العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :45
من الضيوف : 45
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809001
عدد الزيارات اليوم : 13555
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


قراءة في مذكرات (الخاتونة) مس بيل عن العراق

عباس بغدادي
مؤرخ راحل
القسم الثاني
وكانت أعمال بيرسي كوكس في بغداد كثيرة. فإلى جانب تنظيم أعمال الاستخبارات كان ـ بوصفه رئيسا للضباط السياسيين ـ واسطة الاتصال بين قائد الجيش والسكان المدنيين، ومستشاره في اتصالاته السياسية بهم. وكان معظم وقته يصرف في مقابلة الوجهاء والشيوخ من شتى أنحاء العراق، مما اظهر الحاجة إلى مساعدة شخص خبير بتاريخ العشائر وأنسابها، عالم باتجاهاتها والعلاقات بينها.


 وكانت مس بيل خير من يستطيع القيام بها العمل. ولكن قائد القوات البريطانية، الجنرال مود، اعرب عن مخاوف كبيرة حينما علم أن امرأة ـ مهما كانت كفاءتها ـ آتية للانضمام إلى السكرتارية. كما انه خشي أن يتخذ قدومها سابقة بالنسبة لزوجات الضباط اللواتي قد يطالبن بالانتقال إلى بغداد أسوة بها، وهو أمر لم تكن السلطات البريطانية قد سمحت به بعد. ولكن السير بيرسي كوكس تمكن من إقناعه بعد أن أكد له بأنها قادرة على تقديم خدمات يعجز عنها إي عضو آخر في الإدارة السياسية.
وبعد احتلال بغداد بأسبوع واحد، كانت غيرترود بيل في طريقها إليها من البصرة على ظهر باخرة عسكرية بريطانية. وكانت رحلة نهرية بطيئة استغرقت تسعة أيام. وفي 15 نيسان (ابريل) وصلت بغداد، وكانت الدار التي خصصت لسكناها ـ على قولها ـ أشبه بعلبة خانقة، فقضت فيها ليلة، ثم خرجت تبحث عن غيرها، فعثرت في محلة السنك ، قرب مدرسة الدهانة في ذلك الوقت، علي بستان ورد فيه ثلاثة بيوت صيفية تعود لأحد أصدقائها القدماء، وهو موسي جلبي الباجه جي، فانتقلت إليها بعد خمسة أيام.
أصبحت مس بيل عنصرا مهما في هيئة موظفي السير بيرسي كوكس، وكانت ـ حسب تعبيرها ـ تقوم بوظيفة غربال لحشود الزوار والوفود وأصحاب الحاجات الذين يتدفقون على مقره يوميا طالبين مقابلته. وكانت تزود السير بيرسي مع كل زائر بورقة تبين له فيها القبيلة التي ينتمي إليها، والمنطقة التي يمثلها، وما تعرفه عن ماضيه وميوله، والغرض من المقابلة، مما كان يوفر عليه كثيرا من الوقت ويسهل له العمل.
وقد وجدت مس بيل علي اثر وصولها إلى بغداد أن هناك توترا شديدا في العلاقات بين الجنرال مود، قائد القوات البريطانية، والسير بيرسي كوكس، رئيس مستشاريه السياسيين. وكان مبعث هذا التوتر هو الاختلاف الصارخ بين عقليتيهما وشخصيتيهما.
كان الجنرال مود عسكريا ممتازا، همه الأول متابعة الحرب، ومواصلة انتصاراته لاستكمال فتح العراق صعدا إلى الشمال. وكان في اتصالاته بسكان أراضي العدو المحتلة ـ كما كانت توصف في ذلك الوقت ـ يتصرف تصرف الفاتح العسكري دون إعارة أي اهتمام للاعتبارات السياسية، أو مشاعر سكان البلاد.
والواقع أن البيان الذي أصدره الجنرال مود بتوقيعه حين دخوله بغداد، مؤكدا لسكانها أن البريطانيين دخلوا محررين لا فاتحين لم يكن من إنشائه، بل انه كان معارضا له بشدة، ولم ينشره إلا على مضض، وبناء على تعليمات من الحكومة البريطانية التي أبرقت إليه بنص البيان. وكان الذي دبجه هو السير مارك سايكس، احد طرفي معاهدة سايكس ـ بيكو سيئة الصيت.
اما السير بيرسي كوكس فكان سياسيا محنكا خبيرا في الشؤون العربية، عاش بين العرب سنوات طويلة بصفة مقيم بريطاني في الخليج. وكان بوصفه مسؤولا عن اتصالات القيادة العامة بسكان البلاد، معنيا بإنشاء إدارة مدنية تحل محل الإدارة العثمانية التي انسحب معظم موظفيها مع القوات التركية، وبموافاة الحكومة البريطانية بتقارير دورية ومنظمة عن الأحوال العامة في البلاد. ولكن الجنرال كان يميل إلى التسلط، ولا يبدي أي اهتمام لتعليمات الحكومة حول السياسة الواجب إتباعها ولا لآراء كوكس، بل كان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة بصورة مستمرة وغير ضرورية، بحجة الضرورات العسكرية. وفي عام 1917 كانت العلاقة بين الرجلين قد بلغت ذروتها من التوتر، وابرق السير بيرسي كوكس إلى لندن طالبا تعزيز مركزه، وتمكينه من القيام بواجبه بصورة صحيحة، أو إعفاؤه من منصبه.
وفي هذا النزاع بين القطبين العسكري والسياسي كان للمس بيل دور حاسم. فقد صادف أن قام السير رونالد ستورز، من كبار رجال المكتب العربي في القاهرة بزيارة إلى بغداد، فشرح له كوكس موقفه، وعرض مآخذه علي الجنرال مود، وأيدته في ذلك المس بيل تأييدا قويا. وبادرت مس بيل من جهة اخرى إلى كتابة رسالة مفصلة إلى السير آرثر هيرتزل، وكيل وزارة الهند، الذي كانت لها به معرفة وثيقة، فاطلع عليها وزير الخارجية اللورد كرزن، وتمكن من حمل الحكومة البريطانية علي تأييد كوكس والاستجابة لطلباته.
ومع ذلك فلو علم السير بيرسي كوكس، وغيرترود بيل، بما كانت الأقدار تخفيه للجنرال مود، لما كلفا نفسيهما كل هذا العناء، بل اكتفيا بالانتظار بضعة أيام أخرى. ففي مساء 14 تشرين الثاني (نوفمبر) حضر الجنرال مود حفلة إقامتها مدرسة الاليانس اليهودية في بغداد لتكريمه، وهناك قدمت إليه القهوة كما قدمت إلى غيره. ولكنه طلب شيئا من الحليب ليضيفه علي القهوة، فجيء له بحليب ربما كان غير مغلي، وكان مرض الكوليرا منتشرا في بغداد في تلك الفترة، ويبدو أن الحليب الذي قدم له كان ملوثا بجراثيمه، فأصيب الجنرال بالكوليرا، ومات بعد أربعة أيام، وانتهت المشكلة بهذا الحل الجذري. وقيل في حينه أن جهة ما دست السم للجنرال مود في القهوة، والله اعلم. وقالت مس بيل في رسالة كتبتها على اثر وفاته: لم يختر احد للموت وقتا أفضل من الذي اختاره الجنرال مود.
ورغب الانكليز بعد احتلال بغداد في إصدار جريدة تنطق بلسانهم وتعبر عن سياستهم، فأطلقوا عليها ـ باقتراح من الأب انستاس الكرملي ـ اسم العرب، وصدر عددها الأول في 4 تموز (يوليو) 1917، وقد عهد بادارة الجريدة ورئاسة تحريرها الي المستر جون فيلبي في بادئ الأمر، وكان يساعده الاب انستاس، ثم تولت مس بيل إدارة سياستها بعد ان تركها فيلبي، وكتبت في ذلك إلى والدها تقول: إنني ابدأ أعمالاً جديدة وطريفة، احدها رئاسة تحرير (العرب) وهي الجريدة المحلية التي نصدرها. وتملأ ذهني الخطط لجعلها أكثر حيوية بالحصول علي مراسلين في شتي المناطق، ومحرر للأخبار المحلية. وإنني واثقة بان القراء سيهتمون لسماع أن ابن فلان فرضت عليه غرامة لخروجه بدون فانوس بعد حلول الظلام، أكثر من اهتمامهم بالأخبار التي تفيد أن قرية مجهولة في الفلاندر قد قصفت.
ثم تشير إلى الأب انستاس فتقول: الأب انستاس، مساعد رئيس التحرير، يأتي أسبوعيا لقراءة المقالات الافتتاحية التي اقوم بمراقبتها. وهو عربي من لبنان، أشبه بشخصية خارجة على التو من احد مؤلفات شوسر، عظيم المعرفة بلغته، كما انه يتكلم الفرنسية ويكتبها وكأنه احد أبنائها.
ثم تقول: ولا يقلل من حبي له اقتناعي بأنه ـ على الرغم من ثيابه الكهنوتية. رجل خبيث.
وفي أيلول سنة 1917 التحق الكرنل ارنولد ويلسن (السير ارنولد ويلسن فيما بعد) بهيئة موظفي السير بيرسي كوكس، وأصبح نائباً له. وعلى الرغم من الاختلاف بين طبائع الرجلين والتباين في آرائهما، فمن الغريب أن التفاهم بينهما كان سائدا طيلة عمل الكرنل ويلسن مساعدا أو نائبا للسير بيرسي كوكس. اما علاقة ويلسن بالمس بيل فكانت مختلفة جدا.
وفي ربيع سنة 1918 استدعي السير بيرسي كوكس إلى لندن للمشاورة، وانتهى الأمر بإعارة خدماته ليكون وزيرا مفوضا في إيران، فأصبح الكرنل ويلسن وكيلا للحاكم المدني العام في العراق، وبقي علي رأس الادارة المدنية في العراق خلال سنتين حافلتين بالمشاكل والاضطرابات، وكان الرئيس المباشر للمس بيل طيلة هذه المدة.
كانت تقام في العراق، مع تقدم الجيش البريطاني فيه، إدارة مدنية جديدة، وكانت هذه الادارة تنظم على اساس اعتبار العراق منطقة من مناطق الهند، وكان الهدف النهائي هو ضم العراق إلى الهند ليصبح جزءا من الإمبراطورية البريطانية.
ولكن مع التغيير الذي طرأ على الجو الدولي بعد الهدنة، لم يعد ضم العراق الي الهند مقبولا دوليا، وكان على بريطانيا ان تبحث عن صيغ اخرى للابقاء على سيطرتها، ولذلك كان لابد من اعادة تخطيط السياسة البريطانية بحيث لا تقتصر على تحقيق أهداف بريطانية فقط، بل تطمئن في الوقت نفسه مطامح الرئيس الامريكي وود رو ويلسن التي عبّر عنها بمبدأ تقرير المصير وتكافؤ الفرص الاقتصادية لجميع الدول، ضمن بنوده الاربعة عشر. ولم يكن نظام الانتداب الذي ابتدع إلا محاولة للتوفيق بين مصالح الشركاء المتناحرين، على الرغم من أن تطبيق الانتداب عمليا كان سيضمن إعطاء الأولوية لأهداف بريطانية الإستراتيجية والتجارية.
وقد وجد كثير من البريطانيين صعوبة كبيرة في قبول هذا التغيير، وما ارتاحوا له، وخاصة السير آرنولد ويلسن الذين كان مطلق اليدين في ادارة البلاد بين سنتي 1918 ـ 1920 ولا شك أن إصراره على تجاهل تطورات الوضع الدولي، والجو الجديد الذي ساد في لندن، أدى إلى نتائج وخيمة جدا وربما كانت الأضرار التي عادت بها سياسته على مصالح بريطانية اكبر مما عادت به علي العراق.
كان ويلسن استعماريا بنشأته وثقافته وآرائه السابقة. وكان من أولئك المؤمنين بـرسالة الرجل الأبيض وبأن من الواجبات التي ألقاها التاريخ على عاتق بريطانيا هو حمل مشعل المدنية بين شعوب الشرق المتأخرة، كما كتب في ما بعد قائلا:
ان دور بريطانيا في رعاية بني الإنسان هو بث المبادئ المسيحية في حكمهم. لقد كان ايماننا بالعراق، مثل ايمان هربرت ادوارد بالهند، انه كان أمانة بيد الحكومة البريطانية، وانه بحاجة إلى ما هو أكثر من ميزات المدنية المادية. ان سياستنا يجب أن تكون اعداد العراق للحرية اولا، ومن ثم اطلاقه حرا. وكنا نؤمن بأن العراق لن يكون أهلا لممارسة الحرية قبل أن يختمر بمبادئ المسيحية .
إن إصرار ويلسون على ضرورة بقاء العراق تحت حكم دولة أجنبية إلى أن يصبح قادرا على حكم نفسه، فضلا عن تجاهله لرغبات سكان البلاد، ومبادئ تقرير المصير، كان أشبه بمنطق من يقول للطفل لا تدخل الماء حتى تتعلم السباحة.

القدرة على التكيّف مع الظروف
اما مس بيل، فانها على الرغم من كونها على قدر كبير من الصلابة في آرائها ومواقفها، فان احد أسرار قوتها كان يمكن في قدرتها على التكيف مع الظروف المتغيرة.
ويبدو أن إقامتها الطويلة المتواصلة في بغداد قد جعلتها أكثر تفهما للأمور، وأحدثت تغييرا كبيرا في آرائها عن القومية العربية ومستقبل العراق السياسي. ولو قارنا بين كتاباتها المبكرة ومواقفها الأخيرة، لوجدنا التطور في آرائها واضحا. فهي حتى سنة 1919 كانت تعتقد أنه ليست هنالك في الشرق الأوسط عقائد وطنية، ولا روابط قومية. فقد كتبت مثلا في كتابها الصحراء والمعمورة الذي نشر في سنة 1907 تقول إن الجمعيات التي تدعو إلى الوحدة العربية، ومنشوراتها الحماسية، لا قيمة لها مطلقا، لأنه ليست هنالك امة عربية.. فالتجار السوريون يفصلهم عن البدو برزخ أوسع من ذلك الذي يفصلهم عن العثمانيين. والبلاد السورية تقطنها أقوام تتكلم العربية، ولكن هم كل منها هو أن تمسك بخناق الأخرى.
ولما زارت الشرق للمرة الثانية بعد إعلان الدستور العثماني، وتولي حزب الاتحاد والترقي زمام الحكم في الدولة العثمانية، دونت ملاحظاتها في كتابها من مراد إلى مراد الذي صدر في سنة 1911 فأشارت إلى مرورها بالموصل، ووصفت الاضطرابات التي حدثت فيها خلال الثورة التي جاءت بالاتحاديين إلى الحكم، قائلة إن الحكم العثماني هو أفضل حكم بالنسبة للطوائف المختلفة والمتناحرة في المنطقة.
وفي احدى رسائلها إلى ابيها في سنة 1918 كتبت تقول إن العراقيين يريدون الانكليز ولا يريدون غيرهم لأنهم يعلمون أننا سنحكم حسب عادات البلاد، ويدركون أن نصب أمير عربي أمر مستحيل.
وفي مؤتمر الصلح في باريس، حينما استدعيت مع الكرنل ويلسن إلى باريس لتقديم المشورة للوفد البريطاني إلى المؤتمر، نصحت الامير فيصل ـ الذي كان مندوبا عن الحجاز في المؤتمر ـ أن يتفق مع الفرنسيين بشأن سورية، وان يتقرب إليهم لان الاميركيين لا يمكنهم أن يعاونوهم والانكليز لا يريدون أن يتدخلوا في شؤون سورية.
ويروي رستم حيدر الذي كان المندوب الثاني للحجاز في المؤتمر بمعية فيصل، والذي حضر اجتماعاتها به، في مذكراته التي حققتها ونشرتها في سنة 1989 انه استغرب قولها هذا، واستفسر من الدكتور احمد قدري الذي كان معهم: هل مس بيل يهودية؟ قال: لا، قلت إذن هي مشتراة من الفرنسيين، او انها عشقت احد ظرفائهم، وهي تميل إلى الاستعمار المطلق في الشرق. كما ان الكولونيل الذي يحكم في بغداد، مليكة الشرق، لا يريد للجنة كينغ ـ كراين ان تذهب لتري اعماله فيها، وهو لا يريد ان يجعل للاهالي صوتا مرتفعا بل يريدها كالاغنام، لان هذا لا يوافق افكاره الاستعمارية. ولنعلم ان الحزب الاستعماري المستبد الذي يتألف من امثال هؤلاء الملوك في المستعمرات، الصعاليك في بلادهم، هو حزب كبير لا يستهان بمطامعه يريد الاستبداد لأنه هو الحاكم. ومس بيل معاونته، لا ترى رأيا غير رأيه.
ويذكر رستم حيدر في مذكراته أيضا انه اجتمع مساء اليوم نفسه بلورنس ونقل له آراء غيرترود بيل، فقال له لورنس: ان مس بيل عقلها صغير، وليس لقولها اهمية تذكر، واما الكولونيل (ويلسن) فليس من رأيها تماما، على انه حاكم في بغداد، ويريد أن يحتفظ بموقعه.
ان ما ذكرناه من قدرة مس بيل على التكييف السيرع مع الظروف المتغيرة، جعلها تغير كثيرا من آ رائها بسرعة. وفي حين ان ويلسن بقي مصرا على عدم الاعتراف بأن الشعور الوطني في العراق قوة يجب أن يحسب حسابها، ويجب التعاون معها بدلا من محاولة كبتها، فان مس بيل ادركت في النهاية انه يجب، على الأقل، الاعتراف بحقيقة واحدة، وهي أن الناس يفضلون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولو بدون كفاءة، على ان يحكمهم غيرهم بكفاءة عالية.
وكتبت في احدي رسائلها من بغداد فيما بعد:
إن ما أتمنى أن يقوم به السير بيرسي كوكس هو أن يعطي مواطني هذا البلد مسؤولية واسعة، فهي الطريق الوحيدة لجعلهم يعرفون أية مهمة صعبة هي الحكم.
إننا إذ نشجع هذا الكائن الحي علي النمو، ونجس نبضاته في أيدينا، لا نستطيع أن نحول دون نموه وارتفاعه.
وفي رسالة كتبتها الى المستر بومان الذي كان مديرا للمعارف في العراق في عهد الاحتلال، ثم انتقل الى عمل مماثل في القدس، قارنت بين سياسة بريطانيا في فلسطين (بادارة هربرت صموئيل) وسياستها في العراق قائلة:
انني لن اقبل، ولو اعطيت الدنيا كلها، ان اعمل في تلك السكرتارية (تريد سكرتارية حكومة فلسطين) اذ ان مهمتنا في العراق مهما كانت عسيرة، فاننا على الأقل نسبح مع التيار الموجود، وهو التيار الوطني، والذي هو، علي أي حال، الحركة الوحيدة الظاهرة، في حين انكم (في فلسطين) كما يبدو لي، مضطرون الى السير في عكس التيار .
ولم تكن افكار غيرترود بيل حول ضرورة الاعتراف بواقع الشعور الوطني قاصرة علي العراق وحده، وانما كانت آراؤها في مستقبل فلسطين لا تقل عنها وضوحا، جاء في رسالة كتبتها من بغداد في مطلع سنة 1918 وبعد اعلان تصريح بلفور تقول:
.. وبالمناسبة، فانني اكره التصريح الصهيوني للمستر بلفور حول سورية (وهي تريد سورية بالمعني الجغرافي الذي كان يشمل سورية ولبنان وفلسطين) واؤمن بأنه لا يمكن تحقيقه... فالبلاد بصورة عامة لا تصلح للاهداف التي يفكر فيها اليهود. انها ارض فقيرة، غير قابلة لتنمية كبيرة، وثلثا سكانها على الاقل هم من العرب المسلمين الذين ينظرون الى اليهود باحتقار. وهو في رأيي مشروع مصطنع كليا، بعيد عن اية علاقة بالواقع، وانني اتمنى له الفشل الذي يستحقه، والذي سيناله فيما اتصور.
وفي مناسبة لاحقة كتبت إلى أبيها (في 1920/10/10) تقول:
  لننتقل الآن إلى منطقة أخرى من مناطق الانتداب: فلسطين. ان نفس المبادئ العامة يجب ان تنطبق عليها. ومع ذلك فان هربرت صموئيل خلال الشهرين الماضيين، أسس في فلسطين حكومة بريطانية ذات مستشارين عرب. وهو يفعل ذلك لأن تأسيس اي نوع من المنشآت الوطنية ذات الطابع المستقل سيؤدي الي رفض الصهيونية ــ ولكن اليس هذا شجبا كافيا للصيهونية؟ انني شخصيا اعتقد ذلك، وأؤمن انه في وقت ما، وربما بمساعدة مصر، ستنفض فلسطين عنها نير الصهيونية. وستكون الغلطة غلطتنا، لانه اذا كان هنالك درس اتاح لنا العراق فرصة تعلمه، فهو انك لا تستطيع ان تدافع عن امر، وتفعل غيره.
عملت غيرترود مع ويلسن بانسجام في البداية، ولما صدر التصريح البريطاني ـ الفرنسي حول مستقبل البلاد العربية، عارضه ويلسن بشدة وابرق الى الحكومة البــــــريطانية قائلا:
ان تعيين امير (عربي) في الوقت الحاضر ليس عمليا، وامر غير مرغوب فيه. ولا اعلم فيما اذا كان مثل هذا التعيين يعد التزاما ضروريا بالنسبة الى التصريح الصادر في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1918 فاذا كان الامر كذلك فانني اتوقع ان يكون النهج الذي اختارته حكومة جلالته لهذا البلد شائكا.. .
ويقول ويلسن ان مس بيل طلبت اليه ان يبلغ وزير المستعمرات انها تتفق في الرأي مع ما جاء في هذه البرقية وجميع البرقيات التي ارسلت حتى ذلك الوقت حول هذا الموضوع.

في سوريا
ولكن على الرغم من هذا الانسجام المبدئي بدأت بوادر الخلاف تظهر في رسائل مس بيل الى والديها.
وكانت قد مرت سنة كاملة تقريبا بين توقيع معاهدة فرساي وتوزيع الانتدابات في مؤتمر سان ريمو في نيسان (ابريل) 1920، ولم تصدر عن المقيمية البريطانية خلال سنة 1919 اية تصريحات واضحة عن السياسة التي تعتزم بريطانيا انتهاجها في العراق. وظهرت بوادر عدم ارتياح شديد فيه بسبب استمرار الاحتلال العسكري من جهة، وقيام دولة عربية مستقلة في سورية، من جهة اخرى. اذ لم يرتح العراقيون حين رأوا ان السوريين اعتبروا قادرين علي حكم انفسهم، بينما كانوا هم ـ في نظر الحلفاء ـ غير اهل لذلك.
وفي اواخر سنة 1919 قامت مس بيل بزيارة الى سورية، وقابلت هناك عددا من العراقيين الذين يشغلون مناصب مهمة في حكومتها، ابرزهم ياسين الهاشمي. ويبدو انها تعرفت هناك للمرة الاولي علي نوع الحكومة التي يريدها العراقيون الذين يعملون مع فيصل في دمشق. وقدمت لدي عودتها تقريرا من اهم تقاريرها بعنوان سورية في تشرين الاول (اكتوبر) 1919 غطي مقابلاتها ومباحثاتها خلال زيارتها. وقد ختمته بوصف الفوضي وسوء الادارة السائدين في سورية خلال حكم فيصل. ولكنها مع ذلك لم تشجب قيام حكم وطني قبل أوانه، بل بررت ذلك الوضع بأنه كان ضرورة تاريخية لا بد لبريطانيا من مواجهة مثله وقبوله في العراق ايضا وقالت: حينما نؤسس ادارة مدنية في هذه البلاد (أي في العراق) فان وجود حكومة وطنية في سورية منذ سنة أمر لن ينساه الوطنيون العراقيون .
وقد اعتبر ويلسن ان سكرتيرته الشرقية، بتقريرها هذا، الذي جاء خلافا لآرائه، قد خانته وخذلته.
وفي رسالة كتبتها مس بيل في 12 شباط (فبراير) 1920 اشارت الي الوضع في العراق، قائلة: وفيما عدا ذلك، فان الأمور ليست سهلة. اعتقد ان ويلسن يعالج الوضع بصورة ممتازة .
وهنا كانت مس بيل مخطئة. فالواقع ان ويلسن لم يكن ليعالج الوضع بصورة ممتازة. اذ حدثت في الرميثة بعد كتابة هذه الرسالة بمدة قصيرة، الواقعة التي كانت فاتحة ثورة عارمة انتشرت في سائر انحاء الفرات الاوسط والأسفل، ثم امتدت الى بغداد وغربها وشمالها حتى بعقوبة وشهربان وسامراء.
تلك هي ثورة العشرين، او الثورة العراقية التي اجبرت الحكومة البريطانية علي تغيير سياستها العراقية، والإقلاع نهائيا عن فكرة الحكم المباشر، وتطبيق سياسة الانتداب تحت قناع معاهدة بريطانية ـ عراقية.
ويبدو ان أحداث الثورة قد زادت في توتر أعصاب ويلسن وخشونته مع موظفيه وكل من يتصل به. فقد كتبت مس بيل في 9 ايار (مايو) 1920 تقول: ان تناول الغداء في المكتب امر مزعج نوعا ما. ويلسن يترأس اجتماعات الغداء، وهو كثيرا ما يكون غاضبا كالدب. ولذلك فان الطريقة الوحيدة هي اهماله وعدم التحدث اليه. وهـــــو لا يرتاح الى ذلك أيضا. ولكن ما العمل؟ .
وحيـــــنما منح ويلسن وسام فارس الامبراطورية الهندية (K.C.I.E) الذي اصبح بموجبه يحمل لقب سير، كتبت غيرترود في احدى وسائلها (في 23 ايار/مايو 1920):
لقد منح ويلسن وسام (فارس الامبراطورية الهندية) وانني مسرورة جدا، فـــــهو جدير به كل الجدارة. اعترف أنني اتمني انهم وقد منحوه رتبة فارس، لو استطاعوا ايضا ان يمنحوه شيئا من الصفات الخلقية التي تنسب الي الفرسان عادة .
واستمرت العلاقات بين مس بيل والسير آرنولد ويلسن بين مد وجزر، وفي تموز (يوليو) 1920 بلغ الخلاف بينهما ذروته في فصل عاصف وصفته قائلة: كنا حتى الآن نقضي ضربا من (شهر العسل)، ثم حدث لسوء الحظ ان افضيت الى احد اصدقائنا العرب هنا بنتفة من المعلومات التي لم يكن (من حيث المبدأ) ينبغي اعطاؤها. وهي لم تكن ذات اهمية كبيرة، ولم يتبادر الي ذهني انني اخطأت حتي ذكرت الأمر لويلسن عرضا. وكان في ذلك الصباح في سورة من الغضب، فصب جامه علي. قال ان عدم تبصري في الأمور لا يحتمل، وانني يجب ألا اطلع علي اية ورقة في المكتب بعد الآن. وقد اعتذرت عن تلك الهفوة المعينة لكنه استمر قائلا: لقد اسأت اكثر من اي شخص آخر هنا، وإنني لو لم أكن على وشك المغادرة لطلبت فصلك منذ شهور.
الموضوع نشر ضمن اوراق الراحل عباس بغدادي في جريدة الجمهورية 1989



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية