التغيرات في أعماله الروائية، مؤرخاً ومتخيلاً.. روايته «أطول عام» توثق بعضاً من الحياة الكردية، وهو ما يراه نجم عبد الله كاظم حين يتحدث عنها، قائلاً: تقع مجريات الرواية في زمن الدولة العثمانية وحكم الكرد في منطقة كردية عراقية، وتحديداً في وادي كفران. ولأن من الواضح جداً أن الروائي ينطلق من وجهة نظر كردية خالصة، فقد دعم وجهة النظر هذه بالعناية بالبيئة الكردية والناس الكُرد والتراث الكردي، فما كاد يترك شيئاً مما يتعلق بذلك إلا وتطرق إليه من علاقات اجتماعية خاصة وأعراس وطقوس زواج وعشائر وقيم عشائرية وعلاقات عائلية، وغيرها كثير. وإذا كان هذا مبرّراً، فإن ما هو غير مبرّر، على الأقل من الناحية الفنية هو شرح كل شيء من ذلك يذكره أو يتطرق إليه أو يرد في سياق الرواية، من عادات وطقوس وقيم وأماكن وتأريخ، وهو ما ينسحب على روايات أخرى للكاتب قرأناها: «وقام الجميع من أماكنهم بصورة لاإرادية وهم يبسملون ويبحثون بعيونهم القلقة عن الشيخ الذي مرّ كالطيف واختفى في جنح الظلام… وقبل أن يعود الرجال إلى أماكنهم صاح مروان من برجه: تعالوا انظروا إلى هذه الأضواء التي تلمع في كل مكان، الله أكبر، الله أكبر… وهرع الجميع إلى السطح، وانبهروا حين رأوا خطاً طويلاً من الأضواء المتلألئة في الأفق.
 قال مروان وهو يتصنع الدهشة: لقد رأيته بأم عيني وهو يترك وراءه هذه الأضواء، وكان يلمع مثل النور، ثم صعد بحصانه إلى السماء بسرعة فائقة مثل شهاب واختفى».
في حين يتحدث الكاتب حكيم نديم الداودي عن رواية «تحولات» مبيناً أن الداودي المحدّث لهو خير شاهدٍ على تلك الأيام الماضية سارداً لنا وبصيغة المواجع موجز الأحداث السياسية والمراحل الصّعبة لنشوء الحركة اليسارية في العراق، وتأثيرها على الوعي الجمعي لشباب ذلك العهد، ورجّها للعقول المناهضة لفكر الهيمنة البرجوازية الصغيرة أو الأنصياع للموروثات القبلية. هنا الروائي زهدي متابعٌ حاذقٌ في نقله لتلك الأحداث وإمكانيته الوصفية في نقل خطوط تلك التفاصيل الضرورية، هو في وصفه وتشريحه الاجتماعي والأخلاقي للشخصيات وتحولاتها فنان محترف في استكماله للفراغات الضرورية في إضفاء الجمالية الواقعية على اللوحة.
يلتقط زهدي وعبر العناوين الداخلية لمشاهد روايته مشاهد مأساوية لبعض الظواهر الاجتماعية الشاذة، ومنها زواج الشيخ الكبير من الفتيات الصغيرات. وينقل في السطور الأخيرة من العنوان الفرعي وتحت عنوان استعادة الدار المرهونة، وعلى لسان صديقه اليساري عباس نامق: كيف أن الرجال الكبار في السّن يتزوجون بعشوائية ودون وعي، من نساء صغيرات وحين يموتون يُخلّفون وراءهم مجموعة من الأطفال تحتار بهم الأم الشابة، وفي ضوء قراءتنا لمَسْنا جراح ومعاناة أسر تعيش في بؤس اجتماعي كبير من خـــلال تصوير الداودي لهم ولمجموعة أخرى من شرائح ذلك المجتمع، وفي ظل حقبة زمنية عصيبة مع ملكة القدرة على تصويرها في وقتها كوثيقة سياسية حّية، وبعد مضي عقود طويلة عليها، وفي قلم صاحب الرواية تشعر وكأنك تعيش ذلك الزمن وتتفاعل مع وتيرة تحرك الشخصيات القلقة بكل تفاصيلها الطويلة، وكل حسب دوره في صناعة أحداث الرواية.
وحسب رأي أحد الصحافيين، فإن ميزة الداودي القصصية هي أنه يجمع في القصّة أو الرواية بين الوثيقة الروائية والوثيقة التاريخية، وبين بنية السرد الفني القصصي الخيالي. فلم تكن الوثيقة مسجلة بحذافيرها كما لم تكن الحياة المعاصرة مادة جامدة، بل هما في نسيج من يصنع من مناهل تاريخية متعددة مادة قصصية حديثة. كما أن الداودي ينقل لنا وبأسلوب ممتع لحظات إعلان الثورة على العهد الملكي، واقترن ذلك الحدث التاريخي كوثيقة مهمة في سردية فنية موفقة وبأسلوب مشوق يجعلك قريباً من لحظات فرح ثورة تموز/يوليو، في عنوان فرعي آخر وتحت عنوان- الثورة- نكون مع تلك الوثيقة بشقيها التاريخي والروائي، فوتيرة ذلك الحَدث الجسيم تتناغم مع فرحة الجموع وبتقنية فنية مستساغة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية