العدد (4314) الاربعاء 21/11/2018 (رفعت السعيد)       رفعت السعيد..القامة المضيئة       فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد       غروب شمس اليسار المصري"..       د.رفعت السعيد: تعلمت في السجن كتابة الرواية       رفعت السعيد..أديبا!       رفعت السعيد وأزمة اليسار       رفعت السعيد و(الفجر الجديد)       رفعت السعيد.. خبرات نادرة في السياسة والتاريخ والثقافة       العدد(4313) الاثنين 19/11/2018    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22979449
عدد الزيارات اليوم : 7976
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


أدمون صبري .. قاص الأجيال الماضية

باسم عبد الحميد حمودي
ادمون  صبري واحد من اشهر كتاب القصة العراقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي  لكنه لم يتمتع بالعناية النقدية الواجبة لمن اصدر اكثر من عشرين مجموعة  قصصية ومسرحية وذلك لعدم اهتمامه الا بالرسالة الاجتماعية لادب القصة دون  استغراق في تفاصيل الصنعة الفنية.في عام 1948 نشر قصته الاولى (ماكو جارة)  في جريدة (صوت الاحرار)


تحت اسم (ادمون صبري رزوق) وفي عام 1952 اصدر مجموعته القصصية الاولى (حصاد الدموع) ومنذ ذلك الحين صار تقليداً لديه ان ينشر مجموعة او مجموعتين في العام الواحد ثم انقطع عن النشر عام 1963 مدة اربع سنوات واستأنف النشر سنة 1967.
وكان ادمون صبري يغطي نفقات الطبع (او بعضها) من الاعلانات التي ينشرها داخل كتبه- وهو تقليد لم يتبعه معظم الكتاب لكن (ادمون) كان عملياً وكان هدفه الاساس ايصال قصصه الى الناس.
ولد ادمون ببغداد عام 1927 وتوفي في حادث سيارة في الطريق بين الموصل- بغداد في 28 اذار 1975، كان احد اساتذته في الاعدادية المركزية منير بعلبكي الكاتب والمترجم اللبناني المعروف، وادمون من اسرة بعيدة عن هموم الادب الا منه ومن ابن عمه الدكتور رزوق فرج رزوق وهو استاذ جامعي وشاعر وناقد وكان شقيقه الاكبر اول من دفعه لقراءة اعمال جبران وكان قليل الاختلاط بالاخرين لكنه التقى بالخليلي جعفر واسرة الهاتف وتعرف –حسب فوزي كريم- على الشاعرين عبد القادر رشيد الناصري وبلند الحيدري والفنان خالد الرحال والناقد المحامي محمود العبطة، وكان ذلك عام 1943.
استطاع ادمون صبري ان يقيم علاقة طيبة مع المستشرقين منذ عام 1960 فترجم له (عثمانون) مسرحيته (الست حسيبة) الى الروسية وقام عبد الكريم جرمانوس الهنغاري بالتعريف باعمال ادمون في بلاده، واخذ هذا القاص يتصل بالملحقين الثقافيين في العراق ويعطيهم نماذج من كتبه لترسل الى جامعات بلادهم وكان يتلقى رسائل كثيرة من بلجيكا واسبانيا وباكو وطاشقند وبخارست، ويقول ادمون عن نفسه في مقابلة اجراها معه مالك المطلبي وفوزي كريم نشرت في مجلة الف باء في تموز سنة 1973:
* لقد وصلت كتبي الى كل مكان في العالم.
* نتاجاتي واقعية لكنها تختلف عن بعضها، هناك قسم فيه مرونة وطرافة وقسم اكثر شدة الى ان اصل الى مرحلة الثورية والمعارضة (والواضح من هذا الكلام- ان كان دقيق الورود- ان هم الرسالة السياسي اكثر من هم رسالة الادب او أدبية الادب وان هناك نوعا من الضعف في التعبير عن التطور الخاص بادب القصة) * تخضع الكتابة النقدية في العراق للمؤثرات الشخصية والصداقة و(انا) في عزلة نقدية لاني قليل الاختلاط مع الادباء ولست اجتماعياً ولست املك وسائل شخصية.. انا عملة قديمة لا يتعامل بها، النقاد والمؤلفون الان من جيل واحد وهم يتفاهمون أما انا فقد اندثرت.
وهذا الشعور بالعزلة والمرارة من ابتعاد الوسط الادبي عنه لم يمر دون تاثير مباشر على ادبه فقد كتب (اديب من بغداد) و(ايام العطالة) كنوع من الرد على هذا النكران لتجربته الثرية بوجود المخلوقات المسحوقة اجتماعياً والتي تعاني من اضطهاد السلطة ومن الطبقية المقيتة، وكان ادمون صبري في نقل متاعب الطبقة الفقيرة (الخالة عطية) وخيانات الرجال والنساء لبعضهم (جار شهم) ومشكلات اطفال الشوارع (في الحانة) وغير ذلك من المحن الاجتماعية.
لم يكن ادمون صبري رحمه الله بعيداً عن الوسط الثقافي تماماً فقد كان قريباً من فرقة المسرح الفني الحديث وقد قدم له المخرج كاميران حسني واسرة الفرقة فيلم (سعيد افندي) عن قصة (شجار) وكانت قصة فيلم (ابو هيلة) من تاليفه ايضاً.
ابرز مجاميعه القصصية: حصاد الدموع (52)- المامور العجوز (53)- قافلة الاحياء (54) سعيد افندي (57)- ليلة مزعجة (61) زوجة المرحوم (قصة كاملة 62)- حكايات عن السلاطين (69) ومن مسرحياته: الهارب من المقهى (55)- الست حسيبة (59) اديب من بغداد (62)- ايام العطالة (67). وتنشر هذه الصفحة بعض قصص الاديب الفقيد.
قبل أن نتحدث عن السردية العراقية أو عن السرد في العراق لابد من التعرف إلى مفهوم السرد نفسه وماذا يعنيه؟* يقول بارث: السرد عالم متطور من التاريخ والثقافة ويقول :"إن السرد كل ما يمكن أن يؤدى فهما وهو بذلك لايكاد يبتعد كثيرا عن مفهوم السرد القديم"، لكن جيرار جينيت يقول إن :"السرد خطوة برهانية للحكاية والأسلوب هو الكيفية التي يروى بها الحدث وهناك ثلاث زوايا للنظر إليه هي زوايا المتكلم والمخاطب والخطاب واذا كان مصطلح "السرد الحديث" قد نمى على يد تودروف عام 1969 فقد ظهر جنينا منذ عام 1908 باعتباره عملية امتاع للقارئ بأساليب بلاغية متعددة.
أردت هنا الوصول الى أن السرد الحديث هو كلية النص القصصي او الروائي ذلك أن النص هنا هو الخطاب والخطاب هو النص المسرود، وبذلك يكون السرد هو الكلي المهيمن بينما كان السرد في النقد ماقبل التحديث هو ذلك الجزء التوصيفي في النص هو الرواية الخارجية للنص، وله أنساقه الخاصة من بناء ضمن مسار متدرج حيث يروي الحدث ضمن اشتراطه التاريخي في البوح حيث يبدأ الحدث سائرا مسار الساعة حتى النهاية، لكن هذا النسق الأسلوبي لايدفع النص وهو العمل الادبي كاملاً الى التطور فثمة أبنية اخرى أكثر تاثيرا ومنها توزيع الاصوات الراوية للحدث مثل تجربة (خمسة اصوات) لفرمان او بناء نسق التناوب كما في رواية (الرجع البعيد) التي احسن د. شجاع العاني في دراستها على هذا الأساس.
واذا اتفقنا على أن السرد الحديث هو المصطلح الذي يحتوي كل ما يمكن ان يكون قصا فإننا هنا سنقصي الخبر او المثل او المقولة عن السردية ونبقي على النص الذي يحتوي على جانب من الدرامية في القصة القصيرة أو الرواية أو البنية الشعرية الملحمية، حيث نجد ان السرد قديما وفي الدراسات النقدية التي سبقت ستينات القرن الماضي يعني الأداء الفني للنص وقد يعادل الحبكة وهي النسيج الفني للأداء داخل العمل الفني.
إن الحديث عن السردية العراقية يشكل حديثا عن تجربة عريضة بدأت منذ عام 1908 في قصص الرؤيا وقصص محمد يوسف الكيلاني وسواه، وقد كانت القصة مطلع ظهورها الحديث تكشف تطلع كتابها لتجاوز المألوف المتداول من شعر وخطابة ومقالة باستخدام البناء القصصي رسالة ادبية جديدة لقيت مقاومة واستهجان المثقفين التقليديين قبل غيرهم من القراء منذ شن الرصافي هجوما لاذعا على كتابة القصة.
يقول جعفر الخليلي(ص114) في كتابه (القصة العراقية قديما وحديثا) الصادر عام 1957:"لم يكن مفهوم القصة الحديثة عند معظم أهل العلم وارباب الادب يوم ذاك باكثر من لهو يجب أن لا يلهو به غير الاطفال والنساء والعجزة"، ويضيف:"أن من كان يقرأ القصة الحديثة صار لايجرؤ على الجهر بقراءتها وكانه يقوم بعمل غير مشرف او محرم".
واذا كان هذا المنطق الاجتماعي السلبي في النظرة الى السردية والنصوص القصصية قد اصبح من الماضي منذ زمن بعيد فينبغي ان تقف عند التطور الحاصل في احترام السردية وفي قبول النص الروائي والقصصي واحترام المجتمع العام لا الكتاب انفسهم والنقاد معهم للتجارب السردية الجديدة.
ذكرت مرة وفي دراسة لي عن "السرد وبغداد" ان النصوص الروائية حتى عام 1960 لم تكن كثيرة حتى اننا في ذات العام حصلنا على روايتين جديدتين هما (الايام المضيئة) لشاكر جابر و (المدينة تحتضن الرجال) لموفق خضر وكان اهتمام النقاد بهما كبيرا لندرة عملية النشر الروائي آنذاك .
قبل ذلك كان السرد العراقي يتشكل عبر القصة القصيرة التي ازداد الاهتمام بنشرها وتقويمها منذ الاربعينات من القرن الماضي فيما كانت النصوص الروائية محدودة عبر تجارب محمود السيد وعبد الحق فاضل وذو النون ايوب وجعفر الخليلي وعبد المجيد لطفي ثم ظهر نمط القصة القصيرة الطويلة متجسدا في قصة (الوجه الاخر) التي نشرت ضمن مجموعة فؤاد التكرلي التي صدرت ضمن ذات الاسم.
واذا كان متداولا ولا نقديا ان ظهور الرواية العراقية الحديثة قد تم على يد غائب فرمان الذي اصدر (النخلة و الجيران) عام 1966 فإن ذلك مجرد اعجاب شخصي من قبل بعض النقاد يومئذ والرواية الاقدم حداثة هي رواية (مجنونان) لعبد الحق فاضل التي صدرت عام 1939 رغم ان البعض عدها قصة قصيرة طويلة تماما مثل رواية (الوجه الآخر) للتكرلي بمعنى أن العمل الروائي ولو كان قصيرا قد بدأ فنيا منذ ذلك التاريخ ولو كان نوعا سرديا يقترب من الرواية والقصة القصيرة في ان واحد.
اردت القول هنا ان السردية العراقية تزدحم اليوم بنصوص حديثة تتسم بالتطور والانفتاح على التجارب العالمية ومنها تجارب علي بدر منذ بابا سارتر حتى "اساتذة الوهم" و"صندوق الاخطاء" لعبد الستار ناصر وتجارب هدية حسين وميسلون هادي ودنى غالي وعبد الخالق الركابي وسعد جاسم ووارد بدر السالم وفيصل عبد الحسن ومحمود سعيد، وقد سبقت بعض هذه الاسماء قامات اخرى كبيرة كان لها أثرها في بناء السردية العراقية مثل غازي العبادي وجمعة اللامي وعبد الاله عبد الرزاق وعبد الرحمن الربيعي وخضير عبد الامير مع اختلاف الرؤى واساليب البناء السردية في كل تجربة.
ولابد من الاشارة هنا الى مسألة بالغة الخطورة ترددت الاشارة اليها لدى بعض النقاد والدارسين ومنهم الناقد ياسين النصير الذي اشار اليها مؤكدا على لا تاريخية القصة العراقية بمعنى انها لا تمتلك المناخ الأرضي والروحي للبنية العراقية وبمعنى انها يمكن أن تكتب في اي مكان دون ان تجد ملمحا عراقيا واضحا فيها.
وأعتقد ان هذه المقولة الجارحة التي رددها المرحوم غالب هلسا في ثمانينات القرن الماضي على صفحات مجلة الف باء ثم قمنا بالرد عليه وايضاح التباس القصد عنده.
قد جاءت حيث اشار هلسا الى ان النصوص التي يقرأ لاتشير الى تانيث عراقي بمعنى انها تتعلق بتجربة انسانية منفردة تمتلك بيئتها ولامكانها التاريخي، وقد انطلق هلسا ايامها من قراءته وهو في مجلة الاقلام لمجموعة من النصوص العراقية السردية خارج متنها التاريخي وهو اعتمد في رايه على تجربه مفرطه لكتابات تلك الايام والتي تمت على ايدي الربيعي واللامي وناصر ومحمد عبد المجيد وسواهم ممن وسعوا من تجربة اللامنتميoutsiderرفضا منهم لتجربة حياتية سابقة ولم يكن هؤلاء الوحيدون في ساحة السرد يوم ذاك في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي بل ان موجة التجريب التي ضاعت فيها الملامح المحلية للشخوص ولموقعهم التاريخي قد شارك فيها كثير من كتاب القصة والرواية ايامها ومنهم جهاد مجيد ونعمان مجيد وسليمان البكري لكن هؤلاء الثلاثة لم يكونوا مبتعدين عن هوياتهم التاريخية بقدر نقمتهم على واقع مدان آنذاك، يشاركهم في هذا الكثير من شباب السرد ايامها مثل زعيم كريم الطائي وعائد خصباك ولطفية الدليمي، ان هذه التجارب التي التصقت بالستينات وما بعدها لم تكن خارج تاريخ السردية العراقية بل ان الثورة السردية التجريبية التي تمت انذاك كانت لها اسبابها الاجتماعية والسياسية التي تعدت الحدود المحلية الى العربية والعالمية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية