العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :40
من الضيوف : 40
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809673
عدد الزيارات اليوم : 14227
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


وسائل التسلية الشعبية في بغداد

جميل الجبوري
كثيرة هي وسائل التسلية التي يتشاغل الناس بها, من أجل قطع الوقت وانشغال النفس بما يخفف عنها عناء الحياة ومتاعب الأعمال.وكان يصل إلى بغداد بين فترة وأخرى بعض متعاطي الألعاب السحرية, فيتعاطون أعمالهم هذه في المقاهي والطرقات, فيجتمع الناس عليهم ليشهدوا حركاتهم السحرية وتصرفاتهم الغريبة المدهشة, لقاء شيء يسير من النقد يدفعونه في مقابلة ذلك.. فكانت الناس تتحدث بهذا, فمن تسامع به ذهب إلى حيث يلعب الساحر ألعابه فيجد في ذلك تسلية لنفسه وتسرية عن همـــه.


 ومن وسائل التسلية عندهم الألعاب البهلوانية التي تؤدي حسب نظم وتقاليد معينة, في محلات معدة لذلك يقال لها « الزورخانات» فيجتمع البهلوانية للقيام بحركاتهم الجسمية  البطولية, ويحضر اجتماعاتهم هذه عدد من الناس للتفرج. وأحيانا يأتي إلى بغداد بعض بهلوانية العجم وغيرهم , فيطلب إلى بهلوانية بغداد منازلته ومصارعته فإذا اتفقوا على ذلك أعلنوا على الناس وقت المصارعة ومحلها فيجتمع خلق كبير لمشاهدة هذا الصراع واجدين في ذلك تسلية طيبة يقضون بها الوقت الطويل.
ومن وسائل التسلية الحديثة اجتماع الناس لمشاهدة مباريات كرة القدم وغيرها وكان من وسائل التسلية عندهم كذلك اجتماعهم على مشاهدة سباقات الخيل في ساحات مخصصة لهذا الغرض .. وقد أزيلت هذه من بغداد قريبا لما كان يصاحبها من المقامرات وتعريض الناس للخسائر المادية الكبيرة.
أما ألعاب الرجال فأن منها ما يجري في ليالي شهر رمضان من نحو لعبة المحيبس والصينية , ويتسلى الرجال ببعض وسائل اللهو يلعبونها في المقاهي والأندية من نحو الطاولي الذي يلعبونه بطرائق متعددة و الدومنة والدامة والشطرنج والمنقلة , فمنهم من يباشر اللعب ومنهم من يتطلع على اللاعبين.
وقضاء الرجال والشباب لكثير من الوقت في المقاهي من ابسط وسائل التسلية والالتقاء بالمعارف والأصدقاء. وغالبا ما يمكث جلساء المقاهي الساعات الطوال في المقهى إذ يتخذونها أماكن دائمية للتخلص من أوقات الفراغ المملة سواء أكان ذلك ليلا أم كان نهارا، ومما يتعاطاه أناس من وسائل التسلية مناقرة الديكة الهراتية, حيث يهارشون بينها ويحارشون ويتخذون على ذلك المراهنات، فيدمى الديكان , وربما تعرض أحدهما للموت أو فقئت عينه .. وتقه هذه المناقرة في الطرقات المكشوفة وأمام المقاهي والناس ينظرون إلى هذه المشاهد فيتحمسون لها يتسلون بها .. والقائمون بمثل هذه الأمور يعنون بتربية الديكة وتدريبها على المناقرة , ويتعاطون كذلك بيعها لا لغرض الذبح والأكل أنما لغرض المناقرة إذ أن لهم أرباحا يربحونها وفخارا يفخرون به، وكانوا كذلك يناطحون الكباش على جعل يجعلونه ورهن يتفقون عليه , فتتناطح الكباش والناس تتفرج عليها.
ومن وسائل التسلية عندهم اجتماعهم في المقاهي حول قصاص يقص عليهم بصوت جوهري , قصة «عنتر بن شداد» أو قصة « أبو زايد الهلالي» وغيرها من السير المشهورة .. ويجلس القصخون على كرسي مرتفع فيقرأ في كتاب السيرة قراءة مصحوبة بالشارات والإيماءات تصويرا للموقف الذي تتحدث عنه وقائع السيرة وشحذا لنفوس المستمعين لكي يشتد انتباههم إلى قراءة القاص .. فإذا تحقق ذلك سخوا عليه بالعطاء والمكافأة . وقد زالت هذه الوسيلة المعروفة عندهم بوجود الراديو والتلفزيون وشيوعهما حديثا في المقاهي وغيرها من الأماكن العامة.
واللعب بالطيور والعكوف على تربيتها والمباهاة بها , من الهوايات المعروفة لدى فريق من الناس , وهم يطيرون هذه الطيور في جو السماء استئناسا بمشهدها وهي تتجول في الجو وتستدير وتتقلب .. وكثيرا ما ترى أسرابا منها متعددة , تطير هنا وهناك , وكل سرب منها محتفظ بمجموعته لا يختلط بمجموعة أخرى , ولا يند طير من طيوره عن بقية الجماعة .. وللناس في هذه المشاهد تسلية واستمتاع .. ومن وسائل لهوهم وتسليتهم السباحة في الشط , وهي هواية يشترك فيها الرجال والشبان والأحداث . وهم يخرجون أيام الصيف إلى المقاهي والجراديغ التي تنصب على شواطئ الاماسي الحارة القائظة وتناول أكلات من السمك المسكوف .واجتماع الناس في المقاهي والجايخانات وقضاء الوقت الطويل فيها هو أيضا من ضروب التسلية وأزجاء الوقت..
ومن وسائل التسلية التي كان يولع بها فريق من الشباب , خروجهم ليالي الصيف خاصة وتجولهم في الطرقات والازقة , وهم يغنون بأعلى أصواتهم حيث الناس نيام على سطوح بيوتهم .. وقد أوشكت هذه الأنماط من التسلية أن تزول في الناس هذه .. والخروج إلى الشواطئ وركوب الابلام ونحوها من وسائل النقل النهرية , يعد من خيرة وسائل التسلية الصيفية التي يرفهون بها عن نفوسهم .. وهناك طبقات من رجالهم وشبابهم كانوا يخرجون إلى البساتين المشهورة في بغداد فيجتمعون على الكأس والغناء , ومن هاتيك البساتين بستان الخس والكاووية.
وفي الربيع كانت منطقة سلمان باك تزدحم بالجموع الزاحفة أليها من بغداد برجالهم ونسائهم وصبيانهم , يقضون هناك عدة أيام في اللهو والطرب والمآكل والمشارب , ولا تزال هذه الوسيلة من بين وسائل التسلية المعروفة حتى اليوم .
وكان اليهود يخرجون أيام السبت صباحا وعصرا إلى الطرقات والشوارع وشواطئ الأنهار يتجولون ويتنزهون , إذ كان السبت من أيام العطل الرئيسية لديهم .. أما مجالس الجالغي التي كانت تقام في الليل , فهي كذلك من أشهر وسائل التسلية واللهو يحضرها المغنون وهواة المقام وغيرهم.. ويقوم على السطوح مجاميع من سكان الحي من نساء وصبيان يشهدون ذلك ويستمعون المقامات والبستات .
وهناك مجموعة من القواعد الاجتماعية الشعبية تدخل عداد التسلية , منها حفلات الطهور وزفة العرس والمواليد النبوية وحفلات الذكر, فأن الذين كانوا يحضرون هذه الحفلات أو يشهدونها ويخرجون من بيوتهم إلى مشاهدتها أنما كان يسوقهم إلى ذلك الرغبة في التسلية وقضاء الوقت .
ومن وسائل التسلية التي يغرم بها الشبان والصبيان , استعمال المفرقعات من نحو البوتاز والطرقات والزنابير وشخاط رحلو وعين الشمس وغيرها من مواسم معينة وخاصة ليالي المحية التي تقع في شهر شعبان أحد الشهور القمرية . ومما يتشاغل به الصبيان من وسائل التسلية ما يسمى بالحزازير- جمع حزورة – وهي ألغاز يحفظونها فيمتحن كل منهم أصحابه بحلها.. وكان من أظهر وسائل التسلية الشعبية أن تخرج النساء بعد انتهاء العيد بضع جمعات إلى مناطق معينة في بغداد وضواحيها , وهم يسمون ذلك بالكسلات فتكون لهم كسلة في جامع الأمام الأعظم وكسلة في حضرة الأمام الكاظم وأخرى في جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وأخرى في السيد إدريس بالكرادة الشرقية . ومن كسلاتهن أيضا كسلة في « رابعة بنت شيخ جميل» . وتأخذ النساء أطفالهن ومعهن السماورات والقدور والأفرشة , ليقضوا نهارهن هناك حيث يطبخن الطبيخ ويصنعن الشاي ويأنسن بذلك الجو هن وأطفالهن ومن وسائل التسلية لدى النساء أن يخرجن كل خميس إلى مقابر البلد المعروفة كمقبرة الشيخ عمر السهر وردي ومقبرة باب المعظم ومقبرة الغزالي ومقبرة الشيخ معروف الكرخي فيقضين هناك شيئا من الوقت في الترحم على موتاهن وعقد الاجتماعات فيما بينهن . ولكن الطابع لهذه الزيارات يغلب عليه ابتغاء التسلية والفرار من الحياة البيتية الدائمة المسئمة .وهناك أيام مخصصة لزيارات أضرحة الأئمة خلال السنة , ومن ذلك أيام السبت التي اتخذوها لزيارة الكاظم .. واعتاد سكان المحلات القديمة اتخاذ مجالس لهم أمام بيوتهم وعلى قارعة الطريق ولاسيما النساء فأنهن يجتمعن على شكل مجموعات صغيرة أمام أبواب بيوتهن يقضين ما بعد العصر أو أوائل الليل بالحديث .. ولا يمنعهن من ذلك أن تكون الطرقات قذرة تمر منها مجاري المياه الوسخة ولا يهمهن أن تكون ضيقة أو واسعة .. وخروج أل البيت من النساء لزيارة أهل بيت آخرين من أصدقائهن أو ذوى قرباهن أمر مشهور وله عندهن تقاليد وأصول .. فأن هذه الزيارات كانت تقع مع بدء العصر.. ولكن الزائرات بعد شرب الشاي وتناول الكعك وتكريز حب الركي يرجعن إلى بيوتهن لطبخ التمن الذي كان يطبخ بعد العصر إذ كانت وجبة العشاء تتناول آثر صلاة المغرب .. ثم حل نظام جديد في الزيارات النسائية أطلق عليه سم « القبول « وتجمع اللفظة على "قبولات" حيث تعين كل عائلة من العوائل يوما تستقبل فيه زوارها .. وكانت الأصول الشعبية القديمة لا تحول دون أن تقبل الزوار يوميا وبلا سابق موعد . ومن المهم الإشارة إلى أن وسائل التسلية الشعبية تنشط في أيام الأعياد لاسيما بالنسبة للصبيان حيث تستغل الساحات المكشوفة المتروكة في أحياء البلد فتقام فيها المراجيح ودواليب الهوا , ليركبها الصبيان وصغار الصبايا فيقطعوا أيام العيد بأمثالها من وسائل التسلية التي تمتاز بترويض الجسم وتعويده على خفة الحركة .. ومن تلك الوسائل استخدام الحمير في العيد أيضا لركوب الأحداث استمتاعا بلذة الفروسية المصطنعة , ولا يقع هذا الأ في الأعياد .. وهناك مآكل تباع للصبيان لا تخلو من بعض أساليب التسلية كالجقجقدر مثلا فأنه يبسط في وعاء مقطع إلى خانات يكون في كل خانة منها لون من ألوان الجقجقدر المصبوغ بالحمرة أو الصفرة والخضرة وغيرها .. وفي منتصف الوعاء عمود قصير تعلق عليه قيدة من الحديد مثقوبة من منتصفها وعلى أحد طرفيها خرزة مشدودة بخيط لتؤدي مهمة المؤشر .. فإذا جاء الصبي ليشتري من الجقجقدر لطعة فمن أجل أن لا يحتار في تخير النوع الذي يريد شراءه فأنه يفر القيدة حول محورها فإذا وقفت عند خانة من خانات الجقجقدر باعه البائع من النوع الذي فيها .. وأحيانا يفرها له البائع بنفسه .. وهناك عربات بسيطة مكشوفة تدفع باليد يستعملها الحمالون لنقل الأمتعة والأثقال في سائر أيام السنة ولكنهم يتخذونها في الأعياد وسيلة للتكسب عن طريق تسلية الأطفال والصبيان الصغار حيث يتكدس فيها العدد العديد منهم فيدفع الحمال العربة بهم من نقطة في الشارع إلى أخرى تبعد عنها دقائق قليلة .. وليس غرض الصبيان من هذه النقلة الأ التباهي بركوب العربة والاستئناس بالجو المرح الذي يكونون فيه وهم جلوس بملابسهم الزاهية على لوحتها الخشبية الجرداء يصفقون ويتضاحكون .. فإذا أوصلهم الحمال إلى النقطة الثانية من الشارع طلبوا العودة من حيث أتوا بأجور جديدة وقد ينزلون ليركب غيرهم أما الحدائق المتخذة لاجتماع الناس من نساء وأطفال وغيرهم فقد كان أول ما أتخذ منها في بغداد حديقة المجيدية التي أنشئها والي بغداد مدحت باشا سنة 1286هـ فكانت هناك حديقة شعبية عامة وهي اليوم مستشفى وعلى جزء آخر منها أقيمت حديثا مدينة الطب التي لم يكمل بناؤها بعد .. وقبل سنوات يسيرة بدأت البلديات تتخذ في عدد من المحلات ساحات مكشوفة تجعلها حدائق مزودة بأدوات اللعب ليجتمع فيها الناس وتلعب الصبيان . وأشهر الحدائق العانة المعروفة لهذا الغرض حديقة بارك السعدون في محلة السعدون وحديقة النعمان في الأعظمية وحديقة المعرض في باب المعظم غير أن هذه شغلت بمرافق ومؤسسات أخرى خرجت بها عن كونها حديقة عامة.. وهناك عدة منتزهات حديثة أسست في أماكن متعددة من بغداد تخرج أليها الناس أماسي أيامهم منها حدائق السكك وحدائق القناة . ومن وسائل تسلية الصبيان الأحداث ما يقال له "صندوك الولايات" وهو خزانة فيها عدة صور ملتصق بعضها ببعض يعرضها صاحب الصندوق على المشاهدين من الصبيان بطريقته الخاصة لقاء أجور بسيطة زهيدة فيستمتع أولئك المشاهدون بالتطلع أليها ويغلب على هذه الصور أن تكون خاصة بملكات الجمال وبعض الأبطال والشخصيات التاريخية ومناظر الطبيعة وساحات الغزو والقتال وغير ذلك .. وإذا كانت الألعاب تعد من وسائل التسلية فأن لهم كثيرا من أنماطها وضروبها .. وقد ألفت كتب هذه النواحي منها « كتاب الألعاب الشعبية لصبيان العراق « تأليف عبد الستار القره غولي وكتاب الألعاب الشعبية لصبيان سامراء تأليف يونس السامرائي كتاب العاب صبيان العمارة تأليف عبد الحسن المفوعر وكتاب الألعاب البصرية وهذا لا يزال مخطوطا لدى مؤلفه.
وفي أوائل هذا الجيل كان معروفا في وسائل التسلية ما يقال له « قره قوز « وقد انقرضت هذه الحرفة المسلية التي كانت تقام في المقاهي فتحضرها الناس وتجد فيه متعة طيبة . وكان من وسائل تسليتهم حضورهم حفلات الرقص الذي كان العبيد يرقصونه في تكية لهم تقع في محلة الجوبة ببغداد وهو رقص يسمونه « هيوة العبيد» يقرعون فيه طبولا خاصة غير أن رقصهم هذا كان نمطا من أنماط الذكر إذ كانت تصاحبه ألفاظ تعبدية وتسبيحات .. ومن وقت بعيد زال رقص العبيد وزالت تكيتهم .. وعند ظهور الفنغرافات كان الإصغاء إلى الفنغراف من أشهر وسائل التسلية والترفيه عن النفس .. ثم ظهر الراديو فشغلت الناس به ولما عرف التلفزيون أخذ من أوقات الناس كثيرا فبات من أسباب التسلية المفضلة بالنسبة لكثير منهم .. وكان من وسائل تسلية الناس أقامة ما يسمى بالسركس وهو استخدام الحيوانات في الألعاب ومنها السباع والفيلة فتقبل الناس على مشاهدة ذلك بشغف كبير.. وهذه السركسات يقوم بها أناس من الأجانب تكون معهم الحيوانات المروضة حيث يحلون في البلد لمدد محدودة يتكسبون فيها من ريع مدخولات السركيس .. وأحيانا كانت تقام في بغداد مدينة للألعاب وسائل التسلية.وربما عددنا بعض أنواع المقامرات من وسائل التسلية الشعبية أكثر مما ذكرنا وفي ما مر يغني عما أغفلنا.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية