العدد (4505) الخميس 12/09/2019 (مصطفى جواد 50 عاماً على الرحيل)       اللغوي الخالد مصطفى جواد..شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة       قراءة في بعض تراث الدكتور مصطفى جواد       مصطفى جواد .. شهادات       مصطفى جواد وتسييس اللغة       مصطفى جواد البعيد عن السياسة .. القريب من العلم والعلماء       من وحي الذكريات.. في بيت الدكتور مصطفى جواد       طرائف من حياته..مصطفى جواد بين الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم       العدد(4504) الاثنين 09/09/2019       تسمية كربلاء واصلها    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :39
من الضيوف : 39
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27283135
عدد الزيارات اليوم : 10869
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


صالح الكويتي

 سعدي عبد اللطيف
نادرة هي الأيام التي تبث في الروح البهجة والدفء والحبور في ايام منافينا وهجرتنا. هذا ما حدث، ويا للمفاجأة، يوم في الاحتفال المخصص للموسيقى العراقية والذي بدأ ظهرا بهدوء عبر محاضرات ومداخلات عن عبقري الغناء العراقي صالح الكويتي وانتهى بالغناء الجماعي


وكأننا في كورس جمع كل أطياف شعبنا العراقي في المهجر وهو يردد مع مطرب المقام الأصيل اسماعيل فاضل أغاني تربينا عليها صغارا وستبقى معنا ما تبقى لنا من العمر. بدأ الاحتفال بكلمة الموسيقار أحمد المختار جاء فيها:» نحتفل اليوم بالذكرى المئوية لولادة موسيقار العراق الملحن صالح الكويتي.
نحتفي به لا كقيمة فنية فحسب، بل كقيمة انسانية كبيرة استطاع عبر الحانه الثرية تأسيس ذاكرة موسيقية في المنطقة،
وعلى الأخص للشعب العراقي حيث تغنى بألحانه كل العراقيين وما زال عالقا بذاكرتنا الموسيقية. دعوني أرحب بكم باسم فريق العمل والقائمين على الاحتفالية والتي اطلقت فكرتها لندا مناحين وتبنت رعايتها مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية (سوس) التابعة لجامعة لندن. ولا يسعني سوى تقديم الشكر والأمتنان الى جامعة لندن التي منحتنا افضل التسهيلات الممكنة. وأشكر جميع المساهمين والحضور واتمنى لكم النجاح والتوفيق».
 وبدا اليوم بمحاضرة بعنوان « صالح الكويتي:الأب والأنسان والملحن « القاها الدكتور سليمان الكويتي الذي حضر  للمشاركة متحملا كل تكاليف السفر وعنائه في يوم الاحتفاء بأبيه اعقبها محاضرة للأستاذ خالد القشطيني عن» حكايات الأغاني العراقية وأغاني صالح الكويتي».
تناول الدكتور سليمان حياة صالح الفنية والموسيقية ضمن العلاقات الاجتماعية العائلية وفسر الكثير من الظواهر التلحينية في أعماله وذكر انه حين سئل أبيه عن ظاهرة الحزن في الأغنية العراقية أجاب لأن العراقيين يسمعون بقلوبهم لا بآذانهم والبكاء وسيلة للفرح لديهم بخلاف شعوب الأرض ولربما لأن نوعية تربتهم تختلف.
ثم عرض فيلم وثائقي عن حفل موسيقي بقيادة صالح الكويتي على الكمان وغناء المطربة نجاة لأهم ألحان الكويتي كما غنى هو نفسه بعض الحانه. وأعقب عرض الفيلم نقاش بين باهر هاشم الرجب خبير المقام العراقي و احمد المختار وقدم المؤرخ الموسيقي حسقيل قوجمان والذي عاصر مرحلة من حياة الكويتي مداخلة قيمة.
أما الكاتب والروائي خالد القشطيني الذي صدرت له مؤخرا رواية مهمة باللغة الأنجليزية بعنوان « على مقربة من نهر بابل « فقد تحدث عن فترةالخمسينيات وعلاقة المجتمع العراقي بالأغنية وكيف استخدم الناس اسلوب البوح عن طريق الشعر والأغنية وذكر ان « الهجر مو عادة غريبة « كتبت بعد ان هجرت صالح حبيبته المغنية زكية جورج.
 وقدم  المختار، في بداية الحفل المسائي الكبير، قطعا موسيقية من تأليفه والحانه من أغاني صالح الكويتي باسلوب التنويعات مثل « الهجر»،» ياهل خلك « و» آنه من اكولن آه « ورافقت هذه الأعمال الموسيقية « فرقة بغداد « والتي تكونت من جميل الأسدي على القانون، طاهر بركات على الكمان، حسين الزهاوي على الدف وعلي الخفاجي على الأيقاع والرق. وسلم المختار، بعد ذلك، بصفته المشرف العام على الاحتفالية وباسم الجامعة وفريق العمل المرافق له  جائزة تقديرية للدكتور سليمان الكويتي وكانت الجائزة عبارة عن درع الاحتفالية حفرعليه رموز الكمان، العود وخريطة العراق.
ولد صالح الكويتي عام 1908 في الكويت لعائلة من أصل عراقي. وتلقى صالح واخاؤه داود دروسا في العزف والغناء لدى الموسيقار  الكويتي  المعروف خالد البكر ثم تعرفا على الموسيقى العراقية والمصرية عبر الأسطوانات. وحين أتقن الأخوان العزف والغناء قدما العديد من الحفلات في الكويت وفي أقطار الخليج. ورافقا عام 1927 المطرب الكويتي الشهير عبد اللطيف الكويتي الى البصرة لتسجيل بعض الأسطوانات. قرر الأخوان عام 1929 الانتقال نهائيا الى بغداد. واقترحت المطربة سليمة مراد على صالح تلحين بعض الأغاني وقام فعلا باختيار قصائد لعبد الكريم العلاف وسيف الدين ولائي ولحن « كلبك صخر جلمود، هوه البلاني، آه ياسليمة، ماحن عليه، منك يالأسمر وخدري الجاي خدري « واغاني عديدة مشهورة . عمل صالح مع كبار الفنانين المصريين مثل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. وغنت الحانه عمالقة الغناء العراقي امثال سليمة مراد، زكية جورج، منيرة الهوزوز، عفيفة اسكندر، ناظم الغزالي وزهور حسين. كما وضع الكثير من المقدمات واللزمات الموسيقية لداخل حسن وحضيري أبو عزيز.
اسقطت الجنسية العراقية عن صالح واخيه وآلاف العراقيين الآخرين الذين استوطنوا البلاد منذ بابل عبر المؤامرة المشهورة التي حيكت ابان العهد الملكي بين الحكومة البريطانية والحركة الصهيونية العالمية ونوري السعيد وأجبروا على الهجرة والخروج من بلاد مابين النهرين. توفي صالح في اسرائيل عام 1986.
يقول عازف العود المنفرد احمد المختار:» تميزت عبقرية صالح الكويتي في النصف الأول من القرن العشرين وتلونت ألحانه لتنسجم مع أغلب أصوات المطربين النسائية والرجالية مما يدل على قدرته التلحينية المتنوعة.  الكويتي كان غزير الانتاج حيث قدم مئات الأغاني، كما جاء على لسانه،. وكان يعد أكثر من خمس أغان في العام لكل مطرب على كثرتهم وتنوعهم وخلق انماطا جديدة في أغاني المقام العراقي وأخرجه من انغلاقه ومزج بينه وبين اغنية المدينة وتميز بـ ( الموليشن) أي التحول المقاماتي بالانسجام والتناسق. وأثرى مع شقيقه داود، المغني وعازف العود، الموسيقى في العراق وأصبحا من مؤسسي الفرقة الموسيقية للاذاعة العراقية».
وأطل علينا في الفقرة الأخيرة من الحفل، بقامته المهيبة وسدارته الفيصلية، مطرب المقام اسماعيل فاضل القادم من استراليا ليفاجأ الجمهور بقوة صوته وعذوبته بحيث بقي الحضور يصاحب اسماعيل غناء أغانيه ولم يتوقف تصفيق الأيدي على الطريقة العراقية تصحبها (الزغاريد) بين الحين والآخر لتحلق بنا ولترمينا بين آن واخر في دروب بغداد وانحناءات دجلة والفرات وسفوح الجبال الشاهقة. وما كان مدهشا، حقا، ليس مجرد ترديد الجمهور بل غناؤهم الذي انضبط فيه الوزن الأيقاعي والتون الذي نستطيع تشبيهه بغناء الجوقات الكنائسية الموحد ذات النقاوة الصوتية والأيقاع المتزن.
واسماعيل خليل خريج كلية الفنون – قسم الموسيقى. تدرب بشكل مكثف على غناء المقام وعلى اسلوب الليالي والقدود الحلبية ليتخصص كذلك بالغناء العربي الأصيل.
 يقول احمد المختار:” لايلتزم اسماعيل  بكل تفاصيل قراءة المقام واصوله المعقدة بل يطرح رؤية مغايرة في الأداء معتمدا على اسلوب التقصير في الأداء المقامي وتلك هي محاولات لانعرف حيالها رأي قرّاء المقام الملتزمين به وفي أية خانة يضعونها، خصوصا اذا تذكرنا ان تجربة ناظم الغزالي قد واجهت الكثير من الأعتراض على اساس الزعم بانه أخرج المقام عن اصوله».  لقد بذل احمد المختار جهودا مضنية في الاعداد للاحتفال وتنظيمه بحيث مرت الساعات بسلاسة وبهجة وتألق المطرب اسماعيل فاضل وأبدع العازفون من دون استثناء سواء في عزفهم سوية او كل على انفراد، ولم يكن احد في القاعة، ذاك المساء، يرغب ان يتوقف العازفون أو المغني عن المضي في الابداع والامتاع، لكن لكل شيء نهاية رغم الأسى.

كاتب عراقي مقيم
في لندن



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية