العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :56
من الضيوف : 56
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31807943
عدد الزيارات اليوم : 12497
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


أطوار غريبة في بـاشـوات بغـداد

جعفر الخياط
مترجم وباحث راحل
كان الحكم العثماني الذي خضع له العراق أربعة قرون طويلة غريباً في كثير من أحواله وأطواره. وكان الباشوات الذين يعينون من الباب العالي للحكم فيه يؤلفون مجموعة متنافرة يختلف أفرادها اختلافاً بيّنا في سوياتهم ومداركهم, وفي عاداتهم وأحوالهم, بحيث يستطيع المرء أن يجمع مجموعة طريفة من أحوالهم الشاذة وأطوارهم الغريبة.


فقد تولى الحكم في بغداد سنة سبعة وتسعين وخمس مئة وألف للميلاد حسن باشا الوزير , وعهد إليه السلطان بتأديب السيد مبارك أمير المشعشعين في الحويزة الذي تجاوز على جهات البصرة وعاث فسادا فيها على ما يول. وكان انتدابه لهذه المهمة من قبيل الاعتماد عليه , لأنه كان على ما يروي "جلبيــا" شجاعا.
علة أن أمر غريب ما يروى عنه أنه كان مغرورا كثير الإعجاب بنفسه , ميالا إلى الأبهة والفخفخة . ولذلك كان يحيط نفسه بعدد كبير من الحشم والأعوان ,وبالكثيرين من رجال الحاشية على اختلاف أنواعهم وأزيائهم , مضارعا بذلك الملوك والسلاطين . ثم ذهب إلى أبعد من هذا فصنع له , حينما تربع على دست الحكم في سراي بغداد , سريرا فخما كبير الحجم بلغت تكلفته خمسين ألف قرش. لأنه بالغ في تزويقه وزينه بزينة الأزهار والأثمار، التي صاغها من الفضة الخالصة . وقد أطلق على هذا التخت أسم « كاخ بهشت" . فظل بسلوكه هذا موضع تعجب الناس وتندرهم ردحا طويلا من الزمن . وهذا الباشا هو الذي بنا جامع الوزير المعروف ببغداد اليوم . وفي غضون سنة سبعة وأربعين وستة مئة وألف صدر الفرمان الهم ايوني بعزل باشا من باشوات بغداد يدعى إبراهيم , فأعلن العصيان وقبض على بغداد بيد من حديد , ثم جمع من حوله قطعات الجيش المحلي فتحدى بها الدولة العلمية . وبدلا من أن تبادر الجهات المسؤولة في الأستانة إلى انتقاء رجل كفء يحل في محله وينتزع بغداد منه وقع اختيارها على خصي من خصيان البلاط العثماني يدعى سميز موسى باشا , أي موسى باشا السمين. وكان الباشا السمين هذا معروفا ببدانته المفرطة وعجزه عن السير والحركة , ومشتهرا بطبعه العصبي ومزاجه الحاد. والغريب في الأمر أن السلطان إبراهيم الذي عينه كان يبتغي من تعيينه في هذا المنصب أن يرفع الكلفة عنه , ويخفف أعباء الحياة عن كاهله, لأن الاشتغال في مثل هذا المنصب الخطير لم يكن في نظره ألا عملا ترفيهيا لا يتطلب غير قليل من الجهد وشيء لا يؤبه به من التفكير, ومع جميع ما كان في هذا الباشا من نقاط ضعف وعدم لياقة للمنصب أصبح حينما تسنم كرسي الباشوية حاكما بأمره, وبرهن خلال مدة حكمه كلها على استهتاره المتناهي بالقوانين والقيم واستهانته بالأرواح والأنفس .وكان أعماله كانت تأبى ألا أن تكون معبرة عما كان متسترا في تضاعيف جسمه الثقيل المترهل من أمارات مركب النقص الشديد بأنواعه وألوانه. فقد أطلق الحرية للجنود الانكشارية الذين تغلبوا على سلفه العاصي في الاعتداء على الناس والتجاوز على الوجوه واربا الثروة . وكان الجو الإرهابي العصيب الذي خلقه الباشا السمين , وحلفاؤه الانكشارية المعربدون في بغداد المرزوءة به خير جو تفرخ فيه أطماعه وتنفذ بواسطته خططه في النهب والابتزاز.
وفي سنة اربع وخمسين وستة مئة وألف أعلن حسين باشا أفر اسياب عصيانه في البصرة, وأنشق عن الدولة العثمانية , فسار لتأديبه على رأس جيش عرمرم مرتضى باشا والي بغداد. ولكنه خاب في مهمته لأنه تنازع مع قادة جيشه وأدى النزاع إلى تخلي الجيش عنه وعودته إلى بغداد. وحينما لحق بجيشه وجد أبواب بغداد موصدة في وجهه, وأعقب ذلك حصول تطورات غريبة أدت إلى عزله وتعيين رجل في محله يدعى آق محمد باشا . غير أن الباشا الأبيض هذا كانت أيامه في بغداد كلها أياما سودا لم يذق فيها طعم الراحة , ولم يتمتع خلالها بالهدوء ورغد العيش . فقد قضى نصفها بالأمراض والعلل , ونصفها الآخر في معالجة المشاكل وإحباط الفتن . وقد حاول الترفيه عن نفسه بهواية الصيد المحببة إليه فلم يجده لذلك نفعا أو يغنيه  فتيلا , مع أنه كثيرا ما كان يترك المدينة بأجوائها المتوترة ومشاكلها التي كانت تنتظر الحلول المعالجة فيبتعد عنها إلى البراري والقفار وحيدا فريدا . وقد ضاق ذرعا بالأوجاع التي ظلت تنهك قواه وتنغص عليه العيش , فتشبت بعقيدته الراسخة في الرقى والتعاويذ لعلها تأخذ بيده وتنقذه من براثن الألم والمرض  . ثم التجأ إلى الملالي والدراويش لعل الله ينزل عليه البرء والشفاء عن طريقهم أو يخفف عنه البلوى بأدعيتهم . وحينما برح به المرض , وأصابه الضعف والهزال بحيث صار يمتنع عن تناول الأدوية والعقاقير جاء له كتاب ديوانه , الشاعر العندليب عبد الباقي وجدي , بدرويش من دراويش المولوية الأخيار فجسه جسا خفيفا وأخذ يدعو له بالشفاء القريب . ثم عاد إلى التكية المولوية بالقرب من سوق "المولاخانة" فجمع جمعا من زملائه الدراويش , وبعد أن قدم لهم الطعام والحلويات توسل أليهم بأن يبتهلوا إلى فاطر السماوات والأرض بان يمن بالشفاء العاجل على عبده الباشا الوالي ويسبغ عليه جلابيب الرحمة وأثواب العافية. وبعد أن قرأ الدراويش الفاتحة قاموا إلى ذكرهم فتحلقوا في حلقاتهم المعهودة , وأخذوا يبتهلون إلى الحق عز وجل بشفاء الباشا الأبيض , ثم كرروا ذلك أياما ثلاثة , فعادت بذلك الصحة إلى جسم الباشا العليل بقدرة قادر ولبس ثوب العافية بإلهام غيبى من ذلك الدرويش الصالح . وكان خاصكي محمد باشا , الذي أعقب الباشا الأبيض هذا, يسبح وحده في متناقضاته. فمع جميع ما كان عنده من خبرة في الحكم ومنزلة في البلاط العثماني الذي نشأ فيه , كان يتصف بمجموعة من السجايا والأطوار المتناقضة فقد كان رجلا بهي المنظر حلو الشمائل كثير الميل إلى الفخفخة والأبهة على شاكلة حسن باشا الوزير . ولذلك عمل حينما تولى الحكم في سراي بغداد على أن يكون له ديوان فخم باذخ يجلس فيه فيكلم الناس من وراء ستاره بطريقة لم تكن مألوفة عندهم . ونظم الأمور فيه بحيث فرض على الموظفين والمستخدمين المحيطين به أن يلبسوا ألبسة خاصة , منها "الفرجية" ويعملوا بموجب أنظمة ومراسيم معينة. وصار يجلس في كثير من الأيام فيبذل للفقراء والمستحقين بذلا سخيا ويبالغ في التلطيف والأنعام على طبقات معينة من الناس. ومع جميع ما كان يبديه من مظاهر التدين , والعناية بتعمير المساجد والعتبات المقدسة في العراق والحجاز , فقد كان ميالا إلى الأنس والطرب ومولعا بمعاقرة الخمرة وبنت الحان . ولذلك كان يقضي أيامه ولياليه معظمها مع الغواني والمغنين , وتعاطي المشروب في رابعة النهار . وقد كان من الطبيعي والحالة هذه أن تتسرب الخمرة والنساء في أيامه إلى جميع الأوساط .
ونعرف عن مرتضى باشا , الذي تولى الحكم في ولاية بغداد ثلاث مرات غير متتاليات في أواسط القرن السابع عشر , ثلاث خصال تبدو غريبة متصفة بشيء غير يسير من الشذوذ بالنسبة للكثير من مقاييس الحكم المعتاد . فقد كان يجامل العوام ويتقرب أليهم تقربا غير اعتيادي في شتى الأحوال والمناسبات , وكانت بابه تبقى مفتوحة للجميع في الليل والنهار , ولم يكن يحجز بينه وبين الناس أي حاجب أو موظف . حتى روي عنه أنه دخل عليه في يوم من الأيام احد المراجعين بعد أن أنفض عنه خدامه فأيقظه من نومه وكان قد اخلد إلى الراحة وقدم إليه عريضة كان يحملها بيده , ولما لم يجد الباشا حوله من يناوله المحبرة والقلم طلب إلى صاحب العريضة نفسه أن يأتي له بهما , وأصدر له الأمر اللازم في الحال جبرا لخاطره . وكثيرا ما كان يشاهد وهو يتجول في الأسواق والشوارع لوحده , ويلتجئ إلى المقاهي فيستريح فيها . وهناك كان يفصل في القضايا التي تعرض عليه , ويبت في أنواع شتى من الدعاوى أو يحسم الخصومات. وكان علاوة على ذلك  فوالا يرجم بالغيب على ما يروى, فيقرأ منويات الناس ويتنبأ بقدوم القادمين , ولذلك كان العوام يستبختون به ويستمدون من سعده . ومما يرويه عنه في هذا الشأن مؤرخ بغداد وأديبها في ذلك العهد مرتضى نظمي أن سماكا من السماكين ألقى بشبكته في النهر حينما هو مرتضى باشا من الجهة التي كان يقف فيها فأصطاد عشرين سمكة في الحال لأنه كان قد رماها وهو يذكر أسمه . ويروى كذلك أن أحد الملاحين دخل عليه ذات يوم فقدم له شمعة كانت بيده, وأخبره بأنه كان قد نذرها له حينما صادفت سفينته عاصفة هوجاء كادت تغرقها في النهر لو لا أن يستمد من سعده هو ويندبه في ملمته. على أن مرتضى  باشـا كان مع هذا كله مفرطا في اللهو , ميالا جد الميل إلى معاشرة النساء والقصف معهن في الداخل والخارج . فكثيرا ما كان يحيي الحفلات الداعرة في بيته في المدينة , أو في المخيمات التي كانت تقام له خارجا في العراء , فيقيم فيها الضيافات التي كانت تفتح للجميع ويؤتى أليها بالراقصات والمغنيات على ملأ من العالم . وبذلك كان يعد مثلا سيئا لموظفيه وحاشيته , وقدوة غير حسنة لكثيرين من الناس.
وقد كان الوالي احمد باشـا , بن الحاج حسن باشـا الكبير , على درجة غير يسيره من غرابة الأطوار كذلك . فقد نشأ أميا لا يحسن القراءة والكتابة طوال أيام حياته . لكنه رزق بسطة في الجسم ومتانة في العضلات وذكاء في العمل , وشخصية فذة جعلت من سيرته الحافلة بجلائل الأعمال شيئا خطيرا في الحق والحقيقة . وكان برغم كونه أميــا لا يحسن القراءة والكتابة يتذوق الشعر بالعربية والتركية , ويقدر رجال العالم والأدب فيقربهم وينعم عليهم . وكان ذكاؤه الحاد المقرون بقابليته الرياضية الخارقة , وسخائه النادر بين الباشوات, وشخصيته القوية الفذة , وهو الذي مهد له سبل النجاح في أدارة الولايات العراقية الثلاث التي عهدت إليه وهو في ريعان الشباب . وكانت تلك الخصال هي التي مكنته من الوقوف في وجه الطاغية نادر شاه , الذي قدر له أن يحاصر بغداد ثلاث مرات متتاليات من دون أن يتوفق في الاستيلاء عليها . على أن أهم ما أشتهر به هذا الباشـا "البهلوان" من المآثر والخصال بين الناس قابليته الرياضية الفائقة , وقوته البدنية الخارقة التي ألانت له الحديد. فقد كان فارسا ماهرا, يجيد ألعاب الفروسية بفنونها وحيلها , وقويا جبارا يأتي بالعجائب إذا أخذ الرمح بيده أو جرد السيف من غمده. وقد رويت عن صفاته هذه قصص وروايات فيها الكثير من المغزى والطرافة. فيروى مثلا أنه رمى بسهم من بعيد ذات يوم فنبت في الحديد. ويروى كذلك انه كان يأخذ بقطعة اللباد السميكة ويبلها بالماء, ثم يلفها لفا قويا ويضربها بالسيف فيبترها كما تبتر الخيارة بالسكين. وانه كان يعلق قطعة من الورق في الهواء فيقطعها بسيفه الحاد وكأنه قد قصها بالمقص ويحكى أيضا انه كان يؤتى له بالصينية المصنوعة من النحاس فيمسكها بكلتا يديه ويشقها شقا , أو يلويها ليا ويطويها كطي الورق. غير أن الذي اشتهر عنه في هذا الشأن قصة صراعه مع الأسد. فقد خرج يوما إلى الصيد بموكبه الحافل غلى منطقة عكركوف, وبينما كان يسير بين الآجــام ومن ورائه نفر من حاشيته ومماليكه شاهد من بعيد أسدا أفزعه دنو الموكب , فتحفز للأنقضاض على من فيه.
لكن احمد باشا كر عليه بفرسه وصال وجال من حوله بمهارة وقوة جأش حتى أصابه في أحشائه بحربة مرقت من تحت أبطه. فتجلد الأسد ووثب عليه , لكن فرس الباشــا عاجلته بفرسة من عندها علة أم رأسه فولى هاربا لا يلوي على شيء . فتبعه الباشــا من جديد مع نفر من خدامه , وأجهزوا عليه فقتلوه , وسلخوا أهابه فحشوه بالتبن وجاءوا به إلى بغداد.
في الحقيقة أننا نفتقر كثيرا إلى المعلومات التاريخية القديمة التي تبحث عن ناحية الكرادة الشرقية , ومما زاد في الطين بلة هو عدم اهتمام الباحثين بها في كتاباتهم واكتفوا بإشارات عابرة , ولحد الآن لم نعثر على مقال مفصل عن هذه الناحية اللهم ألا الاسم القديم للكرادة , الأول في معجم البلدين لياقوت الحموي , والثاني في مجلة دار السلام ( سنة 1921) لأنستاس الكرملي . ولهذا فقد جابهتنا صعوبات كثيرة عند كتابة هذا المقال. سبق وأن ذكرنا أن أسم الكرادة حديث , أما اسمها القديم فهو « كلواذا « ( بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الواو وسكون ألألف بينهما ذال معجمة مفتوحة , على ما يقوله ( ابو الفدا ) غير آن آخرين يكتبونها بالألف المقصورة (كلواذى) وآخرين بالياء ( كلواذي ) وآخرين ( قلواذى ) وآخرين حرفوها فسموها ( حلواذي أو كالوادي ) , غير أن الاسم الراجع هو الاسم الأول المذكور أعلاه . أما سبب تسميتها بكلواذا فيوضح لنا ذلك ياقوت الحموي حينما يذكر أن أهل السير قالوا أنها سميت بكلواذا بن طمهورت الملك , وفي كتاب محمد بن الحسن الحاتمي الذي سماه جبهة الأدب يبتدئ فيه بالرد على المتنبي , وقال : قلت له , يعني للمتنبي : اخبرني عن قولك
 طلب المارة في الثغور , ونشـوة
مابين كرخايــا إلى كلــواذى
وأخبره هذا خطأ لأن الصحيح ( كواذ ) , فقال له : وما الكلواذ ؟ قلت : تابوت التوراة وبها سميت المدينة . والكلواذ تابوت موسى عليه السلام . وحكي في بعض الروايات أنه مدفون في هذا الموضع فمن أجله سميت كاواذ . قال فأطرق المتنبي لا يجيب جوابا . وكلواذا بالأصل قرية قديمة منعزلة أختلف الباحثون في تعيين موقعها . ثم أتسع اسمها واصبحت تشمل القسم الجنوبي من بغداد في شرق دجلة , حيث أن بغداد كانت تقسم إلى جانبين : الجانب الغربي والجانب الشرقي , من الناحية الإدارية , يقسم إلى قسمين : القسم الشمالي ويسمى باسم « طسوج نهر بوق « , والقسم الجنوبي ويسمى باسم  "طسوج كلواذا ونهر بين" وسمي الطسوج الأخير بهذا الاسم نسبة إلى قرية كلواذا ونهر بين الذي يجري فيه نهر دجلة .
أما فيما يتعلق بموقع قرية كلواذا بالضبط , فلا يعرف موضعها بصورة دقيقة لحد الآن , وقد اختلف الباحثون في تعيين موضعها . فالمستشرق الإنكليزي كي لسترانج يضعها في خريطته في المنطقة القريبة من معسكر الرشيد على نهر دجلة . ويرجع الدكتوران مصطفى جواد واحمد سوسة , في دليل خارطة بغداد موضعها في تلول الزوية المعروفة اليوم باسم « أشن حاج عبد « أي تلول حاج عبد . والدكتور احمد سوسة يضع موقعها في معظم كتبه وأطالسه عند تلول حاج عبد ( الليشان ) . غير أنه في كتابه « ري سامراء في عهد الخلافة العباسية», يضع موقعها في منطقة المسبح الحالية . وجاء في مجلة العراق الجديد أن قرية كلواذا تقع على وجه التحقيق في تلول حاج عبد وهي تعرف عند أهل الكرادة باسم الليشان وتحرف احيانا فتنطق النيشان وهي تقع في منطقة ( السبع قصور ) عند ساحة الحرية . وقد زالت هذه التلول من الوجود بصورة نهائية قبل بضع سنين . وهكذا فالآراء مختلفة حول تعيين موقع مركز القرية بدقة , وغير أن الراجح عندنا هو أن موضعها عند تلول حاج عبد الليشان وما جاورها لأنه لا توجد آثار مهمة في أخرى غير الليشان ولهذا فيظن أن موقعها في هذه التلول وليس في المسبح أو في منطقة معسكر الرشيد على نهر دجلة كما يميل البعض لأنه لا توجد آثار قديمة مهمة في مثل تلك المناطق تدل على وجود قرية معينة . أما موقع الليشان ففي منطقة « سبع قصور « في الجهة المحاذية لساحة الحرية في المنطقة الممتدة من الأراضي التي يحتلها معمل القير الحالي حتى بستان حاج عمران , واكثرها شهرة التل الذي يقع في مكان معمل القير وما جاوره . يذكر الدكتور احمد سوسة أن تلول حاج عبد موضع قرية قديمة يرجع زمنها إلى « العهد البابلي فالعهد الساساني والعباسي « وقد عثر في « اسفل سفح تلول حاج عبده هذه على اجر بابلي مختوم نبوخذنصر يرتقي إلى الدور البابلي الحديث كما وجد في القسم الأعلى من التلول آثار ساسانية وآثار أسلامية « . وذكر صاعد الأندلسي (462هـ) هذه القرية في كتابه طبقات الأمم فقال أنها كانت عاصمة الكلدانيين ودار مملكتهم . ويقول صاعد : « ثم تفرغت اللغة العبرانية والعربية من اللغة السريانية فغلب العبرانيون وهم بنو اسرائيل على الشام فسكنوها , وغلبت العرب على البلد المعروف بجزيرة العرب المتقدم ذكرها وعلى الجزيرة المعروفة اليوم بديار ربيعة ومضر فسكنوا جميع ذلك وانكمشت بقية السريانيين إلى العراق وكانت دار مملكتهم العظمى منها مدينة كالوادي _ أي كلواذا « . غير أن مجلة العراق الجديد تنفي قول صاعد وتشير إلى أن الكشوف الأثرية لم تؤيد هذا القول حتى الآن اللهم ألا إذا اعتبرنا التلول الواقعة شرقي هذه المنطقة والتي اكتشفت فيها آثار دولة أشنونا العظيمة , جزءا من كلواذا هذه .
أما المسعودي ( 346هـ ) فيقول :» الكلدانيون وهم السريانيون وقد ذكروا في التوراة .. وذكرهم ارسطوطاليس .. كانت دار مملكتهم العظمى مدينة كلواذى من أرض العراق وأليها أضيفوا وكانوا شعوبا وقبائل « . ويقول الأستاذ الأب أنستاس الكرملي أن كلواذا كانت في سابق الزمن مدينة عظيمة , ثم يستطرد بقوله موضحا قول المسعودي السابق الذكر: مدينة كلواذا من ارض العراق وأليها أضيفوا أي أن الكلدانيين تسموا باسم دار مملكتهم العظمى كلواذا , وهذا قد أنكره العلماء المحدثون فضلا عن الأقدمين , لأن الكلدانيين أو الكلدان منسوبون أو مضافون إلى كلدة أحد شيوخ العرب في العهد العهيد لا إلى كلواذا .
أما أبن العبري ( ت 1286م ) فقال ما معناه : أن القدمين من اليونايين يزعمون أن حنوخ بن يردهو هرمس . وقيل ان الهرامسة ثلاثة واحدهم هرمس البابلي الذي سكن كلواذا مدينة الكلدانيين وكان بعد الطوفان وهو أول من بنى بابل بعد نمرود بن كوش .
هكذا فالآراء مختلفة بين الباحثين المعاصرين والكتاب والقدماء , فالبعض منهم يعتقد انك لواذا كانت عاصمة الكلدانيين ودار مملكتهم العظمى في حين أن الآخرين , وخاصة المحدثين, ينفون ذلك فيا قاطعا . ولكن يبدو مما سبق أنه لما عثر في ( الليشان ) على آجر بابلي مختوم باسم الملك نبوخذنصر يرتقى إلى الدور البابلي الحديث , إضافة إلى آثار أخرى ساسانة ثم أسلامية , فأنه يمكن أن نرجع أن كلواذا كانت أحد مخلفات الكلدانيين , وللآثار الكلدانية التي وجدت في هذا التلول تدل على ذلك .
وكان أسم كلواذا شائعا في العهد الإسلامي حتى أن باب بغداد الجنوبي سمي باسم «باب كلواذا» لأنه يؤدي إلى قرية كلواذا . وكان الكتبة الفرس يطلقون عليها أسم « باب كلواذا» في أثناء الحصار المغولي . ومما هو جدير بالذكر أن باب كلواذا سمي بأسماء مختلفة فقد سميت بباب البصلية طرف بغداد في الجانب الشرقي منها نسبة إلى محلة البصلية وهي « محلة في بغداد متصلة بباب كلواذى ولعلها المحلة التي في جوار الباب الشرقي من أبوب بغداد « ومحلة البصلية هي أحدى المحلات التي يذكرها ياقوت الحموي على أن الخليفة المقتدي شيدها في هذا الجزء من المدينة . ويطلق حمد لله _ الذي دون كتابه سنة 740هـ| 1330م على باب كلواذا أسم باب الخليج . وحينما زار نيبهر بغداد سنة 1750م كان يعرف هذا الباب باسم تركي هو « كرلك قابي « ولعل هذه التسمية تحريف لكلمة « قراناق قابي « ومعناها باب الظلام , ويسميها تافرنييه سنة 1632 « قره قابي « أي باب الأسود . ويسميها الرحالة الدنمركي نيبور باسم « كارلوك « كما ويسميها تيفنو باسم « كارانلو قابي « . ويذكر الأستاذ ناجي معروف أن هذه الباب قد هدمت في سنة 1937م بعد أن كان كنيسة للإنكليز البروتستانت , وأصبح محله في ساحة التحرير في أسفل النخلة التي كانت عند مدخله , ولا تزال النخلة قائمة في طرف هذا الميدان المستدير قبالة مدخل جسر الجمهورية . ويعرف باب كلواذا اليوم باسم الباب الشرقي من جهة الشمال حيث يمتد عند هذا الباب جسر الجمهورية على نهر دجلة رابطا جانبي النهر . أما المسافة بين بغداد وقرية كلواذا فيختلف الباحثون في تقديرها أيضا فياقوت الحموي يذكر أن المسافة بينهما تبلغ فرسخا وحدا للمنحدر . ويقدرها المستشرق الانكليزي لسترانج بفرسخ واحد أيضا . ويقدرها أبن خرداذبه بفرسخين . وبمثل هذا المقدار قدرها أبن حوقل (367هـ) والاصطخري وجاء في تقويم البلدان لأبي الفدا أن المسافة تبلغ فرسخين . أما ابن رستة فيقدر المسافة بثلاث فراسخ والطريق منحدر مع نهر دجلة . ويذكر قدامة أنها تبعد عن جنوبي بغداد بفرسخين وبخمسة فراسخ إلى شمال المدائن . أما المسافة من كلواذا إلى مدينة النهروان فتبلغ أربعة فراسخ . ويذكر أبن رستة أن المسافة من بغداد إلى النهروان تبلغ أربعة فراسخ , والطريق في نخيل ومزارع متصلة بالمصلى وتمر بنهر بين ونهر بوق حتى تفضي إلى النهروان ويخترقها واد . وكذلك يؤكد أبن حوقل صحة تقدير هذه المسافة ويقول : « وأما النهروان فمدينة يشقها نهر  النهروان بنصفين في وسطها وهي صطيرة عامرة من بغداد على اربعة فراسخ كثيرة الغلات والخيرات والنخيل والكروم ولاسيما السمسم والحبوب , ونهرها يفضا إلى سواد بغداد أسفل من دار الخلافة « .
جاء ذكر كلواذا في المصادر العربية منذ اوائل العهد الإسلامي . فقد ذكر الطبري كلواذا تحت حوادث سنة 12هـ وأشار إلى أن أهل كلواذا قد بعثوا إلى خالد , عندما كان في الانبار وما حولها , ليعقد لهم فكتابهم . ويروي الطبري أيضا أنه ليس لأحد من أهل السواد عقد قبل الواقعة ألا بني صلوبا وهم أهل الحيرة وكلواذا , ثم غدروا حتى دعوا إلى الذمة ما غدروا .
وخلاصة القول : أن الكرادة الشرقية ناحية متوغلة في القدم ترجع إلى العهد البابلي القديم ونشأت فيها حضارات بشرية قديمة , كما وقد اكتشفت في تلولها الأثرية_ وبضمنها تل حرمل وتل محمد وتل الضباعي _ أقدم شريعة مدونة في تاريخ البشر , بعد شريعة أورغو , وهي تسبق شريعة حمورابي بقرنين من الزمان . وكانت قوانين فيثاغورس وغيرها من القوانين الرياضة المعروفة في هذه المنطقة منذ العهد البابلي القديم . كما وجدت آثار في ( الليشان )_ أيشان حاج _ ترجع إلى العهد البابلي الحديث فالعهد الساساني فالعهد الإسلامي . ويظهر أن هذه التلول كانت موضع قرية قديمة تسمى بـ ( كلواذا ) في العهد البابلي الحديث والعهد الساساني فالعهد العباسي . وكانت قرية مشهورة لقدمها إذ هي أقدم من بغداد كما يقول الأستاذ أنستاس الكرملي . 
جلة بغداد ـ حزيران 1965



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية