العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :57
من الضيوف : 57
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31807906
عدد الزيارات اليوم : 12460
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الشيخ عبدالقادر الجيلاني..إلمامه بشخصيته وفكره التربوي

كامل مصطفى الشيبي
[الكلمة التي ألقاها الدكتور كامل مصطفى الشيبي في ملتقى الفكر الاسلامي الحادي والعشرين في قرية بوحنيفية التابعة لولاية معسكر غربي الجزائر، اجمالاً لمحتوى بحثه الموسوم (الشيخ عبدالقادر الجيلاني: شخصيته وفكره التربوي) في ظهر يوم السبت الخامس من المحرم 1408 هجرية / الرابع من أيلول 1987 ميلادية].


بسم الله الرحمن الرحيم
أيها السادة، الفقير الماثل أمامكم لم يخيَّر بين شيئين الا اختار اصعبهما لجبلة فيه، وذلك تقدير العزيز الحكيم. ولما خيرتني اللجنة المشرفة على هذا الملتقى العزيز، الذي يستحق منا كل تقدير وتأييد وتشجيع، بين موضوع مألوف عندي قد مارست تدريسه نحو ربع قرن من الزمان، وموضوع اخر لم يخض فيه الباحثون، حسب تقديري – وهو الحاضر – ساقتني الجبلة الى اختياره ومنازلته وبذل أقصى الجهد في تفهمه وتعلمه قبل ابلاغه الى النشئ، أملاً في تعليمهم شيئاً مفيداً ولفت انظارهم الى ضرورة المساهمة في بحثه واضافة الجديد المفيد اليه لتعم فائدته ويجري تيار العلم المتدفق الصافي من الاكدار.
والحق ان البحث في تفصيلات الشؤون المتصلة بهذه الشخصية الراسخة المكانة في قلوب الناس، من ذوي التوجه الروحي في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه منذ أواسط القرن السادس الهجري والى ما شاء الله، من أكثر الموضوعات أهمية وادعاها الى مجهود الباحثين في التصوف الإسلامي والنزعات الروحية على العموم لقلة ما يعرف عن هذه الشخصية من تفصيلات واقعية، وضرورة نفض الغبار عنها وجلاء صورتها ليكون لها دورها المتجدد في مجتمعنا المعاصر الذي يتطلب فيه الناس على كل قول برهاناً وعلى كل رأي مرجعاً موثوقاً به.
بهذا يستمر الدور الإصلاحي لمثل هذه الشخصيات التي كان لها اثرها البالغ في الماضي فينقاد الناس بهديهم الى عالم المثال والتجرد والايثار بعد ان طغى دوي الآلات وسحر الفنون العصرية على صلصلة أجراس عالم الروح وحفيف أجنحة الملائكة، وأثر في الابصار والبصائر والأحاسيس والأذهان تأثيراً بات يخشى منه على القواعد والأسس والمسلمات والمباديء ان تذورها لرياح هذا الزمن، وان ينصرف عنها منْ كان يؤلفها ويستمدها في القرون الماضيات.
والصعوبة العظمى التي تواجه الباحث في سيرة القطب الجيلاني وفكره ان ابناءه الكثيرين، الذين نعرف منهم أحد عشر رجلاً، واتباع ومريدي والمعجبين به، طوال تسعة قرون على امتداد العالم الأسلامي كله، قد أسهموا جميعاً في اضافة (رتوش) ثقيلة الى صورته الحقيقة حتى طمسوا معالمها الواقعية وأورثونا شخصية أسطورية هي الى الخيال أقرب، كما فعل ولاة الشيعة مع علي بن أبي طالب والأئمة من أبنائه.
وضرباً للأمثلة، فيما يتصل بشيخنا الجيلاني، ذكر هؤلاء النفر أنه – لما كان حَمْلاً «تجلى [الله عز وجل] عليه – وهو في بطن أمه – مئة مرة، فسمته الملائكة عبدالقادر فسمعت به الرجال وسمته به، وشاع بين الخلائق» [كما في بهجة الأسرار للشنطوفي ص89]، وأنه – لما وضعته أمه «كان لا يرضع في نهار رمضان» [أيضاً، ص89] فصام الناس لصومه إذ كان قد غُمَّ عليهم هلال رمضان سنتئذ. وأنه – لما دخل بغداد في شبابه لطلب العلم وزيارة الصالحين، كان يزور قبر معروف الكرخي الصوفي الزاهد الرائد (ت200هجرية/815م) وكان الأخير يرد عليه السلام من قبره [!] ويقول له: «وعليك السلام، يا سيد أهل زمانه» [أيضاً، ص23]، وأنه «كان اذا أعيى الأطباء دواء مريض، أتي به فيدعو له ويمر يده عليه فيقوم بين يديه» [أيضاً، ص78]. ولما بلغ الشيخ القطب مرتبته القصوى، وجعل يعقد مجالس وعظة حلقات درسه، ذكر المعجبون به من أولاده ومريديه أنهم شهدوا الأنبياء والملائكة ورجال الغيب يحضرون مجلسه» [أيضاً ص94]، وأن الخضر – عليه السلام – كان «يكثر من حضوره» [أيضاً ص94].
وترقى بهم الغلو فيه الى حد ان رجلاً من اتباعه قال له يوماً: «يا سيدي، رأيت في النوم رب العزة – سبحانه وتعالى – وقد فتحت ابواب الجنة، وقد نوصب لك الكرسي وقيل لك: تكلم...» [أيضاً، ص95] غير ملتفت الى ان مجلس الوعظ لا يعقد في الجنان ولا في النيران لأنهما داري جزاء لا داري تكليف، وقد جف القلم بما كان. ولنختتم هذا التتابع، من الغلو في القطب الجيلاني – بما روى عنه محمد بن طاهر المقدسي:
«حضرتُ مجلس عبدالقادر سنة 557 هجرية [= 1154 ميلادي، أي قبل وفاته بأربع سنين] فسمعته يقول: «أنما كلامي على رجال يحضرون مجلسي من وراء جبل قاف [في اقصى العالم]، أقدامهم في الهواء وقلوبهم في حضرة القدس، تكاد قلانسهم وطواقيهم تحترق من شدة شوقهم الى ربهم – عز وجل». وزاد «وكان أبنه عبدالرزاق، إذ ذاك جالساً على المنبر تحت رجل أبيه، فرفع رأسه الى الهواء: فشخص ساعة ثم غشيَّ عليه واحترقت طاقيته وزيقه، فنزل الشيخ وطفأها [= أطفأها]، وقال: وأنت، يا عبدالرزاق، منهم»!.
قال المقدسي، الرواي: «فسألت عبدالرزاق عما أغشاه، فقال: لمّا نظرت الى الهواء رأيت رجالاً واقفين مُطرقين منصتين لكلامه، وقد ملأوا الأفق – وفي ثيابهم ولباسهم النار- ومنهم من يرعد في مكانه». وهكذا صار من اللوازم، عن هذه المبالغات ان يقال: «وكان يسمع عند كلامه في الفضاء صياح وجلبة ساقطة من العلو الى السفل» [أيضاً ص94]، وغفر الله للشطنوفي (المتوفى سنة 713 هجرية / 1313 ميلادية) الذي جمع هذه الأساطير ونسقها في كتابه الشهير بهجة الأسرار، ونقل عنه من نقل من الغالين في هذا الشيخ الصالح القدوة. والحقيقة ان ما ذكرنا من هذا التتابع من الكرامات أو الخوارق أو الغلو أو الأساطير لا يشكل عشر معشار مما نسب الى الشيخ من عجائب ظفرتها له أنامل الأعجاب والمحبة والمهابة، واحياناً مخالب الأسترزاق وخطب ود العامة والسذج واستغلالهم كالحال مع غيره من العظماء الروحانيين والجسدانيين في شتى الملل والنحل والأزمان والأوطان.
من هنا كان علينا ان نستخلص من هذا الركام المتشابك خيوط الحقيقة أو قل: خامات منطقية يمكن ان يتأسس عليها بناء مقبول معقول محكم. وقد توسلنا الى هذه الغاية عملاً بالمنهج الذي وصانا به شيخنا الأوروبي ديكارت من اتباع القواعد الذهبية الأربعة التالية: أولاً: ألا لا أسلم لشيء ألا ان اعلم أنه حق، وثانياً: أن أقسم كل مشكلة تصادفني ما وسعني التقسيم وما لزم لحالها على خير وجه، وثالثاً: أن أسير بأفكاري بنظام، ورابعاً: أن أقوم في كل مسألة بإحصاء أتحقق معه أني لم اغفل شيئاً، كما علمنا أستاذنا الكبير المرحوم يوسف كرم في كتابه: تاريخ الفلسفة الحديثة [ط دار المعارف بمصر 1957، ص61-62].
واتضح لنا، بعد طول المعاناة والمعاياة، ما ضمناه الذي بين ايديكم ونلخصه الآن ليطلع عليه الحاضرون على قاعدة «ما قل ودل». ويبقى لأخواننا الباحثين توجيهنا وتسديد خطانا مشكورين، واضعين بيننا بحثنا المفصل، الذي نعترف بأنه غير مستكمل لقصر المدة، وتحري الافادة على قدر الامكان.
ونبدأ على اسم الله فنقول: ولد الشيخ القطب أبو محمد عبدالقادر بن أبي صالح عبدالله بن موسى جنكا دوست في قرية بشتير كما ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان والفيروز ابادي في القاموس المحيط والزبيدي في تاج العروس، وهي قرية ما تزال قائمة في ايران الحالية وتقع في منطقة جيلان(1) التي تمتد في الجنوب الغربي من بحر الخزر، وذلك سنة 471 هجرية / 1078 ميلادية في أسرة ميسورة في ما يبدو: وكان أخ أصغر منه أخترم صغيراً، واسمه أبو أحمد عبدالله [ولعله أبو عبدالله أحمد لأسباب ليس هذا محلها]. وفقد شيخنا أباه صغيراً فكلفه جده بأمه أبو عبدالله الصومعي، نسبة الى قرية صومعة سرا التي ما زالت قائمة اليوم في القرب من بشتير المذكورة. وقد كان من شدة ارتباط الحفيد بجده وعطف هذا عليه ان شيخنا لصق به لأول سني مجاهدته وتعلمه فعرف به وضعفت رابطة النسب التي بينه وبين ابيه فعرف بسبط ابي عبدالله الصومعي.
وتلقى شابنا اليتيم، الذي غدا عظيماً ككثير من العظماء الأيتام، المعرفة المتيسرة من شيوخ المنطقة، ثم طمحت نفسه الى الاستزادة منها والانخراط في الرياضة الروحية بقصد بغداد مركز الحضارة والمعارف الإسلامية لأيامه، فتم له ذلك في الثامنة عشرة من عمره، وودع قريته الصغيرة الى غير رجعة، مشيعاً برضا والدته الكريمة وتشجيعها ونفقتها المتصلة.
وفي بغداد تفقه شيخنا في المذهبين: الحنبلي، الذي اختاره وتدين به، والشافعي الذي مهر فيه، ويبدو أنه نشأ عليه وراثة في صغره، ودرس المعارف الإسلامية مستفتحاً بالعربية تقويماً للسانه الأعجمي الذي كان كثير الشكوى منه والإلحاح عليه، ولم يتح له ذلك في قريته وبيئته. وقد تم له ذلك برعاية رجل عظيم هو أبو زكريا التبريزي (ت 502 هجرية / 1109 ميلادية) صاحب: شرح القصائد العشر، والوافي في العروض والقوافي وغيرهما – وكان تلميذاً لأبي العلاء المعري.
ودرس الشيخ عبدالقادر القرآن وتفسيره على رجاله حتى أتقنهما، ثم تفقه في مذهب الامام أحمد بن حنبل (ت 241 هجرية) على أبي الوفاء بن عقيل البغدادي (ت 513 هجرية / 1119 ميلادية) مصنف أضخم موسوعة إسلامية على الاطلاق تتمثل في كتابه الكبير «الفنون» الذي قيل: إنه عدَّ ثمانمائة مجلد لخصها أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي (ت 597 هجرية / 1201 ميلادية) بجلالة قدره، في أحد عشر مجلداً. وتعلم الشيخ عبدالقادر من ابن عقيل سعة الاطلاع ورحابة الافق وحلاوة التسامح والتعلق بالاجتهاد والعطف على الصوفية وحبهم والثقة بهم وتأثير خطاهم وتأويل المأخذ عليهم وخصوصاً الحسين بن منصور الحلاج شهيد الصوفية.
وكان أبو سعيد المخرمي [نسبة الى حي المخرم في بغداد القديمة، لا المخزومي كما يرد في كثير من المصنفات القديمة والحديثة] (ت 513 هجرية / 1119 ميلادية) ثالث الاساتذة العظام الذين حظي الشيخ عبدالقادر الجيلاني بالتلقي عنهم. والمخزمي هو الذي ورث شيخنا مدرسته الصغيرة التي صارت، بعد، مدرسة واسعة ومسكناً لعبدالقادر الجيلي ومقبرة له يزورها الناس ويتبركون بها من شتى أصقاع العالم. وقد أخذ شيخنا عن المخزمي الفقه واصوله ومال الى التصوف بتشجيع منه وتعليم وتسليك وان كانت منزلته في التصوف أقل وأدنى بكثير عنها في الفقه والأصول. وما وقع ان الشيخ عبدالقادر أخذ عن استاذه المخزمي التصوف، في ما أخذ عنه، ضمن سلسلة من المشايخ الفقهاء لا تلبث ان تتصل بأبي بكر الشبلي فالجنيد البغدادي فالسريَّ السقطي فمعروف الكرخي فحبيب العجمي فداود الطائي فالحسن البصري فعلي بن ابي طالب كالمعتاد في خرقة التصوف، من الجنيد البغدادي فنازلاً، حتى اليوم.
لكن التصوف الحقيقي والمجاهدة التطبيقية وكسر النفس ورياضتها ومعاناة المقامات والاحوال لم تتأد الى الشيخ عبدالقادر ألا من ولي مشهور أمي ذي فراسة ونفوذ هو الشيخ حماد الدباس (ت 525 هجرية / 1131 ميلادية) الذي كان له معمل دبس [ وهو رُبَّ التمر] فعلاً وكان يطلق عليه يومئذ مصطلح «كاركه الدبس من كار = عمل وكاه = مكان». وقد كان شرط حماد الدباس مع مريديه من الفقهاء والمثقفين ان ينسوا علومهم النظرية وما استقر في عقولهم واذهانهم من متلقيات ليسوغ له صبهم في قالب روحي حقيقي يقوم على الألهام والأستمداد من عالم الروح بالرياضيات الروحية والبدنية. وهكذا أفرغ حماد الدباس ذهن شيخنا مؤقتاً من كل علم مقروء ومكتوب ومحفوظ ومرنه على المعرفة الروحانية والمكاشفة وعلوم الباطن. ومن حماد الدباس بالذات تعلم عبد القادر إبراء المحمومين بالإيحاء النفسي، الذي لا ينكره المحدثون، إذ كان حماد «يعطي كل منْ تصيبه حمة لوزة وزبيبة فيأكلها فيبرأ». وفوق هذا عانى الشيخ عبدالقادر الشدائد وتحمل الاهوال على يد استاذه الدباس، الذي اراد ان يصور روحه صهراً فينفي عنها كل ما علق بها من شوائب، وكان فعله هذا على نحو ما فعله الجنيد البغدادي من شدته على أبي بكر الشبلي الذي جعل – وهو الارستقراطي المنعم – يتسول الناس ثلاث سنين كسراً للنفس واقتناعاً بالتصوف عملاً بعد النظر. وصحب عبدالقادر شيخه الدباس سنين فتمخضت هذه الصحبة عن صوفي أستحق أن يسمع من شيخه هذه الجملة القصيرة المعبّرة التي لا تقدّر بثمن: وهو قوله: «يا عبدالقادر تكلم على الناس». فلما قال له شيخنا: «يا سيدي، أنا أعجمي قح؛ فكيف أتكلم على فصحاء بغداد؟» عاد استاذه يقول في لهجة آمرة قاطعة: « أنت قد حفظت الفقه واصوله والخلاف والنحو واللغة وتفسير القرآن ويصلح أن تتكلم على الناس؛ فإني أرى فيك عذقاً سيصير نخلة». وهكذا أطلق له العلم النظري وتركه يمتزج مع المحصول الإلهامي والحقائق التأملية. وكان هذا قولاً فصلاً أنتهت به مرحلة الطلب والتكميل لتبدأ مرحلة المشيخة والارشاد والوعظ والتدريس، وحدثت هذه الواقعة في شوال سنة 521 هجرية / 1127 ميلادية وللشيخ اثنتان وخمسون سنة؛ أي أن تكميله استغرق ثلاثاً وثلاثين سنة بالتمام والكمال، فانظروا أي رجل كان وأي صبرٍ صبر، وأي جهدٍ بذل؟!.
ولابد من ايضاح هنا؛ ذلك ان الوعظ كان أسمى منزلة يمكن ان يرتفع إليها إنسان عالم في العراق في القرن السادس الهجري على الخصوص، إذ كانت مجالس الوعظ مدارس حقيقية للتهذيب والتربية والتعليم والتوجيه يقدم فيها الوعظ ما عنده من علم ومعرفة وخبرة ورأي وفتوى الى الجمهور الذي كان يعد هذه المجالس متنفساً له مما يعانيه من الفساد والظلم والجهل والقلق والملل خصوصاً وأن العامة، وهم سواد الشعب، كانوا في بحث دائب عن زعيم مخلص، كأبن حنبل مثلاً، يصفي عقولهم ويطهر نفوسهم ويجيب على كثير من الاسئلة التي تعرض لهم في عالم يتغير من يوم الى آخر وتتغير معه المفاهيم والمسلّمات تحت حد السيوف التي يشرعها المتغلبون والانقلابيون ومراض النفوس المتصيدون في الماء العكر المستغلون ضعف الخلافة ايام البويهيين من قبله وايام السلاجقة الذين عاصرهم عبدالقادر من بعد تغلبهم حتى تم الخلاص منهم ما بين سنة 447 الى سنة 547 هجرية [= 1084-1152 ميلادية].
والحق ان الوعظ كان يومئذ فناً من الفنون الأدبية أو نوعاً منه كما يقال هذه الأيام، إذ كان لكل واعظ اسلوبه وطابعه ونظامه الذي يتبعه في مجلسه. وقد تطور هذا من بُكوره، أيام الخلفاء الراشدين، ثم أيام وعاظ الأمصار وخصوصاً البصرة التي أنجبت الحسن البصري وعبدالواحد بن زيد حتى نضج اخيراً في بغداد التي برز فيها أبن سمعون الواعظ في القرن الرابع الهجري. مهما يكن الامر فقد بلغ الوعط أوجه في القرن السادس الهجري: وقص علينا ابن جبير الرحالة الاندلسي عجائب من رفعة هذا الفن لدى نزوله بغداد في الربع الأخير منه. والحق ان ابن الجوزي كان امام الواعظين، إذ كان يقوم بعملية شبه مسرحية يؤديها ثمانية قراء للقرآن يتلو كل منهم آية واحدة، وبعد فراغهم جميعاً يتسلم أبن الجوزي المجلس فينشيء موعظة مسجوعة على أواخر حروف الآيات التي تلاها القراء ثم يختم بحرف واحد يكون السجعة الدائرة العامة التي تحتوي التتابع المثمن، وقد ضربت الأمثال على ذلك في هذا البحث.
أما عبدالقادر الجيلاني فقد كان يجلس على منبره وعلى كل درجة منه رجلان من ابنائه ومريديه واتباعه وعلى الأرض قارئان يتلوان القرآن، وقد يمهد ابنائه بما يعن لهم، كما كان أبنه عبدالوهاب يفعل، دون ان يكون لذلك وقع حقيقي على الناس. فاذا بدأ شيخنا كلامه فكأنه شاعرٌ فحل يهز المشاعر أو أمير يدفع جنوده الى حومة الوغى فلا تمر جملة من كلامه الا مقرونة بصيحة اعجاب أو شهقة مرعوب أو تقطيع شعور أو تمزيق ثياب تعبيراً عن التزهد والتعبد والتوبة والأنابة والأنقياد الى ارادة الشيخ، دون حاجة منه الى الأسجاع أو الطقوس التي كان يتبعها غيره. وكان يخالط كل ذلك أسئلة وأستفسارات واستفتاءات لا يلبث الشيخ ان يجيب عليها عفو الخاطر. وكان اعجاب الناس بمجالس الشيخ بالغاً الحد بحيث رأى من الواجب ان يعقدها ثلاث مرات في الأسبوع في أمسيات الأحد والثلاثاء وصباح يوم الجمعة.
وفي سنة 528 هجرية / 1134 ميلادية مست الحاجة الى بناء متسع يكون مدرسة؛ فما كان من الناس ألا أن سارعوا الى هذا الخير بأموالهم وطاقاتهم فأضافوا الى مدرسة أبي سعد المخزمي مساحات اخرى جعلت منها بيتاً للشيخ ومدرسة يلقي فيها دروسه ومواعظه. وهكذا قام هذا الصوفي الواعظ الكبير بوظيفته الأجتماعية المهمة من تخريج الفقهاء والأصوليين وتسليك الصوفية فوق وعظه للناس، وكان كلامه على الناس، عنده، واجباً واجب الطاعة إذ كان يعده استجابة لأمر إلهي لا محيد عن طاعته ولا شيء يعلو عليه. وظل شيخنا يعظ ويدرس الى اخر حياته التي آذنت شمسها بالمغيب سنة 561 هجرية / 1166 ميلادية.
ويهمنا هنا ان نشير الى ان الشيخ كان يخاطب حضار مجلسه بعبارات: يا غلام، ويا مسكين، ويا قوم، ويا شباب، ويا عباد الله، ويقدم لفقرات وعظه بعبارات ويحك، وويلك، وغيرها.
ويتبين من استعراض مضامين هذه المجالس انها كانت تدور حول الموضوعات التي كانت تشغل الرأي العام المسلم يومئذ، أو التي كان ينبغي الكلام عليها، تقوية لأيمان الناس ورصاً لصفوفهم. وبالمراجعة نلاحظ منها مجالس تمضي على الزهد وأخرى على عدم تمني الغنى، والرضا بقضاء الله، والمحبة في الله، والتفرغ من هموم الدنيا؛ وكل هذه موضوعات تجند الناس للجهاد والجلاء ومقاومة العسف والظلم والاستبداد والتطلع الى الحرية.
ووجدنا في مجالس الشيخ توجهات الى موضوعات تتصل بعدم الشكوى الى الخلق، وعدم التواضع لغني، وايثار المؤمن وغيرها وهي موضوعات تعلم الأنسان التمسك بالكرامة والاعتماد على النفس وملئها بالثقة والقوة.
ووجدنا  للشيخ مجالس في الأخلاق الأنسانية وبناء الشخصية تدور حول: الصبر، وعدم المراءاة، والنهي عن النفاق، وعدم مشاركة الله في تدبير، واخلاص العمل لله، وعدم المداهنة، والغضب المحمود والمذموم، وجهاد النفس والهوى والشيطان.
ووجدنا فيها ألماماً بموضوعات تتصل بتقوية العقيدة الدينية التي كانت مدار الأخذ الرد بين الناس في ظل السلاجقة ومنها: مجالس في معرفة الله عز وجل، والعمل بالقرآن، والأعتراف بنعم الله، ورؤية الله يوم القيامة، والتوحيد؛ وهو أطول المجالس على الأطلاق.
وتضمنت مجالس الشيخ توجهات انسانية تتمثل في: حث الناس على ترك التعصب في المذهب، عملاً على الوحدة الدينية التي كانت مفككة الأوصال يومئذ.
وكانت للشيخ ألتفاتات جميلة في النفوذ الى اعماق النفس الأنسانية واقتراح المنهج الذي ينبغي ان يتبع لرفع مستواها والسمو بقوتها الروحية. من هنا كان يريد الانسان ان يكون قوياً وذلك باتباعه العزائم لا الرخص؛ وكان يقول: «يا غلام، عليك بالصف الأول لأنه صف الشجعان وفارق الصف الأخير فأنه صف الأجبان [= الجبناء]. استخدم هذه النفس وعودها العزيمة فأنها ما حملتها تتحمل. لا ترفع العصا [عنها] فأنها تنام وتلقي الأحمال عنها». لكنه لم يرد لهذه العزيمة أن تأتي بغتة بغير مراعاة للطاقة الأنسانية وقدراتها، فقال في ذلك: «أجهد في حفظ سرك مهما قدرت على الحفظ؛ فاذا جاءتك الغلبة فأنت معذور. أجتهد ان لا تكون أنت بل يكون هو [= الحق تعالى]... كن معه كالميت مع الغاسل... في الجملة أثبت بين يديه على قدمي ايمانك ونفسك وقت نزول أقضيته واقداره» ومن المخاطب غير الحلاج هنا، الحلاج الذي دافع عنه الشيخ أحر دفاع كما فعل الغزالي واستاذه أبن عقيل من قبل وعشرات غيرهم من بعد. وقد قال الشيخ في الحلاج: «عثر أخي الحلاج فلم يكن في زمانه منْ يأخذ بيده؛ ولو كنت في زمانه لأخذت بيده».
وأستمعوا الى قول عبدالقادر الجيلي الصوفي الزاهد وهو يقول: «لا ينبغي لك ان تقعد في الصومعة وعلى وجه الأرض أحد تخافه وترجوه، لا يبق لك سوى مخوف واحد ومرجو واحد وهو الله عز وجل» وقال – وما أجمل ما قال – «لا تنعزل في صومعتك مع الجها؛ فأن الاعتزال مع الجهل فساد كبير كلي، ولهذا قال النبي (ص): تفقه ثم أعتزل». ومن أجمل ما حث عليه الشيخ العمل وكسب الرزق، ولو كان الأنسان زاهداً أو صوفياً، طعمة لأهله ولولده.
وقد بين شيخنا واجب الواعظ ودوره واسلوبه الذي يحسن ان تبعه في ادائه عمله الديني الاجتماعي الاخلاقي فقال – يخاطب الواعظين انفسهم: ويحك، تقعد في هذا المقام تعظ الناس ثم تضحك بينهم، وتروي لهم حكايات مضحكة؟ لا جرم لا تفلح ولا يفلحون. الواعظ معلم ومؤدب والسامعون كالصبيان – والصبي لا يتعلم الا بالخشونة ولزوم الحزم والعبوس؛ واحاد وافراد منهم يتعلمون بغير ذلك موهبة من الله عز وجل».ولم ينس الشيخ نفسه؛ فقد عبر عن الحافز الداخلي الذي كان يأمره بالقيام بواجبه الروحي هذا بقوله:
«أللهم، أني اعتذر أليك عن الكلام في هذه الأسرار، وأنت تعلم أني مغلوب... ولكني – إذا صعدت هذا الكرسي – اغيب عنكم؛ ولا يبقى بحذاء قلبي من أعتذر أليه وأتحفظ منه. من الكلام عليكم هربت منكم وفيكم وقعت! عزمت على ان أبيت كل ليلة في موضع، واسير من بلد الى بلد، ومن قرية الى قرية... فوقعت بوسط ما هربت منه».
فكأنه كان مدفوعاً بقوة لا قبل لها بمقاومتها، ومن هنا كان كلامه – عند نفسه على الأقل – ألهامياً مثالياً من جنس القوة اليي تحفزه وتدفعه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية