العدد (3956) الخميس 22/06/2017 (مير بصري)       مير بصري يؤرخ ليهود العراق أيام الوحدة الوطنية       مير بصري.. وفاء وحنين دائم للعراق       مير بصري... العراق حبا ساكنا في حنايا ضلوعه وخفقات قلبه.       مير بصري...الباحث والاقتصادي والأديب العراقي       مير بصري ينقب في ذاكرة بغــــــداد       مير بصري موهبة كونية ووطنية عراقية فرطت بها السلطات العراقية       مير بصري.. عراقية المثقف ومسؤولية التنوير       مير بصري والذاكرة الناصعة العراقية       مير بصري واسهاماته في خدمة حركة الثقافة العراقية المعاصرة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :61
من الضيوف : 61
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16144434
عدد الزيارات اليوم : 5779
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ذكريات مع مظفر النواب

د. زهدي الداوودي
لم أتمكن من التغلب على دموعي حين رأيت مظفر المتعب، يعانقه مام جلال وترحب به الكاظمية باسم العراق الذي أحبه مظفر إلى حد الفناء.
حين  رأيت آثار الزمن و المرض المحفورة على وجهه وحركاته، تذكرت لقاءنا الأول  في سجن الحلة قسم الوسطى عام 1965 وهو قادم بحيوية ونشاط مع مجموعة من  السجناء السياسيين من سجن نقرة السلمان. رحبت به باسم اللجنة الثقافية في  السجن.


وبعد عدة لقاءات حميمة ومفتوحة، عرف بأنني لست من مؤيدي خط آب اليميني. توطدت الصداقة بيننا وراح يحكي لي كيفية هروبه بعد الانقلاب المشؤوم 8 شباط 1963 إلى إيران ووقوعه مع مجموعة من رفاقه في فخ سافاك (الأمن الإيراني). ورغم أنني كنت قد سمعت تفاصيل القصة من صاحب الحميري ومعن جواد، إلا أنني كنت استمع بلهفة بالغة إلى رواية مظفر التفصيلية. وبوصول مظفر إلى سجن الحلة توسعت حلقتنا الثقافية نوعياً. كانت الحلقة تضم كل من ألفريد سمعان، فاضل ثامر، يوسف الصائغ، هاشم الطعان، جاسم الجوي، هاشم صاحب، نعيم بدوي، صادق قدير الخباز وغيرهم. كنا قد اعتدنا على تقديم الندوات الادبية وعرض المسرحيات شهريا.
 أبدى مظفر استعداده للعمل في مجال اللجنة الاجتماعية التي كانت تضم بعض الضباط. وحين أبلغته بضرورة تقديم مساهمة ثقافية ملموسة من عنده، تردد في إعطاء الجواب وكان أن ألححت عليه بضرورة مساهمته لأهمية اسمه في أوساط السجناء. وكانت لجنة تنظيم السجن قد قررت احتضانه والاستماع إلى آرائه. أبلغني أنه لا يتعاون مع التنظيم لأنه ذيل القيادة اليمينية. وحين أردت إقناعه كون لجنة تنظيم السجن ليس مع خط آب، اشترط علي عرض مسرحيته المضادة لخط آب اليميني المعنونة بـ (الفحم). قلت: هات مسرحيتك وأشرف على إخراجها بنفسك. وقدمت المسرحية ضمن مهرجان ثقافي رائع دام عدة ليالي. ومن ضمن المسرحيات التي قدمناها، مسرحية باللغة الكردية عن حياة الأنصار مثلت فيها دور الأب قمت بكتابتها وإخراجها. وكان مظفر يقوم بعملية الماكياج واختيار الملابس.
وتوطدت الصداقة بيننا أكثر فأكثر وكانت شلة الأدباء، رغم المماحكات الصغيرة، أصبحت وحدة منسجمة تلتقي وتسهر مع قوري الشاي في الحفلات الغنائية التي تقيمها أم كلثوم إلى وقت متأخر من الليل. ومما زاد في هذا الانسجام، الشعار الجديد الذي رفعه الحزب وهو نبذ خط آب اليميني ورفع شعار إسقاط السلطة. وانتعشت حركة النشر في الصحافة العراقية والعربية، الأمر الذي أدى إلى تردد أصدائها في خارج السجن مثال ذلك قصيدة «أصحيح يا مظفر؟» للشاعر الفقيد بلند الحيدري التي نشرت في مجلة الآداب البيروتية. 
تأجيل حفر النفق وإنقاذ الضابط حامد مقصود
كان من المقرر حفر نفق لتحرير عدد غير قليل من السجناء المحكومين بالاعدام من أهالي الموصل، على أن تنتهي عملية الحفر في العام 1966، بيد أن قرارا عاجلا من الحزب طلب تأجيل حفر النفق والعمل من أجل تحرير السجين حامد مقصود في أسرع وقت ممكن، ذلك أن رئيس الجمهورية عبد السلام عارف قد قرر محاكمة حامد بسرعة والحكم عليه بالاعدام فورا.
في خضم هذا الخبر الذي لم يعلن عنه بعد، جاءني ذات مساء سجين، يخبرني أنه رأى حامد مقصود وهو يحفر ويوسع في مجرى مياه القاذورات المؤدي إلى الجانب الآخر من الجدار. وأكد السجين الزميل أن صاحبنا مازال يحفر بقطعة حديد. وطلبت منه أن يصطحبني إلى مقربة من المكان. كان الظلام قد هيمن على الجو بسواده. سلمت على حامد مقصود وسألته عما يعمل. قال أن القيادة اليمينية لا تريد انقاذ حياته المهددة بالموت ولذلك يريد الاعتماد على نفسه. قلت له لا جدوى من محاولتك أيها الرفيق، ذلك أن هناك جدارا آخر وراء الفسحة التي تريد بلوغها. وكنت في الحقيقة أبحث عنه كي أبلغه رأي التنظيم بخصوص هروبه من السجن. قلت له هناك قرار بتهريبك من السجن في أسرع وقت ممكن. ولما سألني عن التفاصيل، قلت: سيتصل بك رفيق آخر ويتحدث معك بخصوص التفاصيل. وأنت بعد وصولك إلى كردستان ترسل لنا برقية كي نعرف شغلنا. تنفس صاحبي الصعداء وسلمني قطعة الحديد.
عندما حل يوم المواجهة حوٌل مظفر حامد مقصود إلى شيخ في الثمانين ونقش ختم السجن على رسغه بدعوى أنه جاء لمواجهة حفيده السجين. وفعلا تمكن حامد مقصود الشيخ أن يخرج مع المواجهين بسلامة وبعد أسبوع وصلت منه برقية تؤكد وصوله إلى المكان الأمين. وكان أن تم إلغاء تحويل الوسادة إلى مريض موهوم يتم به خدع الشرطي المسؤول عن التعداد قبل خروج المواجهين. بعد نجاح هذه العملية توطدت أواصر العلاقة بين مظفر والتنظيم، الأمر الذي أدى إلى تكليفه، حسب اعتقادي، بالاشراف على عملية حفر النفق التي بدأت بعد انتهاء فترة الحكم الصادر بحقي وخروجي من السجن في بداية آب 1966.
حين خرجت إلى عالم الحرية المزعومة، شعرت بنفسي وقد دخلت سجناً آخر، ولكن أكبر هو سجن العراق وسرعان ما اجتاحتني مشاعر الغربة في الوطن ووحشة افتقاد الأصدقاء الحقيقيين الذين تركوا فراغا كبيراً في أعماقي. ومن فرط اغترابي، رحت أحن إلى سجني الأول الذي اكتشفت فيه حقيقتي وأكدت فيه ذاتي. ولما لم أجد عملا أهرب إليه، لجأت إلى زنزانة وجودي الذي كما كان يقول مظفر: إن لم أجد أحداً أعارضه، أبدأ بمعارضة ذاتي.
سطور من رواية «رجل في كل مكان»
كان القمر هناك مطلاً على النخلة الوحيدة
التي كان جزء من رأسها يظهر من وراء السور،
ومظفر جالس بجانبه، عيناه الكبيرتان مشدودتان
إلى النخلة التي تشرب نور القمر:
•-   في السلمان كنت ترى القمر أقرب إلى
الأرض.. والنجوم تكاد تلمسها بيديك..
        وأما هنا فتخنقها أضواء المدينة..
         والمجرة كانت تبدو كما لو أنها أحد الأنهار العظمى، يمكنك أن ترى منبعه ومصبه في آن واحد.
         لم تكونوا محرومين من رؤية الآفاق إذاً.
ألا ترى أن طبيعة هذه الأشياء تتغير حين تلاحظها وأنت خارج السجن؟
ربما ستكون تافهة..
         من يدري؟..
ولكن ألم تكن ذات يوم خارج السور؟
  لكننا كنا لا نفكر أننا سنكون وراءه يوماً..
 
لقاء في مؤتمر الشعب العربي بطرابلس. اكتوبر 1981
لم يكن وجودي في طرابلس بسبب المساهمة في أعمال المؤتمر، بل كنت هناك لإنجاز بعض المعاملات في سفارة ألمانيا الديمقراطية المتعلقة باقامتي في بلدهم وذلك بحكم وجود عائلتي هناك. كنت أعمل آنذاك مدرسا في كلية التربية بجامعة قار يونس في البيضاء. استغللت فرصة وجودي هناك للقاء ببعض الأصدقاء والمعارف. قبل توجهي إلى فندق الشاطئ التقيت في جامعة الفاتح بصديقي د. عدنان الظاهر وأخبرني بأن الجماعة التي أريد لقاءها تتواجد هناك. التقيت أول الأمر بمظفر. كان لقاءاً حارا أعطاني في أول الأمر رقم تلفونه ورقم شقته في الفندق وقال أن التعامل مع الجهات الليبية صعب جدا وإذا صادف أن تورطت بمشكلة مع فرد أو جهة ليبية علي الاتصال به فورا. مجمل القول أحسست منه أنه غير راض بهذه (الصداقة) التي تربطه بالقذافي ومع ذلك فهي ماشية ولا يعرف متى ينفرط العقد. ثم التقيت بكريم أحمد ومهدي عبد الكريم، سامي عبد الرحمن ومام جلال وغيرهم. كانوا قد جاءوا للمساهمة في أعمال مؤتمر الشعب العربي ظاهرا، ولكنهم في الحقيقة جاءوا بالدرجة الأولى للحصول على مساعدات من القذافي. إذ كانت المعارضة العراقية آنذاك تفتقر إلى المال فعلا. كنت بعد كل دورة أعود إلى مظفر في ركنه نتبادل الذكريات القديمة ونضحك بصوت عال. قال أنه يحز في نفسه أن يرى وفد الحزب الشيوعي العراقي وقد طال انتظاره لمقابلة العقيد القذافي وربما سيطول الانتظار أكثر. اقترح علي أن أتكلم مع الوفد وإذا كان لا مانع لديهم فانه سيطلب من القذافي أن يلتقي بهم فورا ويلبي كل طلباتهم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية