العدد (4314) الاربعاء 21/11/2018 (رفعت السعيد)       رفعت السعيد..القامة المضيئة       فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد       غروب شمس اليسار المصري"..       د.رفعت السعيد: تعلمت في السجن كتابة الرواية       رفعت السعيد..أديبا!       رفعت السعيد وأزمة اليسار       رفعت السعيد و(الفجر الجديد)       رفعت السعيد.. خبرات نادرة في السياسة والتاريخ والثقافة       العدد(4313) الاثنين 19/11/2018    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :37
من الضيوف : 37
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22979458
عدد الزيارات اليوم : 7985
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ابراهيم صالح شكر في سنواته الاخيرة

رفعة عبد الرزاق محمد
 وعندما  قامت الحرب العراقية البريطانية سنة 1941 وهو بمنصب قائم مقام خانقين اعلن  تاييده لها ببرقيتين مشاركا الناس في امنياتهم الوطنية البعيدة عن الاعيب  السياسيين . وبعد انتهائها نقل الى قائمقامية قلعة صالح . ثم فصل من وظيفته  في تشرين الثاني 1941 عقابا له ، وهو في حالة نفسية سيئة ، اذ اسلم نفسه  الى الهواجس والخوف ،


 ولعل شبح الاعتقال والنفي كان يهدده في كل لحظة ، فضلا عن الامراض التي تناوبت عليه وفقره . لكنه حاول الاستدراك على ذلك ، فما ان اعلنت وزارة نوري السعيد الحرب على دول المحور عام 1934 ، اهتبل الفرصة وكتب برقية الى السعيد ، فاعيد الى الخدمة الحكومية بوظيفة في مكتبة الاوقاف العامة براتب قدره ثلاثون دينارا . وكانت تلك من الايام السود في حياته وتاريخه الوطني . يذكر الاستاذ عبد الحميد الرشودي : ولكنك اذا نظرت اليه  من زاوية اخرى وتأملت رجلا اتى الطاعون في الماضي فاردى اباه وامه وجدته ، ودبّ مرض السل في جسمه وبدأ يزحف الى اولاده وزوجه ، ونظرت اليه وهو يتأمل سجل حياته بين طفولة بائسة وشيخوخة يائسة ، التمست له العذر ، ومهدت له سبيل العفو ، يضاف الى ذلك انه ما أراد من برقيته الا متاقاة خصومه لا تقواهم ، ولا عجب في مثل هذه المواقف اذا طاشت الاحلام وزلت الاقدام .
  هل استولى عليه الشعور بالذنب ؟ وقد بلغته اخبار استياء اصدقائه المعتقلين في الفاو والعمارة ممن شايعوا حركة مايس 1941 ؟.
  عندما فصل من الوظيفة كان يقضي ساعات طويلة في مخزن مكتبة المثنى وهو يطالع كتب التصوف واخبارالصوفية ، ولعلها كانت تداوي جروحه النفسية وتخفف من ازمة الضمير وتبعد عنه شبح الاعتقال . ذكر الاستاذ خالد الدرّة : رأيته صدفة في مكتبة المثنى يقلب احد الكتب ، فسألته مداعبا هل تقرأ يا ابا رياض ما يفيدك في الشتم والسباب ؟ فبدى عليه الانفعال والتأثر وقال وقد اغرورقت الدموع في عينيه : يا خالد انني لااستحق هذا الشتم ... .
ويذكر المرحوم الكتبي قاسم محمد الرجب في مذكراته : بقي الاستاذ شكر مدة طويلة على هذه الحال ، حتى نشر اسمه ذات يوم في الصحف الصباحية ، واذيع من محطة الاذاعة من جملة المعتقلين . تألمت وتشوشت عليه ، ولم اتمكن من ان اسال احدا عنه لما اصاب الناس من هلع وخوف . ولكنني بعد يومين رأيته يأتي كعادته ، ففرحت بافلاته من الاعتقال اي فرح ، وسألته كيف نجا من ذلك ؟ فقال اسمع لاقول لك سرا وارجو ان تخبر عن لساني باني مدين بحياتي هذه التي ساحياها الى نوري السعيد ، نعن الى نوري السعيد ، فعلى الرغم مما كان قد حصل بيني وبينه ، وتناولته بالنقد والشتم في الجرائد والمجالس ، فعفا عني وطلب من وزارة الداخلية والمعنيين بالامر ان يشطبوا اسمي ، وانت ترى ان سائر المعتقلين قد اودعوا قطار الصباح وابعدوا عن بغداد ، فلو اعتقلوني لما عشت يوما واحدا وانا على ما ذكرت ، فاحمد الله على ذلك ,.
شعر ابراهيم صالح شكر بدنو اجله فكتب الى صديق له في بيروت رسالة ينعى بها نفسه ويطلب الى صديقه امين نخلة ان يستعد لرثائه وقد جاء في الرسالة ( .. وصل كتابك الاخير والشمعة تذوب والذبالة ترتجف وما ادري ! اهذه الكلمات هي اخر ما امليه على ولدي رياض ام اني قادر على ان استقبل مشرق الشمس ومشهد الغروب في مستقبلي المكتظ بالمحن والاكدار . وما ادري اتهز الفاجعة اخي الحبيب امين نخلة فينشد مرثية الفجر في مأتم الشفق .. .
 وقد ابتلى في سنواته الاخيرة بمرض السكري وداء السل ، وقد اجتمعا وسارا به الى الموت في مساء الخامس عشر من مايس 1944 . ووري الثرى في مقبرة الغزالي ببغداد ، ليسدل الستار على حياة نابغة عاش بين المأساة والاحلام وحب الوطن وعشق الصحافة .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية