العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :44
من الضيوف : 44
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809905
عدد الزيارات اليوم : 14459
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الشيبي قرين التصوف

د. حسن مجيد العبيدي
قسم الفلسفة/ كلية الآداب/ الجامعة المستنصرية
إن هذا البحث الذي أُقدمه هنا تكريماً ووفاء لأستاذنا الكبير المرحوم الدكتور كامل مصطفى الشيبي (ت 3/ 9/ 2006م)، هو جزء من وفاء التلميذ للأُستاذ الذي تعلم منه الكثير ولم يبخل عليه يوماً لا بنصح أو مشورة، حتى وهو أستاذ مثله في الوسط الأكاديمي، ومن علمني حرفاً صيرني حراًً،


ولنجعل من ذكراه سُنة للأجيال اللاحقة بنا كيف تتعلم رد الوفاء لأساتذتها ومعلميها وتحفظ لهم حقوقهم في زمن قل فيه الوفاء للآباء فكيف بالمعلمين والأساتذة والعلماء؟.
كما أن هذا البحث ليس إلا بذرة من بذوره زرعه هو وغيره من شيوخنا الكبار في الجامعة ممن أعطونا خلاصة علمهم وفكرهم ومناهجهم ووضحوا لنا الغامض من المشكلات ويسروا لنا سبل الإمساك بأُصول الحقيقة أو الكشف عنها، فجزا الله الجميع عنا خير الجزاء، ورحمة الله على الأموات منهم وأمد الله بالصحة ودوام العافية الأحياء منهم، اللهم آمين.
 تعرفت إلى الدكتور الشيبي منذ دخلت برغبتي في قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة بغداد عام 1978م، لأول مرة طالباً لهذا التخصص، فوجدت فيه الإنسان العالم المفكر الناصح الدؤوب الذي لا يكل من طلب العلم ولا يخجل من السؤال عن الحقيقة، أوليس الفلسفة تساؤل عن الحقيقة والكشف عنها ؟.
ثم تعمقت هذه الصلة على كرسي الدراسة في المرحلة الثالثة في القسم عندما أطل علينا بهيئته المبهرة ليدرسَّنا مادة فلسفة وحدة الوجود في الفصل الأول منها، ثم ليتلوه في الفصل تدريس مادة فلسفة الرازي (أبو بكر ) وإخوان الصفا، إذ لم يكن تدريسه لنا بالشكل المعتاد للتدريس في الدرس الأكاديمي من حيث متابعة المصادر والمراجع والعودة إلى النصوص كما كان يفعل غيره ممن يدرسونا الفلسفة ثم الوقوف عندها دون تحليل ونقد، بل بدأ درسه معنا في المنهج الواجب إتباعه للكشف عن الحقيقة في أي موضوع من موضوعات التفلسف، وإن كان منهجه لربما لم يتفق معه فيه آخرون، لأنه يمثل شخصه الفلسفي واجتهاده في النظر إلى الأشياء والكشف عنها، هذا المنهج كان يطلق عليه (المنهج اللغوي التاريخي)، وطبيعة هذا المنهج يقوم على متابعة اللفظ أو المفهوم الفلسفي أو الصوفي أو الكلامي من خلال جذره اللغوي وكيف نشأ ونما في الحضارة الإنسانية وكيف وصل إلينا بهذه الصيغة التي استقر عليها حتى سلمنا بذلك تداولاً له واتفقنا على دلالته فيما بيننا، وقد طبق المرحوم الشيبي هذا المنهج على مصطلح (وحدة الوجود Pantheism )، الذي اقترن بالفيلسوف الصوفي الكبير الشيخ محي الدين بن عربي (ت.638هـ/ 1240م)، فكان المرحوم لا يقبل بهذا القول دون تمحيص ونقد، فتابع اللفظ عبر دلالته اللغوية والاصطلاحية وكيف نشأ في الحضارات الإنسانية الكبرى حتى وصل إلى ما وصل إليه عند ابن عربي ثم كيف تطور بعده إلى يومنا هذا، فقام بسياحة فكرية معمقة له منذ البابليين والسومريين والمصريين القدامى مروراً بالهنود والفرس فاليونان ثم عند الديانات السماوية الكبرى، ليقول في آخر الفصل أن هذا المفهوم يجب أن يدرس هكذا مع نصوصه وبالإمكان تطبيق هذا المنهج على أي مفهوم فلسفي أم فكري.
 عرفنا فيما بعد أن هذا المنهج قد وجه به تلميذته النابهة وقرينة أُستاذها في التصوف الدكتورة نظلة أحمد الجبوري، فكانت الحصيلة رسالتها عن فلسفة وحدة الوجود، أُصولها وفترتها الإسلامية نالت بها درجة الماجستير في قسم الفلسفة جامعة بغداد عام 1982م، طبعت كتاباً فيما بعد صدر في البحرين بطبعته الأُولى سنة 1409هـ/1989م، بعد ذلك غادرنا الدكتور الشيبي متقاعداً في نفس العام وإن كان سنه الوظيفي لا يؤهله بعد للتقاعد وهو ما زال في قمة عطاءه الفكري والفلسفي، ولم يكن خروجه من القسم بطلبٍ منه كما أخبرني فيما بعد، (بل لظروفٍ خاصة فرضت عليه وأوجبت مغادرته القسم)، فخسرنا نحن طلبته فضلاً عن زملائه الأساتذة الأجلاء بخروجه من القسم أُستاذاً بارعاً ومعلماً قديراً ومتصوفاً كبيراً. لكن بقيت صلتي به حتى يوم وفاته، رحم الله الشيبي وأسكنه فسيح جنانه أو ليس ( مداد العلماء كدماء الشهداء).
الشيبي قرين التصوف
والآن نأتي إلى صميم بحثنا، لنقول: هناك من الدارسين من يقترن أسمهم بموضوعات معينة تبقى لصيقة بهم طوال حياتهم وبعد مماتهم وتكون علامة لهم بامتياز، ومنهم أُستاذنا الشيبي الذي اقترن به درس التصوف في العراق المعاصر حتى أنه لا يذكر هذا التخصص إلا ويتبادر إلى الذهن شخص الشيبي، ذلك لأن صلته بهذا التخصص لم تكن عابرة أو لكسب مكانة في الجامعة يبغي من ورائها التدريس الحرفي فقط، بل هو الشخصية المميزة التي درست بعمق ودراية نادرتين التصوف الإسلامي وشخصياته وحققت بعض نصوصه وشرحت بعض دواوين كبار الصوفية في الإسلام، ولاسيما الحلاج وأبو بكر الشبلي وشهاب الدين السهروردي وعبد القادر الكيلاني.
 بعد أن سبق ذلك كله بإطروحتيه عن التصوف والتشيع والفكر الشيعي والنزعات الصوفية ، والتي أحدثت في حينها ضجة فكرية في العراق المعاصر تركت ردود أفعال عنيفة تجاه هذين الكتابين. ولهذا مجال آخر للحديث. وختم حياته بآخر بحثين له في التصوف نشرهما في مجلة مقابسات البغدادية، الأول ظهر في العدد الأول من المجلة وكان بعنوان (الغلو وأشكاله في المجتمع الإنساني) أما الثاني، فقد نشره في العدد الثاني من المجلة، وكان بعنوان ( الحلاج عند العرب وغيرهم)، ونحن بانتظار أن يصدر له في هذه المجلة وفي عددها الرابع بحثاً عن الشيخ عبد القادر الكيلاني. ولمن أراد المزيد عن الانجازات الفكرية والمساهمات العلمية للدكتور الشيبي فليراجع المقابلة الشخصية التي أجرتها معه مجلة الدليل البغدادية بعددها الثالث في تموز 2004 (ص ص52-59).
لكن الذي نريد أن نسهم به في هذا البحث عن المرحوم الدكتور الشيبي، هي قراءتنا لآخر كتاب منهجي صدر له في مجال التصوف والذي وسمه بعنوان (صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامي، صدر بطبعته الأولى في بيروت عام 1997م) ،والذي يبدوا أن هذا الكتاب قد صدر وعمر الدكتور الشيبي قد بلغ السبعين.
والكتاب أُنجز من قِبله بشكلٍ مغاير عن بقية كتبه السابقة عليه سواء في المنهج أم في الموضوعات التي تناولها بالدرس والتحليل فيه. إذ وضع فيه خلاصة علمه ومعرفته بالتصوف ومنهجه الذي اختطه لنفسه وهو يؤسس لمدرسة فلسفية عراقية معاصرة في الدراسات الصوفية المقارنة، إذ يقول في مقدمة هذا الكتاب (أنه كتاب غريب بين كتبي ، إذ هو الكتاب المدرسي الأول الذي يكرر ما سبق أن قيل ويبسطه ويتحرى أن يكون قريباً من الأذهان بغير مفاجأة أو إزعاج )، ولكن سرعان ما يقف الدكتور الشيبي عند هذه النقطة التي أشار إليها ليقول: (إن ما أتوق إلى تحقيقه منه أن يغني عن المراجعة والتحقق مما فيه مع علمي بأن شيئاً كهذا بعيد المنال في حالِ كتابٍ مثل هذا) .
أما المنهج الذي يطبقه الدكتور الشيبي في هذا الكتاب من الناحية الشكلية والذي يعتقده صواباً بعد طول بحث وتحقيق وتأليف، هو أن يُخلي الكتاب من الهوامش والإشارات والمراجع، ويكتفي بالنزر اليسير الذي ذكره في متن الكتاب، والسبب يعود بنظره إلى (إراحة القارئ العام فضلاً عن المتخصص بين أسفل الصفحة وأعلاها، مع بقاء عامل الثقة وحسن النية الذي أود أن يتحقق بيننا). هذا من جهة ومن أُخرى أن هذا الكتاب بنظره يمثل عمل تدريسي جامعي طال عليه الزمن، أي أن الدكتور الشيبي في هذا الكتاب أراد أن يُخرج للقارئ المتخصص فضلاً عن المثقف كتاباً في التصوف فيه من البساطة ما يجعله مقبولاً ومرغوباً به ومفهوماً لديه، وكأنه كان يعاني من هذه المعارضة الظالمة للتصوف في الوسط الفكري عند قرائه ومعارضيه ومنتقديه، إذ أنه كان يأمل من هذا الكتاب أن تقبله النفوس وتنعكس منه الفائدة. لاسيما أن هذا الكتاب قد صدر بعد أن تغيرت المواقف الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي بعد انهيار المنظومة الشيوعية في أوروبا الشرقية، وكأن المرحوم يتحسس ذلك في كتابه هذا وفي آخر نص منه إذ يقول: (أن غياب التنافس الذي أحدثته سقوط الشيوعية ودولها في أوروبا الشرقية وظهور [منطقة الفراغ] التي ملئت بالنشاط الإسلامي المنظم الذي يقف عند حد تبادل الآراء،....، بل استمر هذا النشاط في حدته وتطرفه حتى ألب الحكومات العربية والإسلامية عليه مما جعل على هذا النشاط هدفاً رئيسياً من أهداف الحكومات ، فأُفسح المجال للتصوف ليخفف من هذه الحدة ويسبغ شيئاً من المرونة والتوّاد والتفاهم بين الجماعات المتصارعة والمتنافسة على قيادة المجتمع والمستقبل القريب سيبين الدور الذي يدخره له )، ولكن هل نجح التصوف فعلاً كما كان يريد له الشيبي في تخفيف حدة هذا التطرف ؟. والجواب عندنا فيه تأمل ونظر ليس هذا مجال نقاشه وتوضيحه.
وكما أسلفنا فإن هذا الكتاب قد خرج عن السياق المعهود في التأليف المنظم للكتب المنهجية، فانعكس هذا الأمر على مضمونه، إذ خلى الكتاب من الفصول والأبواب والمباحث التي عادة ما تصنف بها الكتب من هذا القبيل، فجاء بنظرنا على محاور خمسة رئيسية( لم يشر الشيبي إلى أنها محاور) ضمت بين ثناياها عدة موضوعات مختصة في الزهد والتصوف وشخصيات هذا اللون من المعرفة والسلوك ، فهو كتاب ليس مفهومي فقط بل تأريخي في مضمونه.
المحور الأول من الكتاب اختص بدراسة كلمة صوفي Sufism أوMysticism، إذ يرى الدكتور الشيبي أن هذه الكلمة قد تعددت الآراء حولها كما رُشحت لهذه الكلمة أصول كثيرة منها ما يوافق صورتها من الناحية الاصطلاحية ومنها ما يخالفها، قائلاً: أن كلمة (صوفي) لم تظهر في الاصطلاح إلا بعد سنة (150هـ/767م) وهي السنة التي توفي فيها أول زاهد لقب بالصوفي في المجتمع الإسلامي (أبو هاشم عثمان بن شريك الكوفي الصوفي)، وفي هذا السياق فإن الألفاظ التي يمكن أن تُعد أصلاً لهذه الكلمة هي (الصفاء، الصُّفَّة، الصفوة، الصوفانة، سوفيا، صوفة القفا، الصوفة المرمية، بنو صوفة، الصوف)، فيأخذ الدكتور الشيبي بمناقشتها لفظة لفظة لمتابعة أي منها يمكن أن تكون هي الدالة على كلمة الصوفي ، فمثلاً لفظة الصفاء لا يقبل بها أصلاً للتصوف لعدم قيام دليل تاريخي يعضدها، فضلاً عن أنها لا تصلح لهذا الأصل من الناحية الصرفية أيضاً، إذ أن النسبة إليها (صفائي). في حين كلمة (الصُّفَّة) هي الأخرى لا يقبل بها أصلاً لأنها تصطدم بالناحية الصرفية لها (صُفّي)، ولهذا لا يجد مسوغاً لتحويل هذه الكلمة إلى الصوفية بأية صورة من الصور .
 أما كلمة (الصفوة) فهي الأخرى لا تستقيم عنده لأن دعوى القائلين بهذا الأصل يحتاج إلى دليل نفتقر إليه هنا، بالإضافة إلى أن النسبة إلى هذه الكلمة تكون (صفوي). أما لفظة (الصوفانة) فتعني البقول الذي ينبت من تلقاء نفسه ويهمله الناس لعدم الحاجة إليه، وبالتالي فإن النسبة إليها هي الأخرى غير واردة لأنه بنظر الدكتور الشيبي لا يستقيم هذا الفرض مع الحقائق العلمية لأنه يتصل بوجه شبه بين هذا النبات والصوفية لا أكثر، فضلاً عن أن هذه النسبة إلى صوفانة هو صوفاني، وما أبعد هذه الكلمة عن مرادنا.
وتبقى لفظة (سوفيا) وهي المقطع الثاني من الكلمة اليونانية فلسفة ( = فيلوسفيا)، وهذه اللفظة أفترضها البيروني (ت441هـ/1049م) في أصل كلمة صوفي، ويرى الدكتور الشيبي أن هذا الفرض على ما فيه من تأخر واضح عن بداية ظهور الكلمة، فضلاً عن أن اللفظ ينسب إليه على صورة (سوفي) بالسين لا بالصاد، وإن كانت أدلة الداعمين لهذا الرأي حسب قول الشيبي إنما تقوم على بعض آراء المتصوفة في القرن الخامس الهجري الذين مزجوا الفلسفة بالتصوف فحاولوا أن يجدوا أصلاً لهذه الكلمة من الفلسفة ، وهذا مما لا يقبل به الدكتور الشيبي ، لان الكلمة تعبر عن ملاحظة مرحلية من مراحل الثقافة الصوفية.
 ليقف فيما بعد عند لفظة (صوفة القفا) ليعدها أول كلمة تصلح لأن تكون مشتقة منها كلمة صوفي من الناحية الصرفية ، غير أن دلالتها المحدودة على التصوف باعتبارها تعني إهمال حلاقة مؤخر الشَعر لا تصلح أن تستغرق الصوف كله إلا ما تعارف عليه أكثر الصوفية الذين لم يتبعوا هذا التقليد.
إذن، أولى الألفاظ بنظره تصلح لهذا المعنى بتمامه عبارة (بنو صوفة) التي تعبر عن أعضاء قبيلة يمانية أُطلق عليها هذا الاصطلاح قبل الإسلام، وقد لقب أوُّلهم (الغوث بن مر) لمّا نذرته أُمه لبيت الله الحرام وعلقت على رأسه في صغره صوفة وسماه الناس (ربيط البيت). وقد استقر هذا المعنى في أذهان العرب قبل الإسلام حتى لقد ربطوا بعض مناسك الحج بحضور أفراد هذه العائلة التي صار لها بامتيازها الروحي فلم يكن الحجاج يفيضون من عرفات أو يرمون الحجارة إلا بحضور رجل من هذه الأُسرة الروحية. ليخلص بعدها إلى كون كلمة (صوفي) مشتقة من لفظة (صوفة) وإن كان هذا الاشتقاق لا من حيث دلالته التاريخية بقدر بعده الرمزي.
فضلاً عن ذلك يرى الدكتور الشيبي أن نسبة الصوفية إلى الصوف، يلاحظ كونه رمزاً لإهدار القيم المادية التي تعارف عليها الناس بعد إهمال القيم الإسلامية من جانب الحكومات التي صار همها الإبقاء على سلطتها مهما كان الثمن، وبذلك تلتقي دلالة الصوف مع دلالة صوفة من حيث رمزها إلى الحيوان الهالك وفناء الوجود الإنساني، وذلك بإهمال الزاهد للجوانب المادية من الحياة بوصفها مؤدية إلى التميز بكافة أشكاله، وهي تفرق لا تجمع وتؤدي إلى التناقض مع المثل العليا التي يتبناها الأديان جميعاً ولا سيما الدين الإسلامي.
أما المحور الثاني من الكتاب والخاص بتحديد وتعريف (التصوف)، فيرى الدكتور الشيبي أن وضع حد أم تعريف لهذا الاصطلاح بالمعنى المنطقي للتعريف التام من الصعوبة بمكان، مثله مثل لفظة فلسفة، لتضارب الآراء في شأنه تضارباً شديداً لمّا يستقر حتى الآن، وهذه الصعوبة مردها بنظره لأسباب.
 منها: ارتباط التصوف بالفلسفة منذ القديم ، إذ عرفه الشيخ معروف الكرخي (ت200هـ/815م) هو: الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق. وهو تعريف شبيه بعبارة الكندي في تعريف الفلسفة أنها: علم الأشياء بحقائقها بحسب طاقة الإنسان.
 ومنها: أن ما زاد في صعوبة التعريف هو أن من مارسَّ هذا المشرب إنما فعل ذلك وفي عرفه أنه مجموعة من الحالات النفسية وربما النوبات العصبية ومواقف يفقد فيها الإنسان توازنه النفسي وربما ما غاب عن حسه.
ومنها: أن ما يعقد هذه المسألة في وضع حد للتصوف هو أن كيان التصوف العملي والنظري قد أصابه تطور سريع منذ ظهوره في بداية القرن الثالث الهجري إلى أن وصل إلى أوجِه في القرن السابع الهجري، بحيث بدأ في كل قرن وكأنه موضوع جديد له تمام الاستقلال عن صورته في القرن الذي سبقه، فمثلاً تصوف القرن السادس الهجري يبدو في صورة فلسفية بحتة تستمد عناصرها من الأفلاطونية المحدثة والغنوصية كما في حكمة الإشراق للسهروردي، وفي القرن الخامس الهجري كان مزاج التصوف من الزهد الشديد وعلم الكلام والفلسفة الذي أخذت تتسرب إليه إبانه. وإذا ما تقدمنا في الزمان إلى القرون المتأخرة من العصر الحاضر نجد أن التصوف قد فقد أصالته وصار في المشرق على الأقل مجموعة من الأفكار الساذجة مقرونة بمظاهر مادية يعدُّها الصوفية المحدثون كرامات وخوارق.
وبعد هذه المقدمة التي عرض فيها الدكتور الشيبي للإشكاليات في وضع تعريف للتصوف يقول: أن تعريفات التصوف قد تجاوزت (الألف عداً) بنص قول الشيخ عمر السهروردي (ت632هـ/ 1234م) في كتابه عوارف المعارف، وموضوع له ألف تعريف من الصعوبة بمكان تناوله وبحثه. ولذا يقترح هو وضع تصنيف لهذه التعريفات بحسب الموضوعات وتأجيل البحث التاريخي فيها إلى ما بعد تبلور النتائج المتصلة بهذه التجميعات المصنفة، وهي بحسبه ثلاث مجموعات، بسيطة ومركبة ذات جوانب متعددة وجامعة تتميز بالنضوج والإحاطة والعموم.
فمن أمثلة التعريفات البسيطة تعريف أبي الحسين النوري (ت295هـ/ 908م) التصوف هو السكون عند العدم والإيثار عند الوجود. ويعلق الدكتور الشيبي على نماذج أُخرى يوردها من هذا التصنيف، من أن التعريفات تعكس في الحقيقة روح الفتوة التي هي المعنى الذي ينطبق عليه فكرتا المروءة والسخاء.
أما التعريفات المركبة، فيورد الدكتور الشيبي منها تعريف الصوفي أبي على الروَّذباري: أن الصوفي من لبس الصوف على الصفا وأطعم نفسه طعم الجفا ونبذ الدنيا وراء القفا وسلك سبيل المصطفى. وهذا الصنف من التعريفات إنما يمثل بنظره جوهره وملاك أمره، مع دعم بالجوانب التنظيمية والتقاليد الروحية والمظاهر النفسية فقرنوه بفكرة فناء الإنسانية.
من كل ما تقدم عن تعريف التصوف كما عرض له، يخلص الدكتور الشيبي إلى وضع تعريف إجرائي له هو: الظاهرة الثابتة للشوق الكلي الذي يُبديه الروح الإنساني في سبيل الاتصال الشخصي بالله.
أما في المحور الثالث من الكتاب والمخصص لدراسة نشأة التصوف، فنجد أن الدكتور الشيبي يرى أن التصوف بمعناه العام نزعة إنسانية لا يحدها مكان ولا زمان وهو في حقيقة جوهر التوحيد لانبعاثه من الإيمان بالعالم الروحي الذي هو أساس الدين ولتأسسه على التوجه إلى هذا العالم.
وتساوقاً مع منهجه اللغوي التاريخي الذي عرض فيه أصل التصوف وتعريفاته، يرى الدكتور الشيبي أن التصوف له أساس في الحضارات الإنسانية، فمثلاً أن من بين مجوس الفرس صوفية أطلقوا على أنفسهم ما ترجمته (مُشرق القلب)، أو الناظر إلى الواحد، وتمثل الصوفية عند المسيحيين بالرهبان وعند البوذيين بهذا الاسم أيضاً وكذلك عند الهنود، وأطلق عليهم العرب لفظ النُساك والزهاد قبل تبلور هذا الاسم بعد ظهور الإسلام.
لينطلق من هذا التقسيم إلى الوقوف ملياً أمام لفظ الزهد ليدرس فيه الزهد قبل الإسلام بعد أن عرَّف معناه اللغوي وهو عدم الاهتمام بالشيء سواء حصل أم لم يحصل، إذ ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم في مواضع من سورة يوسف ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف : 20])، كما أن الزهد له أصول ظهرت في الجاهلية وكان مجتمع مكة والمدينة من حواضر الحجاز وكذا في اليمن وغيره زُهد وزهاد.
أما في الإسلام وبعد مجيئه مصلحاً للحياة الدينية والاجتماعية مبشراً بالعودة إلى الأصول الأولى للديانتين اليهودية والنصرانية وذلك بالعودة إلى دين إبراهيم، دين الحنيفية عند العرب، ومعنى المسلم هنا بمعنى الخاضع لله المسلم له المتبع أوامره ونواهيه، نجد أن السابقين الأولين من المسلمين فيهم مجموعة الزهاد قد فهموا من هذا الدين كونه مجموعة من المثل العليا تتجه نحو القيم الروحية لا المادية، وسلموا أن لكي يحظى الإنسان بالسعادة المادية في الآخرة ينبغي أن يتخفف منها في الدنيا، ومن أمثال هؤلاء نجد الأمام علي بن أبي طالب والخليفة عمر بن الخطاب وأبي ذر الغفاري وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ( رضوان الله عليهم جميعاً)، إذ هم مجموعة من الزهاد صاروا نماذج للصوفية فيما بعد وأُسوة وقدوة.
أما خصائص الزهد كما يتصورها الدكتور الشيبي، وتبعاً للأمصار الإسلامية  (الكوفة، البصرة، خراسان، الشام، مصر) فهي مثلاً في الكوفة تمتاز بخصائص لم نجدها عند زهاد المسلمين في الأمصار الأُخرى، ومن ذلك أن بعض زهاد الكوفة اعتزلوا الناس في بيوتهم لا يخالطون أحداً، كما بالغ هؤلاء في العزلة حتى اندفع فريق منهم إلى التعبد في المقابر هربا من عالم الأحياء الذي لم يؤدِّ إلا إلى زيادة في القلق النفسي والخوف من عذاب الآخرة، فضلاً عن أن الزهد في الكوفة برزت فيه ظاهرة تعذيب النفس، واستحباب الزهاد هناك طول العذاب أثناء النزع. ليخلُص الدكتور الشيبي من ذلك إلى أن هذه السمات للزهد في الكوفة إنما تأثرت بالأحداث التي جرت في هذا الجزء من العالم الإسلامي، فانعكس منها بأشكال جديدة لم يألفها المسلمون الأولون، وتمثل في لبس الصوف واستحباب العذاب عند الموت والانقطاع في المقابر والرعب الشديد من عذاب الآخرة.
يتحدث الدكتور الشيبي بعد ذلك عن خصائص الزهد في الأمصار الإسلامية الأُخرى، فمثلا من خصائص الزهد في البصرة، أنها تقبل التأثر وتصدر عنه ولا قِبَلَ لها بمقاومته لكثرة الأعاجم من سكانها قد طبعها بطابع مزجي يتبين فيه الفرق بينه وبين الأمصار الأُخرى في وضوح وجلاء.
في حين يتسم الزهد في الشام في قوالب معينة صاغتها الظروف التي مر بها هذا المركز الإسلامي كونه مركزاً حضارياً تأَلَفَ النظام وتَطَبَقَ القوانين الرومانية ويعش سكانه كعيش الرومانيين.
ولكن سمات زهاد خراسان هي الأُخرى إنما نجد فيها زهد فارسي في ثياب إسلامية، وكان طابعه يتمثل في الإنتقال المفاجئ من الحياة المادية إلى الحياة الروحية بفعل هزة نفسية في فترة معينة، ولكن الزهد في مصر يتسم بسمات خاصة كما يقول الدكتور الشيبي، أنه زهد اقترنت به الرواسب القديمة لأن بيئة مصر كانت أقرب البيئات التي تمثل روح الاتجاه إلى الآخر والصدور عنها في الحياة اليومية وذلك للتشابه التام في هذا المظهر الديني عند الفراعنة ثم النصارى وأخيراً عند انتشار الإسلام بينهم، مما نتج عن ذلك أن الزاهد فيها كان إيجابياً يعمل بما فيه من إيمان بالمثل العليا والتزام في تطبيقها على تحقيق ما آمن به بالعمل الإيجابي الذي يناسب هذا التوافق في المزاج والمسلمات ، وكان من تسرب المُثل الفرعونية إلى الزهد المصري أن اقترن العمل بالأسرار الدينية واستخلاص البواطن التأويلية من الظواهر الشرعية ، وظهرت ملامحه عند الزهاد ذنون المصري وعثمان بن سويد الأخميني. 
ويقف الدكتور الشيبي طويلاً أمام المحور الرابع من الكتاب وهو الأخير والذي خصصه لدراسة التصوف ورجالاته ومدارسه التي اهتم منها فقط بمدرستين هما مدرسة بغداد الصوفية والمتمثلة بالشيخ معروف الكرخي والحارث بن أسد المحاسبي والجنيد البغدادي، ومدرسة التصوف الفارسي الغائب عن الحس، والمتمثل بمعنى الفتوة والملامتية مع دراسة لشخصيات التصوف الفارسي من أمثال أبي يزيد البسطامي والحلاج والسهروردي المقتول وابن عربي، ليعرج بعدها على دراسة الطرق الصوفية القديمة والمتأخرة الشاذة، فضلاً عن دراسة التصوف في الأدب الحديث والمتمثل بالنتاج الشعري للزهاوي عن مسرحيته بعنوان ثورة في الجحيم جاعلاً الحلاج من أبطالها وقصيدة الشاعر اللبناني أدونيس (علي محمد سعيد) والشاعر عبد الوهاب البياتي عن الحلاج وغيره.
ويعتقد الدكتور الشيبي في هذا المحور أن التصوف حركة منظمة بدأت مع انتظام الزهد وتجميع مثله الجديدة والقديمة في مذهب واحد منهجي له صفة التكامل الظاهر والثقافة والتنظيم الاجتماعي والمنهج المدرسي، وبهذا المعنى يضع حداً تاريخياً لظهور التصوف كمصطلح مستقر في داخل دائرة الثقافة الإسلامية بشكله العملي واستقلاله عن الزهد وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري ، إذ جاء أول ذكر للصوفية عند الجاحظ في آثاره، مع استقرار للتصوف بهذا البعد نهائياً على يد الشيخ معروف الكرخي، وأن بداية ظهور التصوف كان معاصراً لبواكير الإنتاج الفلسفي الإسلامي، مع إصرار من قبل الدكتور الشيبي بوجود شبه بين الفلسفة والتصوف في عبارات الفلاسفة والصوفية بحيث يمكن اعتبار التصوف صورة جديدة من الفلسفة طوَّرها أصحابها استقلالاً بها عن صور الإنتاج الفلسفي، كما فعل ذلك المتكلمون قبلهم بقليل، وإثباتاً لدليله هذا يورد في كتابه هذا نماذج من تعريفات الفلسفة عند الكندي والفارابي وابن سينا ليخلص منها إلى وجود تقارب بينها وبين تعريفات التصوف كما وردت عند الصوفية.
كما يصرح الدكتور الشيبي أنه مع بداية القرن الثالث الهجري قد انجلى الموقف عن مدرستين صوفيتين، إحداهما تصدر عن روح نظرية تعتمد على آراء جديدة في علم الكلام والفلسفة وهي مدرسة بغداد الصوفية، وأُخرى تصدر عن روح عملية تستمد طاقتها من مُثُل الفتوة والملامتية من ناحية ومن الغيبة عن الحس وإفناء الذات الإنسانية إلى حد إهمال الواجب الشرعي المعتاد ظاهرياً من ناحية ثانية، وتلك هي مدرسة نيسابور الشطحية أو الفانية عن الحس أو ما يصطلح عليه بمدرسة (السكر) فهي مدرسة تقابل مدرسة (الصحو) في بغداد.
إذ يعتقد الدكتور الشيبي أن الموجات الفلسفية العقلية التي تعاقبت على بغداد هي الأساس في إصدار روح التصوف فيها هذا الطابع النظري، بينما كانت الحركات الثورية والغليان القومي والتقاليد القديمة في إيران والبعد عن مركز السلطة ورقابتها هي المسئولة عن إفراغ التصوف الإيراني في قالب ذي شكلين متقابلين متناقضين من ناحية المظهر ومتناسقين من حيث الأساس، هي الملامتية العملية من ناحية، والشطح والغائب عن الحس من ناحية أُخرى. فمثلاً يعد الدكتور الشيبي أن الشيخ معروف الكرخي أول زاهد استق اسم الصوفي لا عن لقب ونسب وإنما عن فكرٍ ومنهج ورأي، أما الحارث المحاسبي (ت243هـ/857م) فيعتبره الدكتور الشيبي صوفياً عن بينة واختيار، في حين يكون الجنيد البغدادي (ت298هـ/911م)بنظره قمة المدرسة البغدادية الواعية في التصوف، هذا من جهة ومن أُخرى التصوف الفارسي الغائب عن الحس يقوَّمه الدكتور الشيبي بآرائه النقدية المميزة، فيقول أن أبا يزيد البسطامي (ت261هـ/857م) إنما أفكاره بقايا من رواسب المجوسية، ذلك أن كلامه نجد مضمنات للفظة (الزنّار)الذي كان حزاماً من الصوف يشده المجوس على أوساطهم، إذ صار الزنّار في كلام البسطامي رمزاً للجانب الفاني من الإنسان الذي يحيا حياته المثالية الروحية بعيداً عن علاقةٍ مادية، في حين يشير إلى تصوف الحلاج (ت309هـ/922م) أنه خير معبر عن مدرسة السكر الصوفية، وهو في أقواله وأرائه قريب الشبه بأبي يزيد البسطامي ولا سيما فيما يتصل بشطحاته التي تعبر عن (السَفَر الثالث) المتمثل في التعبير عن نفسه في حال من الاندماج في العالَم الروحي لا يتناسب مع متعارفات المجتمع، في حين يكون السهروردي المقتول (ت586هـ/1190) بنظره خير من يمثل الثقافة الفلسفية الموسومة بفلسفة الإشراق، والتي تعتبر تطوراً لنظرية الحلاج في الوجود على صورة تدخل في تكوينها العناصر الفلسفية في وضوح وجلاء، فضلاً عن أن هذه الفلسفة السهروردية دخل في تكوينها أيضاً عنصر يتصل بالأفكار الفارسية القديمة التي تعتبر فكرة (النور) أساس التدين الفارسي الذي يعد الإشراق وتنقل النور الإلهي في الملوك من لوازمها.
 أما ابن عربي فيعد أهم فكرة قدمها إلى المعرفة الإنسانية قي فكرة أو فلسفة وحدة الوجود التي استقاها من مصادر لا تحصى من الأبحاث المختلفة التي خاض فيها جَمْعٌ من ذوي الاتجاهات المتنوعة من الإسلاميين وغيرهم من اليونانيين والفرس.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية