العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :56
من الضيوف : 56
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31808531
عدد الزيارات اليوم : 13085
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


هكذا تكلم ..د. كامل مصطفى الشيبي

أجرى الحوار: صالح مهدي ألهاشم
الأستاذ الدكتور الشيبي ، فيلسوف جاد ، ومفكر مبدع دقيق في طروحاته شديد الالتزام في نقله واقتباسه ، متصوف على طريقته الخاصة ، من أدق الذين كتبوا في التصوف ، ومن أعمق الذين حققوا الفكر الصوفي ، رسالته للماجستير في جامعة الإسكندرية ورسالته للدكتوراه في جامعة كمبردج  كانتا في الفكر الصوفي ، شارك في عدد من المؤتمرات


التي تعالج قضايا التصوف ، أستاذ التصوف والعقائد وعلم الكلام في جامعات القطر وعدد من الجامعات العربي ، دراساته عن الحلاج وتحليل معاناة هذا الصوفي وبيان أساليب دعوته ومصيره من أجمل ما كتب في هذا الباب ... حقق ديـوان الصوفي أبي بكر ألشبلي ، وأخيرا صدر له عن دار المناهـل بيروت عام 1997 كتابـه ( صفحات مكثفة من تاريخ التصوف ) .
      الشيبي في كل كتبه وبحوثه ومقالاته ، دؤب ينقش في صخرة التصوف ... وهو من ابرز أعمدة مدرسة بغداد الفلسفية خلال العقود الثلاثة الأخيرة ... ولذا كان حوارنا معه عن الصوفية والتصوف منهجاً وعملاً ، فقد أعطينا القوس باريها : -

قناعات لها مسوغات
سألناه :- كتبت عن الصوفية والمتصوفة مبكراً وما زلت تكتب فما الذي اكتشفته جديداً عن هؤلاء الناس وطريقتهم ؟ هل صيروك صوفياً لا يبدو ذلك !!
أجاب :- في مخالطتي لآثار الصوفية والمتصوفة مبكراً والمتكلمين مخالطة ذهنية وروحية تعلمت منهم المثالية والتسامح ، وانتهيت إلى قناعة كاملة في الحياد الفكري ، إذ اكتشفت إن المفكرين ينتهون إلى قناعة فكرية ينطلقون منها إلى استكمال الآراء ، لسبب وجيه يدفعهم إلى ذلك ، ووجدت إن قناعاتهم لها مسوغاتها ، ومن هنا لم أجد ضرورة لتخطئتهم والوقوف ضدهم ، بل صادفتهم وعرضت آراءهم عرض جار وصديق حميم : فانا لا أتظاهر بمظاهر الصوفية في اللباس والتصرف ، وتمثيل الرقة مرة والشدة أخرى ، فان في داخلي أخلاقهم وفهمهم ، ومن ذلك قول الجنيد : التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف ... وهذا هو الجديد المتجدد ... ومن هذه الزاوية اكتشفت إن للحلاج جهوداً تفسيرية للقرآن متفرقة في المخطوطات فأخذت نفسي بالبحث عنها وجمعها  لأقدم للناس توجهاً لم يعرفوه من قبل بعيداً عن التعصب والمواقف والرواسب المسبقة
الأنبياء صوفية
هل التصوف في الإسلام نتاج الزرادشتية أو البوذية أو غيرهما من فلسفات الشرق ؟ أم انه ولد من رحم المسيحية أو أفكار لاهوتية أخرى ؟ أم إنها إفرازات الطروحات الباطنية ؟ أم المتصوفة شريحة إسلامية استلهمت مفاهيمها وأصولها من القرآن الكريم ؟
يشهد التاريخ والبصر والبصيرة : بأن التصوف هو في الحقيقة توجه روحي مباشر إلى الخالق سبحانه ، بصرف النظر عن الانتماء الفقهي والتشريعي في التاريخ كله ، ولهذا فإننا نجد التصوف في كل زمان وكل مكان ، وكان الأنبياء في توجههم إليه تعالى صوفية يستمدون المعرفة والتوجيه والخلق منه ، ومن هنا يتشابه المتصوفة الهنود من بوذيين وهندوسيين والرهبان المسيحيون في شتى فرقهم  وكذا الرهبان الكونفو شيوسيون والمجوس واليهود والهنود الحمر وكل متوجه روحي في العالم كله .
      ولم يكن أجدادنا مستثنين من هذه القاعدة ، فقد كان الحنفاء صوفية بوجه من الوجوه ، وكان بنوصوفة الجاهليون المنقطعون لخدمة الكعبة وقيادة الحجاج إلى جبل عرفات والنزول منه في ختام الحج ، صوفية بوجه من الوجوه ، ومنهم اتخذ التصوف مصطلحه . وكيف نفسر تحنث عظيمنا الأكبر محمد بن عبد الله في جبل حراء طوال خمسة عشر عاماً إلا على هذا النسق العام في التوجه المباشر إليه سبحانه واستمداده القوة والطاقة والروح منه ، وفي رأينا إن التصوف هو لب الأديان ومنطلقها ومنه تفرعت واستبانت موضوعاته من تشريع وأخلاق ومناهج وما إلى ذلك مما عرفناه في شتى التوجهات الإنسانية الدينية . فالتصوف قد وجد قبل الأديان ومنها الإسلام ، وسيبقى بعدها باشكال جديدة إلى نهاية العالم .

الكفر وناقله
أين نضع فلسفة وحدة الوجود من فكرة وحدة الأديان والمذاهب في الفكر الصوفي ، وكيف نفسر قول ابن عربي :أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وأيماني ؟
قال تعالى : ( هو الأول والأخر والظاهر والباطن وهو بكل شي عليم ) " الحديد آية 3 " ، وقال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) " الذاريات آية 56 " ، وقال : ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ) " الأنبياء آية 104 " من هنا يستنتج أصحاب وحدة الوجود : إن الله والعالم شيء واحد وكائن واحد ، وانه تعالى لم يكن في وقت من الأوقات وحده ، بل العالم يتجدد خلقه في كل لحظة ، ويبقى سره وروحه فيه منذ الأزل والى الأبد ، ويرون إن العالم تفرق من الله يوم حدث انقسامه إلى كتلة عليا هي السماء وكتلة سفلى هي الأرض ، على شكل تعبير رمزي يعني الانفجار العظيم الذي خرج منه ثلاثة وأربعون فلكاً وكوكباً ، يحيط بها الله ويسيرها ويضبط حركاتها ، وان كل هذه الموجودات تحيا وتموت بأمر الله الذي يبقى فيها ويثبت ، لأنه هو القائل : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) " الرحمن آية 27 " وقوله تعالى : ( أو لم ير الذين كفروا إن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) " الأنبياء آية 30 " أي إن العالم الكبير يشبه شجرة عظيمة وارفة ، تخضر اوراقها وتنمو ثمارها ثم تسقطان ، والشجرة ثابتة لا تتزحزح ولا تموت ، وهذا على كل حال رأي الابيقوريين وأتباع أفلوطين الذي تبناه فيلسوفنا ابن رشد في القرن السادس الهجري وتلقاه منه ابن عربي الفيلسوف الأندلسي ، ثم دان به كثير من مفكري المسلمين من نحو ابن سبعين وعبد الغني النابلسي ، ثم الأمير عبد القادر الجزائري وشاعرنا معروف الرصافي وكثير من مشاهير المسلمين خصوصاً من الصوفية ، طبعاً فكرة وحدة الوجود خلافية منذ نشأتها وتطورها ... وناقل الكفر ليس بكافر ، وخلاصة الفكرة إن هذا العالم الملموس المحسوس لم يكن في يوم من الأيام عدماً بل كان مادياً ولكن مادته تتشكل باشكال مختلفة بأمر الخالق سبحانه ...وأما قول ابن عربي  :

أدين بدين الحب أنى توجهت
 ركائبه  فالحب ديني وأيماني

فهو جزء من مقطوعة شعرية له تقول :
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه دان  دان
فقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالحب ديني وأيماني

وهذه الأبيات تنظر إلى قول الحلاج في وحدة التوجه إلى الله من شتى الزوايا :
 تفكرت في الأديان جد محقق
فألفيتها أصلا له شعب جما
فلا تطلبن للمرء دينا فأنه
يصد عن الأصل الوثيق وإنما
يطالبه أصل يعبر عنده
جميع المعالي والمعاني فيفهما

   أي إن الأصل في التدين التوجه إلى الله بالنية الصادقة والإخلاص الحقيقي ولا عبرة بالشكل والقالب والتفصيلات .

مظاهر فارغة
عند الكلام عن الصوفية يتبادر إلى الذهن ، الخرقة ، السبح الطوال الملفوفة حول الرقبة ، اللباس الرث ، ذلك الوعاء الغريب الذي يحمله الذين يسيرون في الشوارع ويكثرون من الصلاة على النبي يسميهم الناس ( الدراويش ) ما هي العلاقة بين هذه الطقوس وفعاليات الصوفية ؟ وبما تلخص مفاهيم الصوفية ؟
أبتسم الدكتور الشيبي قبل أن يجيب : الأصل في المظهر الخارجي للتصوف : الزهد الشديد في المطعم والمشرب والملبس والمسكن ، وقد ترجمت هذه العناصر إلى الزهد في هذه المظاهر وإلباسها لوازمها المادية من صوف مخرقة ومرقعة وما إلى ذلك ، وقد بدأت هذه التقاليد في عنفوان الحركة الصوفية ، ولكنها تدهورت مع تدهور الفكر الصوفي إلى الأشكال التي تشاهد في المجتمع اليوم ، فالمسؤول الظروف لا الفكر الصوفي ، ومع ذلك فثمة مفكرون صوفيون كبار في العالم الإسلامي اليوم لا يأبهون لهذه المظاهر الفارغة ومنهم من صار شيخاً للأزهر الشريف كالشيخ عبد الحليم محمود وغيره ... 
نشر في جريدة الزوراء



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية