العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :51
من الضيوف : 51
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 34299403
عدد الزيارات اليوم : 11233
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ظاهرة الارتجال عند الشاعر الكاظمي

رفعة عبد الرزاق محمد
امران جسيمان رافقا سيرة الشاعر  العراقي الكبير عبد المحسن الكاظمي ، وكانا  موضع اهتمام الباحثين  وخلافاتهم ، واجماعهم على ان الامرين حقيقيان  وجديران بالبحث والتنويه .  وهما استقراره في مصر وما احتجن حياته فيها من  احداث ، وظاهرة الارتجال  الشعري الذي ماز ابداعه ، حتى توهم البعض وعده  ضربا من المبالغة او الخيال  ! .



 وفي المقال الذي بين يديك اطلالة سريعة على الامر الثاني وما اشتهر من ارتجاله للشعر ونوادره ، بما يناسب هذا الملف .
ولعل اول من نبه الى هذه الظاهرة لدى الشاعر الكاظمي هو سليم سركيس (1867 1926) صاحب مجلة ( سركيس ) وهو من اصدقاء الشاعر . وكان سركيس مبهورا بما عرفه عن الشاعر ، وكتب في ذلك مما اثار القراء بين مصدق ومكذب . وقد ذكر سركيس انه دعا الشاعر الكاظمي لحفلة غداء في داره ، كما دعا اليها الدكتور ابراهيم شدودي ( ت 1931) ، وهو طبيب عيون واديب من اصدقاء الشاعر ايضا . وفي تلك الحفلة انشد شدودي قصيدة في مدح الكاظمي ، مطلعها:
نفر الحبيب ولا سبب
اتراه يسلب ما وهب
ومنها :
  اني بمدحك يا فتى
بغداد اقضي ما وجب
  لولا الهيام بشعرك
من غرامي لم اتــــب
     ويقول سركيس : ... وما ان انتهى الدكتور شدودي من انشاد قصيدته حتى اجابه المحتفى به بقصيدة ارتجالية من نفس البحر والقافية ، فكان ينظم وانا اكتب والاخوان يعجبون بسرعة خاطره ، حتى بلغت القصيدة ثلاثين ومئة بيت!. ومنها :
 لعب الطبيب ولا عجب
ولرب جـــــــــد كاللعب
اذكيت يا اسي العيـو
ن فؤاد صب مكتئـــــــــب
واهجت عندي لوعة
لم يطفها الشبـــــم العذب
اذكرتني عهد الشـبا
ب وما قضيت من الارب
هذا ماشهد به صحفي مصري معروف والقصيدة مثبتة في الديوان في جزءه الثاني ( ص 102 ) .
ومما رواه الشيخ عبد القادر المغربي (1868-1956) العالم الشامي ورئيس المجمع العلمي العربي في دمشق ، عن بداهة الكاظمي انه زار المغربي يوما في ادارة جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف في اوائل القرن العشرين ، فابتدره الصحفي سليم سركيس بالعتب الشديد عليه لعدم تهنئته بزيه الجديد ، فقد نزع سركيس الزي الافرنجي الضيق ، وعاد الى لبس القفطان المشدود من وسطه بالزنار ، وجبة سهلة الطي ، واعلن عن هذا التغييرفي الصحف المحلية ... فلما دخل الكاظمي واسمعه سركيس عتبه قال له :
الق دوانك واقرب
وخذ اداتك واكتب
    ثم استمر في ارتجال الشعر في مدح سركيس ووصف زيه الجديد ، ويضيف المغربي : حتى اذا طال نفس القول ، اعترضته قائلا : ارى سيكون لهذه القصيدة نبأ عظيم بين ادباء القاهرة فلم لا يكون لي فيها ذكر ، وانا ثالثكما وشاهد حادثتكما ؟ . فتحول الكاظمي عن سليم ، واقبل علي وخاطبني ببضعة ابيات من شعره المرتجل على وزنه وقافيته ، ثم عاد الى اتمام الكلام في سليم حتى اكمل قصيدة بلغت 37 بيتا فيما اذكر ، وقد نشرها سليم في مجلته في سنتها الخامسة  ...
اما القصيدة فمطلعها :
اترى الافضلين والابدالا
وجدوا الشكوك فيك مجالا ؟
ومنها مشيرا الى تبديل الزي :
اكذا ينبذ التقاليـــد حر
ويفك القيـــــــود والاغلالا
احرجتك الازرار وهي عقال
وطليق الافكار يأبى العقالا
  كنت بالامس لست تعرف ماالذيل فاصبحت تسحب الاذيــــالا
في عام 1912 اصدر محمد صبري الملقب بالسوربوني (1890- 1979)  كتابه الرائد ( شعراء العصر ) ، ولم يغفل الشاعر العراقي المقيم بمصر وبداهته ، فقال : والرجل على خلق عظيم ، يراه كل من يختلط به ، وهو اطول الشعراء نفسا ، وربما يرتجل القصيدة التي تبلغ المئة والمئتين او ما ينوف عليها دفعة واحدة . ونقلت الكتب التي صدرت بعد هذا ما ذكر عن الامر .
   وكان الاستاذ خير الدين الزركلي (1893-1976) ، الاديب والباحث وصاحب موسوعة ( الاعلام ) من اصدقاء شاعرنا الكاظمي ، ويعرف الكثير عنه وعن شاعريته ، وقد اكد في كتابه الكبير على حقيقة الارتجال في شعر الكاظمي ، غير ان الاستاذ محمد مهدي البصير
(الدكتور فيما بعد ،1895-1974)  اراد التأكد من الامر عام 1930 وهو في مصر في طريقه الى فرنسا للدراسة ،  فألتقى الزركلي وتحدثا عن الكاظمي ، فذكر الزركلي : انه اول من اخبر الكاظمي بالاعتداء الذي جرى على سعد زغلول عام 1924 وطلب منه ان يقول شيئا بالمناسبة ، فلبى الشاعر الطلب في الحال ، ثم رغب اليه الزركلي ان يقول شيئا اخر عن زعيم مصر وبقافية اخرى ، فصمت الكاظمي لحظات ثن اجاب هذه الرغبة . ويضيف البصير انه تحدث مع الاستاذ اسعد داغر (1886-1958) الصحفي المصري المعروف ، فقال له : يا استاذ ان الناس منقسمون فيما يشاع عن قدرة الكاظمي على الارتجال ، وهم في هذا بين مصدق ومكذب ، ولكن كثرتهم تميل الى التكذيب ، فما تقول في هذا؟
    فقال : ان المكذبين معذورون ومخطؤون لان ارتجال مئات ابيات من الشعر الجيد امر لا يصدقه العقل !! ومخطؤون لان هذه هي الحقيقة . اروي لك ان صديقا للكاظمي فقد ولدا له في ريعان الشباب فلم يواسه الكاظمي ولم يحضر لقراءة الفاتحة على روح ولده بسبب مرضه، ولكنه التقى به بعد ايام فعزاه وواساه واعتذر اليه ، فقال له هذا : ولكن يا استاذ لو نظمت ابياتا ترثي بها الفقيد لكن احب الينا ، فقال : حبا وكرامة . ةارتجل قصيدة في اربعين بيتا ، وكتبها والد الفقيد . ولما فرغ الكاظمي من الارتجال وصديقه من الكتابة قال له : انا سنقيم حفلة اربعين للمرحوم على قبره ، فهل لك ان تتفضل فتنشد القصيدة في الحفلة ، قال الكاظمي : نعم .
    وجاء الموعد المحدد وجاء الى موضع الاحتفال ولكنه راى قريبا من ذلك الموضع ضريحا ضخما فسأل عنه فقيل له انه قبر المرحوم محمود سامي باشا البارودي (1839-1904) ، ولم يكن الكاظمي قد رثى البارودي حين وفاته بسبب مرضه ، فعدل الى ضريحه وعدل الناس معه واخذ يرتجل في رثاء البارودي حتى بلغ عدد ابيات القصيدة خمسين ومئة بيت ، قال في مطلعها :
اقيموا صلاة الخاشعين وسلموا
على من حوى هذا الضريح المعظم
ولم يكتف اسعد داغر ، بل اضاف في حديثه للبصير قائلا : وما كان لي وانا ارى هذا بعيني راسي واسمعه باذني ، ان امتحن الكاظمي لارى الى اين تصل قدرته على الارتجال ، ولكن هذا ما فعلته ! فقد اتفقت مع شاعر مصريعلى ان يمدح الكاظمي بقصيدة صعبة الروي ، وينشده اياها عنده في موعد حددته له . ودعوت الكاظمي الى الغداء وبعد ان فرغا من تناول الطعام خرجنا الى الصالون لتناول القهوة ، واذا بالشاعر المصري يفلجيء الكاظمي فسلم عليه سلاما حارا ؟، وقال له انه من مريديه ، والمعجبين بادبه ، وقد مدحه بقصيدة متواضعة ويود ان ينشده اياها ، فقال له : هات .
واذا هي قصيدة شينية على جانب كبير من الصعوبة . فلما فرغ الشاعر من انشاده ، قال له الكاظمي : انك لم تبق لنا شيئا ! ومع ذلك اخذ يجيبه في نفس العروض والقافية وما زال يرتجل حتى اشفقت عليه ، ورجوته ان يكف عن الارتجال !
     اما الكاتب الكبير عباس محمود العقاد (1889-1964) وهو المعروفه بقسوته على مخالفيه وشحته في اطلاق كلمات المدح والاطراء ، فقد اكد هذه الحقيقة وان لم يكن قد راى الكاظمي وهو يرتجل الشعر ، فقال : هذه هي سهولته المقرونة بالجزالة ، وهذا هو ارتجاله المعصوم من الارتجال ! لم احضره وهو ينظم على البديهة ، ولكن حدثني بعض من حضروه ، فقال : انه كان رحمه الله ، ينظم كمن يتحدث على مهل ، ويملي فيكاد بعض الائه يسبق من يكتب ويستعيد الابيات حينا بعد حين لكنه كان يستعيدها ليربط بينها ، وقلما يستعيدها لتبديل او تنقيح .( من مقدمة الجزء الثاني ) .
     وشهد الشيخ مصطفى عبد الرازق (1885-1946 ) شيخ الازهر ووزير الاوقاف المصري والباحث المرموق ، فقال : والكاظمي اية في ارتجال الشعر الجيد ، ياتي فيه بالعجب العجاب ، رايناه يحضر الحفل العام او المجلس الخاص ،تطرؤ مناسبة يدعى لان ينشد فيها شعرا ، ثم ياخذ في الانشاد فلا تلمح اثر الارتجال في تلك القصائد الطوال المجودة ـ ولا تلمح اثرا للتكلف في ذلك الشاعر العربي ، الذي يفيض شعره عن بديهة وارتجال ، كأنه الهام .
    اصدر الاسناذ المرحوم عبد الرحيم محمد علي كتابا بخمس حلقات جمع فيه ماكتب عن الكاظمي في شتى الكتب والدوريات وكفى به مؤنة البحث والجمع ، الا ان غيابه القسري ثم فقدانه عام 1980 ، اوقف هذه الجموعة الادبية والتاريخية
 المهمة .
 وتضم هذه الجموعة الرائقة شهادات مختلفة عن موضوعنا ، كتبتها شخصيات عربية مختلفة ، وكلها تجمع على سرعة البديهة الشعرية لدى الشاعر الكبير ، ولاتترك لقائل او مرتاب شيئا . وهذا ما دفع اديبا عراقيا كبيرا وصحفيا قديرا مثل الاستاذ رفائيل بطي (1901- 1956) الى القول ك والمزية التي تفرد بها بحيث سبق الانداد والنظراء هي طول النفس في الشعر والارتجال على البداهة لايخفف عند حد ارتجال البيتاو الابيات اربعة ، بل يتجاوز العشرات بل المئات .  وقد سجل تاريخ الحركة الادبية للفقيد في هذا الميدان تفوقا مميزا ، وروى عنه سليم سركيس والشيخ عبد القادر المغربي وخير الدين الزركلي واسعد داغر من الادباء المعدودين ، الروايات التي لايكاد يصدقها المرء ، لولا ثقة الرواة .
     ولعل اشهر ما ينقل في موضوعنا واطرفه ، في زيارة جعفر العسكري رئيس الوزراء العراقي الى مصر ،  فأقام العراقيون في مصر حفلا تكريمياكبيرا له ، وكان من بين شهود ذلك الحفل الشاعر الكاظمي وقد ضعف بصره يومئذ. فاقترح عليه اثناء الحفل ولم يكن اسمه مدرجا في قائمة المتكلمين ان يقول شيئا مناسبا ، وتحت الالحاح وقف الكاظمي وارتجل قصيدة طويلة من مئة واربعين بيتا ، وهي من غرر قصائده ،
ومطلعها :
يراع العلى هل انت ادهى وابصر
ام السيف ارسى منك قلبا واجسر



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية