العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :54
من الضيوف : 54
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31728592
عدد الزيارات اليوم : 3790
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


قراءة في مذكرات (الخاتونة) مس بيل عن العراق

القسم الثالث
تغير السياسة
ولما قررت الحكومة البريطانية تغيير سياستها في العراق، ارتأت إعادة السير بيرسي كوكس بصفة مندوب سام لتنفيذ هذه السياسة الجديدة، وتأسيس حكومة ذات واجهة عربية، تدار ـ حسب قول مس بيل ـ بأيد عراقية وأدمغة بريطانية. وعلي أثر عودة السير بيرسي كوكس الي العراق، غادره آرنولد ويلسن في أيلول (سبتمبر) 1921، وكتبت مس بيل: كان الأسبوع الماضي مزدحما بحفلات التوديع لآرنولد ويلسن، وفي الليلة السابقة لمغادرته جاء لتوديعي،


 وقلت له إنني أشعر بخيبة لا استطيع وصفها، وإنني آسفة في الواقع لأننا لم نتمكن من جعل علاقاتنا أفضل. أجاب انه جاء ليعتذر، فقاطعته قائلة: إنني واثقة أن الذنب كان ذنبي بقدر ما كان ذنبه، وإنني أتمنى ألا يغادر حاملا في صدره ضغينة نحوي، فأجابني مبادلا عاطفتي التي أبديتها بالمثل. أما ما كان يدور في فكره عن الأمر كله فعلم ذلك عند الله وحده. ويبدو أن ما كان يدور في فكر ويلسن حقيقة هو نفس ما قاله لها، وانه كان صادقا فيما أبداه لها من عواطف. فقد كانت غيرترود بيل تكتب رسائلها وهي ما تزال تحت تأثير أحداث الساعة، وما تتركه من غضب وتأثر، فتعكس بذلك حالتها النفسية الآنية، وقبل ان تبتعد عن الاحداث بدرجة تسمح لها باعادة التفكير في الامور بصورة عقلية هادئة. اما آرنولد ويلسن فقد كتب رأيه في غيرترود بيل بعد ذلك بسنوات، وفي وقت كانت فيه غرترود بيل قد غادرت هذه الدنيا، وذلك في كتابه بلاد ما بين النهرين: بين ولاءين، فأشاد بمواهبها وخدماتها، وختم ما كتبه عنها بقوله: هل كان ذلك بين أهلها في انكلترا، ام في رياض طهران التي احبتها كثيرا، إن مست شفتيها أحلام المسيح للمرة الأولى بنداء حي صادر عن هيكله؟ ذلك ما لا اعلمه، ولكنني مؤمن بأنها كانت موهوبة حقا لتخدم علي حد سواء البلد الذي ولدت فيه، وذلك الذي اتخذته موطنا، بقدرة وحماسة نادرتين بقدر ما هما ثمينتان.
وكتبت مس بيل بعد مغادرة ويلسن، مرة أخرى إلى أبيها قائلة: أشعر منذ مغادرة ويلسن كأنني خرجت من كابوس وأشارت في رسائلها التالية الي اخطاء ويلسن في مسؤوليته التاريخية التي أساءت الي مصالح بريطانيا، وأثارت الشعب العراقي ضدها: انني اشعر، بصورة اعمق فأعمق، كم كان ويلسن مخفقا بصورة مفجعة في فهم الوضع، وكم اساء بقصر نظره الي فرص النجاح. انني اعرفه من تجربتي الشخصية بأنه لا ذمة له، وكسياسي اعتقد انه عاد بأكبر ضرر يمكن أن يعود به فرد من الأفراد.
وقالت في رسالة أخرى: انه أثار الشعور القومي، واستخف بقوته، وأساء فهمه تماما. ان ويلسن مسؤول عن واحد من اكبر الاخطاء السياسية التي ارتكبناها في آسيا.. . وعلي الرغم من ان كلا من غيرترود بيل وويلسن تحدث احدهما عن الآخر في كتبه، وسجل رأيه فيه بصراحة، فمن الطريف ملاحظة إنهما لم يطلعا على رأي بعضهما في بعض.
فقد نشرت رسائل مس بيل في سنة 1927، وكان ويلسن علي قيد الحياة، ولكن تلك الطبعة من رسائلها كانت منقحة ولم ينشر فيها شيء من تعليقاتها على الأشخاص الذين كانوا لا يزالون علي قيد الحياة، وبضمنهم ويلسن.
ولما نشر ويلسن كتابه بلاد ما بين النهرين: بين ولاءين في سنة 1930، ودون فيه رأيه في غيرترود بيل، كانت هي قد توفيت قبل ذلك بسنوات. فلم تطلع علي ما كتبه ويلسن عنها. ولما صدرت الطبعة الجديدة من رسائل مس بيل في سنة 1961 التي تضمنت ما سبق ان حذف من الطبعة الأولى، كان ارنولد ويلسن ميتا. فقد انتهي الأمر بآرنولد ويلسن بعد مغادرته العراق أن عين مديرا لشركة النفط الإيرانية، ثم عاد إلى انكلترا فانتخب نائبا في مجلس العموم. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية تطوع للخدمة في القوة الجوية وهو يقارب الخمسين من عمره، وقتل في سنة 1945 وهو يقــــاتل بطائرته فوق برلين، فمات دون أن يطلع على ما جاء في رسائل غرترود بيل عنه.
وكان ارنولد ويلسن قد عهد إلى المس بيل خلال عملها معه بوضع تقرير شامل عن الوضع العام في العراق وما وقع فيه من احداث منذ الاحتلال البريطاني، فأعدت تقريرا مفصلا بعنوان عرض للإدارة المدنية في العراق فلقي هذا التقرير اهتماما زائدا، واحدث ضجة كبيرة، وقدم إلى كلا مجلسي العموم واللوردات، ونشر ككتاب ابيض رسمي، وقابلته الصحافة البريطانية بثناء واستحسان، وعلقت عليه احدي الجرائد بقولها:
وأخيرا أصبح بوســــع امــرأة أن تدبج كتابا ابيض كهذا.
وأشارت غيرترود إلى هذا التعليق في احدي رسائلها إلى أبيها قائلة: تسلمت الآن رسالة الوالدة التي تقول فيها أن هناك ضجة كبرى حول تقريري، ويبدو ان الخط العام الذي اتخذته الصحافة هو انه لامر جدير بالاهتمام والتقدير ان يستطيع كلب الوقوف علي ساقيه الخلفيتين ـ اي ان تستطيع امرأة تحرير (كتاب أبيض). ليتهم ادركوا مصدر الاستغراب هذا، واهتموا بالتقرير نفسه اذا كان فيه ما يساعدهم علي فهم العراق .وفي 11 تشرين الاول (اكتوبر) 1920 عاد السير بيرسي كوكس الي بغداد بعد ان فشلت سياسة ويلسن فشلا ذريعا، وقررت الحكومة البريطانية تغيير سياستها في العراق وتأسيس حكومة ذات واجهة عربية، واصبح الحاكم المدني العام السابق يسمي المندوب السامي ، وبذلك كان اول ممثل سياسي بريطاني في العراق. واستقبل السير بيرسي كوكس استقبالا حافلا واشترك في الاحتفال بقدومه الشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي وألقى في الترحيب بها كلمة استهلها بهذين البيتين:
عد للعراق وأصلح منه ما فسدا
وابثث به العدل وامنح أهله الرغدا
الشعب فيه عليك اليوم معتمد
فيما يكون، كما قد كان معتمدا
ثم حمل الزهاوي علي الثورة العراقية وعلي القائمين بها حملة شعواء وذمها ذما شديدا. وعلق المرحوم عبد الرزاق الحسني علي ذلك مستشهدا بالآية الكريمة: والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر انهم في كل واد يهيمون، وانهم يقولون ما لا يفعلون .
واستبشرت مس بيل بعودة السير بيرسي كوكس بطبيعة الحال، واصبحت يده اليمني في كل اعماله، واسهمت مساهمة فعالة في تأسيس الحكومة المؤقتة واقناع السيد عبد الرحمن النقيب بقبول رئاستها، وفي اختيار وزرائها، بهمة لا تعرف الكلل، وحيوية نادرة.
تشرشل في وزارة المستعمرات
وفي شباط (فبراير) 1921 نقل المستر وينستون تشرشل من وزارة الحرب وأصبح وزيرا للمستعمرات، فقرر عقد مؤتمر في القاهرة دعا اليه الممثلين العسكريين والسياسيين البريطانيين في الشرق الادني لاعادة النظر في سياسة بريطانية في المنطقة ودراسة إمكانات خفض النفقات البريطانية فيها، وتقرير علاقات الدولة الجديدة المقبلة في العراق ببريطانيا العظمي من حيث النفقات، وشكل الدولة المقبلة، وشخص رئيسها، ونوعية قوات الدفاع فيها، وغير ذلك. فلما ذهب السير بيرسي كوكس لحضور هذا المؤتمر كان من جملة من اصطحبهم معه سكرتيرته الشرقية غيرترود بيل التي كانت المرأة الوحيدة في المؤتمر. ومن المعروف إن فكرة ترشيح فيصل الأول لعرش العراق كانت قد تقررت بصورة نهائية هناك.
ومنذ أن نصب فيصل الأول على عرش العراق، وهو قرار كان للمس بيل دور كبير في تبنيه، لم يتمتع احد بثقته مثل تلك المرأة الانكليزية التي كان يدعوها: (أختي). وفي كثير من ساعات الأزمات كانت هي الوسيطة المقبولة في تسهيل الاتصالات السرية بين دائرة المندوب السامي والبلاط الملكي. أما في الأوقات الاعتيادية فكان عملها بصورة رئيسية متصلا بشؤون العشائر. علي انه لم تكن هنالك أية قضية إدارية لم يستعن فيها فيصل الأول ورجاله، والمندوب السامي وأعوانه، بمعونتها، وكانت معرفتها بالبلد وسكانه تفوق معرفتهم دائما.وقد أظهرت الأيام كم كان الجنرال مود مخطئا في اعتراضه علي تعيين امرأة في هيئة موظفي المفوض المدني، لأن كون مس بيل امرأة كان علي العكس مما توقعه، من اهم اسباب نجاحها في عملها سواء أكان ذلك في تأثيرها علي فيصل الاول ورجاله، أم في اتصالاتها بالأسر العراقية، وتعرفها علي زوجات الساسة والزعماء، ودخولها بيوتهم، مما لم يكن في إمكان أي رجل القيام به.
وكان من جملة واجبات مس بيل، بوصفها السكرتيرة الشرقية لدار الاعتماد، إعداد تقرير استخبارات نصف شهري تضمنه كل أحداث البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما يدور علي ألســــنة الناس من إشاعات، وما يتحدث به الناس في المقاهي والأسواق، أو تردده النسوة في مجالسهن، وتحاول إعطاء صورة واضحة لاتجاهات الرأي العام العراقي وانطباعاته خلال أسبوعين. وهذه التقارير محفوظة جميعا في مركز الوثائق العامة بلندن وفي مكتبة المتحف البريطاني، وبإمكان الباحثين والمؤرخين الاطلاع عليها بسهولة.
حوارات مع الخادم
وكانت مس بيل تضمّن رسائلها إلى والديها كثيرا من المعلومات التي تذكرها في تقاريرها الرسمية وما لا تذكره فيها أحياناً، وخاصة ما هو طريف أو غريب منها، أو ما له صفة شخصية. وكان يتساوي لديها ـ في رسائلها ـ اهتمامها بحديث لها مع الملك، أو حدوث أزمة وزارية خطيرة، او حديث مع طباخها صباحا قبل ذهابها إلى عملها.
وانقل ـ علي سبيل المثال ـ فقرة من رسالة لها إلى أبيها مؤرخة في 7 كانون الأول (ديسمبر) 1919:
.. وكذلك طباخي الجديد ـ آه يا أبتي كم ستعجبك رؤيته وهو يتجول مزهوا بعباءته. وهو علي الرغم من إجادته الطبخ إلى حد بعيد، وصنعه كيكات ممتازة، فانه لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب، وذاكرته معطوبة. إن حسابات الصباح مثال على ذلك، فهي تجري كالآتي:
غيرترود: يلله مهدي، الحساب، لازم أروح للدائرة.
مهدي: خادمج، خاتون، اشتريت.. شسمه
غيرترود: زين، شسمه؟
مهدي: تّمن، قرانين
غيرترود: ثمان آنات. وبعد؟
مهدي: بعد اشتريت شسمه
غيرترود: شنو؟ يلله
مهدي: خبز، ست آنات
غيرترود: زين، داوم
مهدي: بعدين اشتريت شسمه
غيرترود: يا فاطر السماوات ـ شنو؟
مهدي: شكر.. روبيتين
غيرترود: روبيتين؟ زين
مهدي: بعدين خاتون، نسيت البيض مال البارحة
غيرترود: زين، بعد؟
مهدي: بعدين اشتريت لحم. روبية
غيرترود: وبعد؟
مهدي: والله اشتريت ـ خاتون احضّر لجنابج لحم للعشاء؟
غيرترود: كيفك.. خلّص الحساب
مهدي: علي راسي، وبعد اشتريت شسمه
وهكذا دواليك حتي اصل الي حالة بين الهستيريا والضحك..
وبعد ان تطلب الي أبيها ارسال بعض الحاجيات تقول:
هل تعلم يا أبي ماذا يسمونني هنا؟ أم المؤمنين. وآخر من كان يلقب بهذا اللقب عائشة زوجة الرسول. وهكذا ترى لماذا لا استطيع أن اترك هذا البلد.
المتحف العراقي
هنالك ناحية مهمة أخرى في حياة غيرترود بيل في العراق تستحق إشارة خاصة، وهي اهتمامها بالآثار القديمة وتأسيسها المتحف العراقي.
كانت غيرترود بيل بحكم خبرتها الطويلة السابقة في شؤون الاثار، وولعها بالتنقيبات الآركيلوجية، كبير الاهتمام بآثار العراق القديمة، ولكن انشغالها الكثيرة خلال السنوات الأولى من قيام الإدارة الجديدة في العراق لم تسمح لها بإعارة هذه الناحية ما تستحقه من وقتها وعنايتها. فلما انتهت المفاوضات الطويلة والصعبة لعقد المعاهدة العراقية ـ البريطانية في سنة 1925، تمكنت مس بيل، على الرغم من بقائها في منصبها سكرتيرة شرقية لدار الاعتماد، أن تخصص مزيدا من الوقت لشؤون الآثار، فعملت علي تأسيس إدارة للآثار القديمة وعُيّنت مديرة فخرية لها وبقيت تشغل هذه المديرية حتى وفاتها.
وقد مشت مس بيل في تشجيع البعثات الأثرية علي القدوم إلى العراق وإجراء الحفريات والتنقيبات في مواقعه الأثرية الغنية بالآثار، وخاصة في (أور)، وعملت علي تحقيق مشروع إنشاء متحف وطني، واتخذت له مكانا دائما في بغداد، في البناية التي شغلها المتحف العراقي حوالي أربعين عاما، في شارع الأمين ببغداد.
الرحلة الأخيرة
قضت غيرترود بيل في العراق عشر سنوات كاملات لم تقطعها سوى ثلاث إجازات قصيرة في أوروبا وانكلترا، وبلغت الثامنة والخمسين من عمرها وهي في عمل دائب، وحركة لا تنقطع، مما استنفد رصيدها من القوة الجسمية، وكان الأطباء قد نصحوها بعدم قضاء صيف آخر في بغداد، ولكنها رفضت مغادرة العراق حتى تنتهي من تأسيس المتحف.وفي مساء الأحد، 11 تموز (يوليو) أوت إلى فراشها وطلبت إلى خادمتها (ماري) أن توقظها في السادسة صباحا. وكانت (ماري)، كسائر المحيطين بغير ترود، قلقة علي صحتها، فتسللت الي غرفتها ليلا لتطمئن عليها فوجدتها علي ما يرام. ولكنها حين دخلت لايقاظها في السادسة صباحا كانت غيرترود في رقدة ابدية. وعلم فيما بعد انها تناولت جرعة كبيرة من حبوب منومة تدعي Dial حسبما كتب الدكتور دنلوب مدير المستشفي الملكي في بغداد، في تقريره عن وفاتها. وكانت وفاتها قبل يومين من عيد ميلادها الثامن والخمسين.وهكذا انتهت حياة حافلة بالمغامرات والمنجزات وانطوت صفحة ملونة طريفة من تاريخ العراق الحديث، كما فقد الاستعمار البريطاني ركنا مهما من اركانه.
جري للمس بي في اليوم التالي تشييع رسمي حضره الملك علي مندوبا عن اخيه الملك فيصل الاول، والمعتمد السامي البريطاني، ورئيس الوزراء عبد المحسن السعدون، والوزراء، ورئيس المجلس النيابي، وعدد كبير من الاعيان والنواب والوجهاء والمستشارين البريطانيين، ودفنت في مقبرة المسيحيين في الباب الشرقي (قرب ساحة الطيران).
يصف الذين كانوا علي معرفة بالمس بيل شكلها ومظهرها بانها كانت ذات شعر نحاسي اللـــــون، وعينين عسليتين تميلان الي الخضرة. وبشرة براقة، وانف مدبب وطويل بشكل غريب. ويقال ان الرجال الاوروبيين ـ ومنهم لورانس ـ كانوا يجدونها جذابة. وعلي الرغم من انها كانت متوسطة الطول، منتصبة القامة، وتتمتع بكثير من الانـــوثة في مظهرها وملبسها، فان النسوة المحافظات ـ فيما يقال ـ كن، لأمر ما، لا يرتحن اليها.وكانت كبيرة الاهتمام بملابسها، تخترق ازقة بغداد الضيقة، وغير المبلطة، وهي مرتدية اخر الازياء الباريسية. وفي رسائلها الي والديها نقرأ طلبات مستمرة لمختلف الملابس والقمصان وغيرها من مخازن لندن وباريس المشهورة.
وكانت غيرترود بيل يوم وصولها الي العراق في الثانية والخمسين من عمرها، وكانت امرأة نحيفة جدا، ولم تكن من النوع الذي يميل اليه الرجال العراقيون، وخاصة في ذلك العهد، لنحافتها المفرطة، ولكن اثرها فيهم كان مع ذلك كبيرا بسبب شخصيتها القوية ولباقتها وحركتها الدائبة، وكانوا يخاطبونها قائلين: خاتون، حتي اصبح ذلك لقبا لها تعرف به، فاذا تحدثوا عنها قالوا: الخاتون، وكانت ألف لام التعريف تغني عن ذكر اسمها.
وكان بيتها موئل كثير من الرؤساء والاعيان، كما زارها وتناول العشاء معها الملك فيصل الاول غير مرة. وكان من اكثر رؤساء العشائر ترددا عليها: فهد الهــــذال، شيخ مشايخ عنزة، وعلي السليمان، شيخ الدليم، وحسن السهيل، شيخ بني تميم.
وكان لها اصدقاء من الوجهاء المحليين، اقربهم الي قلبها الحاج ناجي في الجادرية، وجعفر عطيفة في الكاظمية، وفائق بك (والد المرحومين ماهر فائق وباهر فائق) في الفحامة. وكانت كلما ضاق صدرها، او رغبت في القيام بنزهة، قصدت احدهم في بستانه بسيارة او زورق بخاري او علي صهوة جوادها الذي كانت تحتفظ به في اسطبل صغير في حديقة دارها. وكانت غيرترود تأنس اليهم بعيدا عن جو عملها اليومي والموضوعات التي تشغلها، وقد تردد ذكرهم كثيرا في رسائلها.
ولم يكن مجتمع بغداد في ذلك الوقت قد تعود اختلاط الجنسين، ولم يكن من المألوف لدي الناس ان تسلك امرأة مثل سلوكها، او تمارس مثل نفوذها، او تشغل مثل منصبها. ولذلك اصبحت (الخاتون) موضوع احاديث الناس في المقاهي والدواوين والبيوت. فهي تسير سافرة في الشوارع، وتحيي الرجال، وتزورهم في بيوتهم ومكاتبهم الرسمية، وتستقبلهم في بيتها. وعلي الرغم من كونها في العقد السادس من عمرها لم تنج من بعض اقاويل السوء التي نشرت عنها. وصار الناس يتحدثون عن علاقات لها مع هذا الرجل او ذاك من الشخصيات العراقية او البريطانية.
الزهاوي وذات العيون الزرق
وكان الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي في ايام الاحتلال البريطاني ينشر من حين لآخر، في احدي الصحف المحلية، رباعيات شعرية تضمنت غزلا في عيون زرقاء، فاستغل خصومه ـ وهم يعرفون تردده وقلقه ـ هذه المناسبة لاحراجه فاطلقوا في الاندية والمجالس اشاعة فحواها ان هذه الرباعيات تضمنت غزلا بعيون مس بيل، وما كادت هذه الشائعة تبلغ سمع الزهاوي حتى طار هلعا وامتلأ رعبا، واسرع يبعث الرسل اليها ويقسم اغلظ الايمان بين يديها ان ليس لتلك الرباعية اي صلة بعينيها.
ولكن الشيخ تقي الخاصي كان اشجع من الزهاوي حين نظم في مس بيل قصيدة تهكمية اشتهرت في حينها، وتناقلها الناس لطرافتها، ومن أبياتها:
وافت الينا مس بيل
راكبة طرمبيل
تحكي البدور وجها
وشعرها يحكي الليل
ترنو غزال نجد
وتشرئب كالخيل
فما رأتها عين
إلا وقالت: كيل كيل
عرج علينا نقضي
عشية في الاوتيل
وكان أول من فطن إلى أهمية رسائل مس بيل في العراق هو الصحافي القدير رفائيل بطي بما أوتي من حس صحافي مرهف وثقافة عصرية ومتابعة لما ينشر في الغرب بصورة لم تتح لغيره من الصحافيين في عهده. فعني بنشر ترجمة لرسائل مس بيل في جريدته (البلاد) يوميا بصورة متسلسلة ابتداء من عددها الأول. وعلى الرغم من أن الجريدة لم تذكر اسم المترجم إلا أن رفائيل بطي أخبرني انه كان يونس السبعاوي.
على أن بعض ما جاء في تلك الرسائل من صراحة غير مألوفة في العراق في ذلك الوقت، وما احتواه بعضها من مساس برجال الدين، وخاصة من الشيعة، أثار استياء بعض القراء. وبادر الشيخ باقر الشبيبي إلى كتابة مقالة في جريدة (البلاد) نفسها (في عددها الصادر في 20 كانون الثاني ـ يناير 1930) حمل فيها على مس بيل ورسائلها بشدة.وكذلك انبري شاعر شاب، كان سيقدر له أن يكون من اكبر شعراء العراق فيما بعد، وهو محمد مهدي الجواهري، الذي نظم قصيدة موجهة الى مس بيل، او الى روحها، قال فيها انها كانت ترمي إلى التفرقة بين أهل العراق، جاء فيها:
قل للمس الموفورة العرض التي
لبست لحكم الناس خير لباس
لي قيلة تلقي عليك بمسمع
وبمحضر من زمرة السواس
ان كل سرك في العراق بان تري
ناسا له مضروبة بأناس
فلك التعزي في سياستك التي
عادت عليك بصفقة الإفلاس
خطط وقفت لها حياتك أصبحت
شؤما عليك وأنت في الارماس
وقد فات منتقدي مس بيل على ما جاء في تلك الرسائل والذين اتهموها بمحاولة زرع الفرقة في صفوف العراقيين ـ كما ورد في المثالين السابقين ـ ان مس بيل لم تكتب رسائلها للنشر، لكي يقال أنها كانت تحاول ذلك، بل أنها كانت رسائل شخصية لم تتوقع نشرها، ولم تفكر فيه.
وأخيرا لا بد لنا أن نتساءل، كما يتساءل الكثيرون، هل كانت مس بيل صديقة للعراق حقا، كما اشتهرت، تعد العراق وطنها الثاني وتسعي لأجل خيره وتقدمه؟ أم كانت مجرد أداة من أدوات الاستعمار لا تهمها غير مصالح بريطانية؟ ام كانت ـ كما وصفها البعض ـ جاسوسة تتظاهر بمحبة البلد الذي تعمل فيه ولا تهمها مصلحته، ولا تهدف إلا إلى خدمة بلادها؟كانت مس بيل في البداية ضابطة استخبارات مع جيش الاحتلال، ثم أصبحت سكرتيرة شرقية للمعتمد البريطاني في عهد الانتداب. وهي لم تتظاهر بأية صفة اخرى، ولم تخف طبيعة عملها موظفة في حكومة بلادها بصورة رسمية لا يشوبها الكتمان تخدم بلدها بكل نشاط.
وليس هنالك شك في ان مس بيل كانت مخلصة لوطنها كل الاخلاص، ولو لم تكن كذلك لما استحقت الاحترام، ومن لا يكون مخلصا لوطنه لا يمكن ان يكون مخلصا لوطن آخر مهما تظاهر بمحبته وصداقته.
ولكنها الي جانب ذلك كانت امرأة عاطفية، عاشت في العراق سنوات طويلة، وكونت لنفسها فيه اصدقاء ومحبين، وكانت اذا وجدت الفرصة للقيام بخدمة للعراق واهله، بما لا يتعارض مع مصالح بلادها، وان تنجز بعض الاعمال الطيبة فيه، فلا شك انها كانت تبادر الي القيام بذلك.
والواقع ان الذين كانوا يتصلون بها من ابناء البلد، ويزودونها بالاخبار والمعلومات ـ مأجورين او متبرعين ـ وينفذون ما يكون مخالفا لمصلحة بلادهم من طلباتها، هم اقرب الي صفة الجاسوسية منها.
كتب المرحوم يوسف غنيمة، وزير المالية العراقي السابق، والبحاثة المعروف، مقالة عن مس بيل في مجلة (لغة العرب) الصادرة في ايلول (سبتمبر) 1926 (اي بعد وفاتها بشهرين) عبر فيها عن هذا المعني بقدر ما تسمح به الظروف في تلك الفترة من الهيمنة البريطانية، قال فيها: اما الخطة التي انتهجتها في سياستها في العراق فهي انها تسعي السعي المتواصل للتوفيق بين السيادة القومية العراقية واستقلال البلاد، وبين مصالح بريطانيا العظمي في هذا القطر. فهي بريطانيا مخلصــــة لبلادها، وصديق حميم للعرب والعراقيين .وكان امين الريحاني، اديب المهجر الكبير، قد زار العراق حينما كانت مس بيل علي قيد الحياة وفي اوج نشاطها السياسي، وتحدث عنها بأسلوبه المعروف في فصل طريف من كتابه ملوك العرب ختمه بقوله: حدثني احد المستشارين قال: طريقة المس بيل السياسية قديمة، وهي مع ذلك لا تركن في الامور لا لعقلها دائما ولا لقلبها. وقال اخر: الناس يأبون التأديب سواء اكانوا عراقيين ام انكليزا.
ولكن المس بيل لا تجابه العراقيين دائما بالقاعدة والعصا كالمعلمة المرشدة، بل تجيئهم مرارا وهي تحمل هدية بدل العصا. هو ذا قلبها عربون اخلاصها ايها الزعيم الوطني، هي ام المؤمنين يقــــينا. واذا رفضت الهدية والمشورة، اذا ابيت النصح والامتثال، فهوذا الســـجل، وفيه سيرة حياتك منذ دببت ودرجت، الي يوم وقفت مستعطفا او محتجا في دار الانتداب .لذلك لا يبادلها العراقيون الحب والوداد، ولكنهم يحترمونها ويعجبون بها، ويودون لها ما يوده المرء لعمته، او الفتاة لخالتها. لا تحبينا كثيرا، عافاك الله، ولا تتدخلي كثيرا في امورنا .
وبعد، فان مس بيل تمثل في تاريخ العراق عهدا مضي وانقضي، وسيرتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بمرحلة من مراحل تاريخنا القريب. وان اهتمامنا بها، ودراستنا لسيرتها ورسائلها ينبعان بطبيعة الحال من اهتمامنا بدراسة تاريخنا بكل صفحاته المشرقة والمظلمة، والافادة من دراسة الماضي وتجاربه الحلوة والمرة، لبناء مستقبل افضل. فالتاريخ قبس من الماضي ينير الطريق الى المستقبل.
الموضوع نشر ضمن اوراق الراحل عباس بغدادي في جريدة الجمهورية 1989



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية