العدد (4505) الخميس 12/09/2019 (مصطفى جواد 50 عاماً على الرحيل)       اللغوي الخالد مصطفى جواد..شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة       قراءة في بعض تراث الدكتور مصطفى جواد       مصطفى جواد .. شهادات       مصطفى جواد وتسييس اللغة       مصطفى جواد البعيد عن السياسة .. القريب من العلم والعلماء       من وحي الذكريات.. في بيت الدكتور مصطفى جواد       طرائف من حياته..مصطفى جواد بين الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم       العدد(4504) الاثنين 09/09/2019       تسمية كربلاء واصلها    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :36
من الضيوف : 36
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27283126
عدد الزيارات اليوم : 10860
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ناظم رمزي بعد سبعة عقود من الفن مصورات تدون تاريخ الناس والأرض

عادل كامل
(1)الذاكرة بمخيالها:
إلى جانب جواد سليم، وفائق حسن، وفاضل عباس، وعدد آخر من رواد التشكيل العراقي، شارك ناظم رمزي، في معرض الفن العراقي المعاصر الذي أقيم في العاصمة اللبنانية بيروت عام 1957، بأولى تجاربه الفنية. بعد ذلك بعام أقام معرضه الشخصي للتصوير الفوتوغرافي 1958، في بغداد.


 وفي العام 1970 أقام معرضا ً شخصيا ً لفن الكاريكاتير. وبعد عامين، سيشارك في معرض للملصقات الجدارية، ومن ثم أقام، في المركز الثقافي العراقي بلندن معرضا ً آخر للفوتوغراف في عام 1977. والى جانب هذا النشاط الفني، فقد عمل مديرا ً فنيا ً لمجلة (فنون عربية) ـ برفقة الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا رئيسا ً للتحرير، والشاعر بلند الحيدري مديرا للتحرير، والتشكيلي الفنان ضياء العزاوي مديرا ً للتصميم ـ التي صدرت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي عن دار واسط للنشر ـ في المملكة المتحدة. كما صدر كتابه (العراق: الأرض والناس) في لندن ـ 1989 بإهداء: إلى وطني. فضلا ً عن مشاركاته الفنية داخل العراق وخارجه.
إنها إشارات موجزة لحياة فنية نموذجية، بل ونادرة، ترجع إلى عام 1946، عندما تلقى هدية هي آلة تصوير بدائية، بذرت فيه، بعمق، مفهوم (الهوية) بعيدا ً عن عمل الأقنعة، والاستعارات، وإنما في مناطق الذاكرة النائية، حيث الأخيرة تعمل عمل المخيال، لصياغة مفهوم ايكولوجي سيضع ناظم رمزي، إلي جانب كبار المجددين، في صياغة نصوص ـ في فنون الفوتوغراف/ والرسم/ والملصق الجداري/ وفن التصميم الحديث ـ لا تنتمي إلى تطلعات جيل ـ وحقبة ـ الرواد، والجيل التالي، باستثمار جدلية الذاكرة ، والخيال الأبعد فحسب، بل لمشروعات ما بعد الحداثة، إزاء عصر تتراجع فيه الحلول الجمالية ـ الفنية، وتكاد لا تجد، إزاء العشوائية، والاستنساخ، إلا تطرفا ً اما في الارتداد، واما في القطيعة مع المكونات، حيث واصل ناظم رمزي ـ مع عدد قليل من الفنانين العراقيين ـ بالعثور على جسور/ وصلات جعلت من الفن أكثر من علامة ـ وأكثر من ذاكرة، بين الأزمنة، وبين المساحات الحضارية المتنوعة للشعوب من ناحية، وبين ما يتضمنه الفن، في نسيجه العميق، من عبور نحو الفن في اشتغالاته النائية، ونحو ذائقة كامنة في أعماق البشر ومشاعرهم المرهفة، من ناحية ثانية.
وستكون إعادة قراءة تقديم الفنان لكتابه (العراق: الأرض والناس) ـ إشارة لرؤية فكرية وفنية لم يفقد فيها الفن، نبله، ولغزه، بمعني: أن كلمات ن. رمزي ـ كما يحب أن يغيّب اسمه الشخصي ويختزله إلى حرف:
ن ـ: تمتلك: السهل الممتنع، وتجعل القراءة مدخلا ً للاحتفاء بمنجزه الإبداعي، والفوتوغرافي ـ هنا ـ تحديدا ً.
(2) شهادة بقلم: ن. رمزي
(بدأت التصوير الفوتوغرافي كهواية عام 1946، عندما استلمت كاميرا (بوكس) بدائية، كهدية في مناسبة ما عدت اذكرها. ولكن الذي مازلت اذكره هو المتعة الكبيرة التي وجدتها في الصور الأولى التي التقطتها بها. وشجعني ذلك على اقتناء كاميرا متطورة أعطتني صورا ً أفضل، ووضعتني على الطريق التي مازلت منطلقا ً فيها. وبمرور السنين التقطت صورا ً فوتوغرافية من كل نوع، وفي بلدان عديدة، وأقمت عدة معارض لأعمالي الفوتوغرافية، كما أن الكثير من أعمالي نُشر في أشكال مختلفة.
الصور التي في هذا الكتاب التقطتها عبر مدة طالت عشر سنوات، من 1952 إلى 1962، وهي فترة كبيرة الأهمية اجتماعيا ً في تاريخ العراق. لقد كنت حريصا ً على تصوير وجوه وأشكال الناس الذين أحببتهم طيلة حياتي، وتصوير ذلك الحسّ الإنساني والشعري الغامض الذي يتصل بطريقة عيشهم وعملهم. لقد أردت أن أسجّل ليس فقط ملامحهم الجميلة، وقد نحتت بتلك الصلابة الرائعة التي تغذيها قوة داخلية لا تستنفد، بل الشوارع والأزقة والبيوت التي تؤلف الخلفية لحياتهم اليومية، والحقول والمشاغل التي كانوا يجهدون ويكدّون فيها. وكانت الكاميرا، بالنسبة لي، هي الأداة التي حاولت عن طريقها أن اعبر عن حبي للأصالة والبساطة والنبل التي يتصف بها الناس في وطني. ن. رمزي)
(3) الصندوق ولغزه:
إذا كان الفنان حافظ الدروبي، قد برر ولعه بالرسم، إلى طفل شرد مصيره بما كانت الأم تطرزه، من خيوط ملونة، وهو في سن الثالثة، فان ن. رمزي، سيسمح لنا بالتوقف عن لحظة مماثلة، عندما حصل على كاميرا (بوكس) بدائية، لا تختلف عن صندوق صغير فإذا كان الأستاذ الدروبي قد وجد في العالم الفسيح، مهرجانه اللوني، فان الشاب رمزي (18 عاما ً) انشغل بما يخفيه ذلك الصندوق المغلق. كانت لحظة التحول، كلحظة اكتشاف النار ـ واختراعها ـ معا ً. لأن ن. رمزي سيدرك ان تلك الآلة ليست محض آلة سحرية فحسب، بل انها أداة الساحر في رؤية عالم قيد الاكتشاف. على أن الـ (بوكس) البدائي، في أربعينيات بغداد، كانت علامة لعالم مشحون بسحر الحداثة، ولغزها. فسرعان ما ستصبح تلك الآلة، لرمزي، بحثا ً في مكونات الأرض، وأشكالها. فإذا كان الدروبي راح يحتفل، ويكّون، وينسج نصوصه الفنية بفرح الذات الداخلي، مع لخارج، فان ن. رمزي، في أكثر لقطاته بهجة، سيسجل، بما يفوق القصد، آسي يغدو الفرح ذروته كرسالة لم يبخل الفن عنها منذ صنع الإنسان دماه ورسوماته فوق جدران الكهوف. انه انجذب إلي ما أنتجته الأرض: النبات والحيوان والبشر، ولكن، في هذه المراقبة المثابرة، لم يغادر المصور مساحته في منح المكان تاريخ الفعل، وتراكماته. فالأشكال تكاد تكون من صنعه، وليس من صنع الآلة، إنما لأن المصّور، في أعماقه، ليس إلا علامة لتاريخ الأرض. إنها لحظة مفارقة لم تسمح للمصّور إلا أن يبحث في لغز طالما دمج النص الفني بما ستؤول إليه نهايته: الأثر. فلم يختر المسار الخاص بالأداة، وعملها، كآلة أوروبية تنتسب إلى تقنيات التصنيع، والذهن الصناعي، المعلوماتي، بل انشغل بعالم كونته المحن، والأحزان، منذ أزمنة بعيدة. فليس ثمة حداثة، في نصوصه، بين (1952 ـ 1962) إلا في حدود جعل خاماتها تدخل في بناء ذاكرة استحدثها المخيال الحديث الذي تمتع به الفنان. فهو لم يوّثق، بمعنى: لم يشتغل بالتوثيق بالمعنى الحرفي ـ كما فعل عبد القادر الرسام بمحاكاة الصور الفوتوغرافية في رسوماته ـ بل لم يختر إلا اللقطة التي اجتمعت فيها: عملية البناء (التكوين) ودقة معالجة باقي العناصر، فضلا ً عن شيء ما آخر لا يكمن إلا في الزمن. فالمصور، كلما عمل على اختيار الجزء اللا متناهي من الحركة، التي تجتمع فيها مكونات النص الفني، يزداد إدراكا ً باستحالة أن تكون الأشكال تامة إلا بمخفياتها: زمنها اللا مرئي في نهاية المطاف.
هل لفت ُ النظر إلى تعريف مائل لأسلوبه، ورؤيته، وفي الأخير: إلى طريقته في الانجاز؟ هذا إذا ما عرفنا أن (الحداثة) الأوروبية، قد بلغت ذروتها، في الأفول، حيث معاول ما بعد الحداثة، راحت تهدم، وتبني اقتراحات برؤية بنائية لعالم مازال يحدق في المجهول. فلم ينشغل الفنان بحداثات الثقافة، وأشكالها الراديكالية، لصياغة تقاليد تنتمي إليها، بل انشغل بالبحث عن حداثة لا تحدث قطيعة مع موضوعاته، ولا تحدث فجوة في خطابها.

(4) مؤشرات
لا شك أن ناظم رمزي، لم يعش بعيدا ً عن نخبة استثنائية، أنتجتها حقبة ما قبل خمسينيات القرن الماضي، فثمة أسماء رادة ابتكرت تمردها، ووعيها، بمفارقات التحديث ـ والقيود. أسماء في الشعر والنحت والمسرح والرواية والرسم والنقد الاجتماعي والسينما .. الخ كان لها الدور الفاعل بخلق المجتمع المعرفي الخمسيني في الثقافة العراقية ـ البغدادية. وذلك بتوفر عناصر: الوعي المبدع/ وتقانته/ والوعي المجتمعي الذي نشأت فيه تلك التجارب الفنية والثقافية. فان مفهوم (التجريب) لخص تحديد الغائيات، إنما عبر البدء بدحض المسلمات، والثوابت، وإعادة صياغتها بتوازن لم يخل بريادة المنجز الفني، وبما يمتلكه من صدق، وبراعة معا ً.
ناظم رمزي، الذي منحه الـ (بوكس) فرصة التعرف على آليات عمل (الحواس/الدماغ) تجاه المحيط ـ والبيئة، وضمنا ً الزمن عبر الإنسان بصفته علامة تميزها أسرارها، وجد أن يخطو نحو مشروع فن العصر (عصر بغداد خمسينيات القرن العشرين) في الطباعة، والتدوين، فرمزي لم ينبهر بميكانيك الطباعة، وأدواتها، ولغز حداثتها الأوروبية، بل انسحب إلى تاريخ سحيق يرجع إلي عصر العجلة/ والكتابة، في بلاد سومر، وأكد، لإعادة صياغة لغز الفن ـ وهو لغز الحياة برمتها. فانشغاله بالطباعة، وما يتصل بها من: تصميم/ وتصوير/ وإخراج، دفعه للحفر في طبقات نائية كان السومري فيها، قد طبع، بالطين، ومشتقاته، فلسفة لا محدودة لعمل التاريخ فوق الأرض.
ن. رمزي، منذ تلك اللحظة التي حدس فيها أن السر لا يكمن إلا في آلة التصوير (الكاميرا ـ البوكس)، راح يبحث عنه في مساحة الأرض، ومكوناتها، فضلا ً عن استذكار مقولة: أعرف نفسك، حيث لم يهدم التوازن بين الموهبة والبيئة، ولا بين آلة التحديث وما تنتجه الأرض من ناس بسطاء، سيصورهم، وكأنه يؤدي دور الاثاري وهو يستخرج آثار ترجع إلى ما قبل الطوفان.
لكن انشغالاته في الطباعة، كما تدل آثاره، لم تبعده عن مهرجان التحديث البغدادي، فشارك في معارض جماعة الرواد (1956 ـ 1960)، ومعارض أخرى للرسم، والملصق ألجداري، وفن الكاريكاتير، فضلا ً عن التصوير الفوتوغرافي، لتسمح له، في ذلك الوسط، بحوار لم يكن أحاديا ً، لعل شفافيته، للمرة الأولى، بعد ألف عام من ليل بغداد الطويل، أنتج خطابا ً لم يتعرض كثيرا ًللقيود أو لضرورة المناورة. فكانت تجاربه الفنية مغايرة للعشوائية، بل اتسمت بتحقيق جدلية تسمح للنص أن لا يكون سطحاً، أو ظاهراتياً، إلا بما يمتلكه من جسور لا مرئية تارة تسحبه إلى إنسان وادي الرافدين، وحضارته، وتارة إلي ما تدل عليه الوسائل الحديثة من أداء دور يمنح العلامة ما تتضمن من وثبات، وإثارة، وأسرار ليست للتداول، في حدود انصهارها بنسيج النص الفني، ووحدته.
(5) التعددية والوحدة ـ ديالكتيك النص الفني:
تنقصني النصوص الفنيى لتجاربه في الرسم، وفي الملصق ألجداري، وفي الكاريكاتير، إنما القليل منها يظهر واحدة من خصائص تقنيات التحديث ـ في بناء النص لدي الجيل الذي برع فيه ن. رمزي على صعيد فن الفوتوغراف. إلا أن رمزي، في هذا السياق، سيمنح تجاربه الفنية حرية اكبر، في الحذف، وفي الإضافات. فنصوصه التجريدية بلغت ذروتها في: اللا مضمون؛ حيث غدا الشكل، وباقي العناصر، تعالج محركاتها برمزية متعددة الدلالات. على انها، في الغالب، تظهر رغبته بمنح الرسم صفاء ًيخلو من التعقيد، والمناورة. انها اقرب إلى تصميمات ذهنية، منفذة بحرفة مصمم، وذات تكوينات هندسية خالصة. بيد أن ملصقاته المنشورة، توضح جانبا ً تعبيريا ً يتطلبه الملصق الجداري، إنما استجابة لشخصية ذات تجربة متنوعة، وليست أحادية. هذه الممارسات لم تستبعد حقل السخرية، كمجال يخفف من أثقال هي من صنع التاريخ، ومساراته المتعرجة. ففي الكاريكاتير ـ منذ رسومات أنجلو ودافنشي، مرورا ً برسومات غويا ودوميه ولوترك، وليس إنهاء ً برسومات بهجوري وناجي العلي ومؤيد نعمة، لا يعرب عن أحادية في النقد، بل عن عملية تجعل المتضادات تتكامل دون نهاية لبلوغ ذروتها. لكن ن. رمزي، سيستثمر المتناقضات، والمفارقات، في دفع الفكاهة إلى ما وراء المأساة: المصائر تتكلم خارج ضرورات الشرح، أو السرد. هنا، إضافة إلى منح التكوين أهميته كمعمار ـ كهيكل سابق للإضافات ـ تتوازن فيه عناصر النص، ليغدو المعنى إشارة لدينامية يصعب تجنب أثرها استجابة لفلسفة لا تسمح بتجاوز المشهد التاريخي، نحو ذروته: ما بعد الواقع. ولم يكن هذا ممكنا ً إلا بدراسة مشروع الحداثة الشامل ـ منذ رسومات المغارات حتي يومنا هذا في عصر ازدهار العولمة وأفولها ـ بمنح الثوابت ديناميتها أبدا ً وكأنها لا تعمل إلا بمحركات راسخة. فالمعنى لا يغدو تاريخا ً، إنما، بفعل التاريخ، يعيد صياغة متحركاته، ودوافعه غير المرئية. ولكي استبعد المفهوم (المثالي/ الأحادي) لكل فلسفة لا تتأسس على الجدل، فان (ميتافيزيقا) رؤية ن. رمزي، ستكمل شروطها بمنح التاريخي مرتبة أعلى من: الزوال ـ والاندثار. فالصورة تكتسب نبلها ـ ولا أقول سواها كالذهاب إلي المقدس ـ بما تتضمنه من حياة سبقها موتها، أو تضمنته، كي تمتلك التعبير في عمل الديمومة. فالفنان لا يصّور (أثرا ً) كما لا يحول الحيوات إلى (أشياء)، لأنه، منذ سكن صندوقه القديم ـ البدائي ـ لم يتخل عن السحري، في تقانة (مشروع أو نظام التحديث)، وصولا ً إلي واقعية لا مناص انها تتضمن تفاصيلها المتناثرة. هذا التحديث (وصولا ً إلى بناء حداثة شخصية ـ مع الوعي الجمعي لجيله) سمح له أن يري في تنوع المعالجات، جهدا ً لم يتبلور، كما تبلور في لتصوير الفوتوغرافي. على أنني لا أريد استبعاد تجاربه الأخرى، إنما لا امتلك ـ عمليا ً ـ إلا القليل، إزاء صور احتواها كتابه النادر (العراق: الأرض والناس).
(6) الخطاب الفني وهويته:
منذ غدا الحوار سمة لنزعة مجتمعية، على الرغم مما يشتمل عليه من صراع قاس ٍ، فان الخطاب بين الآلهة والبشر، ومن ثم، بين البشر والبشر، وأخيرا ً، الخطاب وقد بلغ ذروته: الخطاب مع لا احد، أو الموجه نحو المجهول، كانت علاماته من صنع كائنات لم تنفصل عن الأرض. ومع مرور أكثر من عشرة آلاف سنة، على نشأة القرى ـ وصولا ً إلى المدن العملاقة ـ فان العمل الهندسي للموروثات حافظ على هوية الخطاب، ومشفراته. انها ليست نتيجة كيمياء حيوية تفاعلت عناصرها لإنتاج الأشكال، بل لأن الأخيرة، منذ تميز البشر بالرهافة، والخوف، والأمل، قاومت الذوبان، وأقامت آليات سمحت للحوار أن يشكل دينامية في مواجهة العنف، والرداءة.
ففي النصوص الفوتوغرافية لناظم رمزي ـ منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي ـ تتكون ملحمة (الأرض والناس) لا تستكمل الأجزاء أبعادها، ومعمارها فحسب، بل تغدو أدق تفاصيلها مشفرات تعمل بروح الملحمة. هل يمكن تعريف بلاد ما بين النهرين ـ إن تقلصت مساحتها إلى ارض، أو اتسعت بمداها الإشعاعي نحو العالم الفسيح ـ بالتراب والماء، أم بهما مع مخلوقات صنعت العجلة والكتابة والشرائع، وقبلها برهنوا أنهم اختاروا موقعا ً تجمعت فيه أكثر المتضادات احتداما ً، وقسوة، كي لا تغيب، في أي متحف من متاحف عالمنا المعاصر، أدلة هذا الحضور، وهو لم يفقد ديناميته، في اشد الأزمنة مرارة؟
ناظم رمزي، لا يقدم تعريفا ً للأرض، أو للناس، أو لهوية عشرة آلاف سنة فحسب، بل طيفا ً وجد سكنه في صندوق (بوكس) أسهمت الحداثة بمنحه ومضات كي يشتغل شغل الساحر في نسج نصوص لا نعرف أهي قادمة من أعماق التاريخ، أم هي محض جسور، أم أنها تعيد الماضي والحاضر بمخيال هو من صنع الحوار النائي لحكماء سومر وبابل وآشور، وصولا ً إلى هذا الذي صوره رمزي، في أحداق لا تكف تذهب ابعد منا تارة، والتي يجد المتلقي فيها أسئلة الوجود برمته تارة ثانية.
لا صخب، ولا ضجة، ولا أسلحة، ولا بيوت تم تفكيكها والعبث بساكنيها،ولا حرائق، ولا مشردون أو مهجرون، ولا مقابر من صنع آلة الحداثة .. في صور/ وشهادات/ الفنان على عصره. ثمة بلغز الفن، تتجمع عناصر الملحمة، الشبيهة بلحمة جواد سليم، لم يخترعها، ولم يصنعها ـ هو ـ بنفسه، إلا لأن أدق تفاصيلها تكوّنت بمن سيشكل هوية الناس، والأرض، والوطن في الأخير.
فثمة (عين) كفت أن تنظر، انشغلت بتصور علامات لم تدفنها ظلمات قرون من الهدم، ذلك لأنه كان ينظر بالقلب، أو بومضات كانت الكاميرا تلبي فعل الصياغة والتدوين. فناظم رمزي بدل أن يكتب رواية، أو ينحت بالحجر، أو بالمعادن، نسج من الضوء مشاهد اكتسبت حكمتها، ومميزاتها، لا كتاريخ، بل كحوار صنع خطابه بالسر ذاته الذي لا نعرف اصنعه هؤلاء الناس، أم أن السر هو الذي صنع منهم ذاكرة راحت تصنع المصائر....؟
(7) وأخيرا ً:
ها أنا أعيد قراءة دهشة ن. رمزي الشاب، وهو يمسك بـ (البوكس) ـ قبل سبعة عقود تقريبا ًـ وقد منح لغزا ً، كي لا يتخلى عنه، وهو يحول اثر الزمن في الناس، واثر الناس في الزمن، إلى وثائق كأن أسلافه، منذ فجر السلالات، قد صاغوا بها هويتهم عبر خطاب أبدا ً لم ينشغل، كما انشغل بالذي قاوم، الرداءة، والمحو.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية