العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31728926
عدد الزيارات اليوم : 4124
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


صديقي الأستاذ كوركيس عواد في ذمة الخلود

د. كمال السامرائي
باحث وطبيب راحل
غمرني سرور طافح حين بلغني قبل بضعة ايام ان ثمة حفلا تابينيا سيقام لفقيدنا الغالي الاستاذ كوركيس عواد.وزاد في سروري حين علمت ان هذا الحفل سيقام في قاعة ابن النديم لما بين هذا الرجل المتوفى حبيبنا (كوركيس عواد) وبين (ابن النديم)


 الذي عاش قبله زهاء الف عام هجري من صفات تتفق في اعمالهما وافكارهما فكلاهما، من بغداد، وكل منهما عمل بتركيز وتخصيص في الفهرسة،فهذه الذكرى لكلا الروحين ابن النديم القرن الرابع الهجري وابن النديم القرن الرابع عشر الهجري.
وهنيئا لمن عايش الاثنين، وهنيئا لمن عايش حبيبنا كوركيس عواد في السنوات الخمسين الاخيرة، اما انا فتلميذه في السنوات العشر الاخيرة عرفته فيها رجلا يتصف بالتواضع والفضل والخبرة وحب الكتاب، والقراءة فيه والكتابة عنه، رأيت الفقيد لاول مرة لحظة دخلت قاعة مكتبة (الكلية الطبية)، وفي العمق رايت رجلا يتصفح كتابا عرفته في الحال، لان ذلك الكتاب كان بيدي اياما طويلة، الكتاب لطبيب وصيدلاني عراقي هو (ابن جزلة البغدادي)، فدفعني هذا الكتاب الذي عرفته من حجمه ولون جلده الاحمر ولو اني كنت على بعد منه، دفعني للتقدم من ذلك الشخص، وحين صرت الى جانبه قلت له انا فلان فقال لي انا فلان وتبادلنا التحة، وكنت ساعتها احمل احد اعداد مجلة طبية (Bulletin of History of Medicine) الامريكية، فرايت مجالا ان اتحدث في التراثيات الطبية الاسلامية، ان كان الاستاذ المرحوم عواد يقرا حين ذاك، كما قلت في كتاب (منهاج البيانفيما يحتاجه الانسان) لابن جزلة البغدادي، فقلت له، لافتح باب المجال للتحدث معه واستزيد من علمه وفضله بالتواضع والمس مقدرته في الاستجابة لاسئلتي.
قلت لكوركيس عواد انني اميل الى قراءة ما ينشر في هذه المجلة واعتبر محررها وهو المستشرق الامريكي الكبير (سيكرست) من افضل من كتب من المحدثين الاجانب في الطب الاسلامي، ولكني قلت له، استغرب الكتاب الذي بيدي، وهو بجزئين في (تاريخ الطب) ان الجزء الاول منه ثلاثة اضعاف حجم الثاني.
وفي الجزء الاول كتب عن الطب قبل الاسلام اما في الجزء الثاني فلم يتكلم عن الطب في العهود الاسلامية الا في القرنين الاول والثاني وهكذا بدات اذكر له تمنياتي لو انه اكمل هذا الموضوع فقال لي على الفور: لقد توفي هذا الرجل وهو يخط اخر سطور الجزء الثاني ولم يكمل الكتاب، ولم ياتي رجل في مستواه ليكمل هذا الموضوع، ثم لم ارى هذا الرجل المرحوم كوركيس عواد الا بعد زهاء عشرين عاما وذلك حين التحقت بالمجمع العلمي العراقي كخبير لا كعضو، وكان مجلسي منذ اليوم الاول الى جانب مجلسه في صباح كل يوم ثلاثاء نتدارس ونتقابس المعرفة فيما كان وما يجب في علوم الطب عند العرب والعلوم الطبية بشكل عام، فرايته عالما متواضعا، متساهلا سخيا في ابداء رايه مرنا لا يجادل ضد الحقيقة حتى صرت اعتبر كل كلمة منه معتمدة ولا يسوغ لي او لا يصح لي ان اعود الى مراجعي لاتاكد من صحتها، فقد كانت كل كلمة يقولها هي الاصح في الموضوع الذي نبحث فيه، ويوما طلبت كتاب (النافع) (لابن رضوان المصري) لاني اعتبره مصدرا لما كتبه كل من (ابن القفطي الكوفي) و (ابن ابي اصيبعة) فلما بلغني المايكروفيلم فاذا فيه المقالة الاولى فقط كانت من ذلك الكتاب، فشكوت همي لجليسي المرحوم كوركيس عاد ورايته يسهو عني بفكره لحظات ثم التفت الي وقال يحتمل اني املك المقالة الثانية من هذا الكتاب واردف قائلا ساعود الى مكتبتي واتصل بك بعد ذلك، وفي مساء ذلك اليوم، انتظرنا جرس التلفون في البيت فاذا المرحوم يكلمني وجرسه معروف اذ هو يتكلم العربية بقواعدها الصحيحة، قال لي وجدتها، يقصد (المقالة الثانية) من مقالتين كانتا في كتاب واحد، ثم جاء تاجر وقطعهما الى قطعتين فباع احداهما الى مكتبة (جيستربتي) وباع الثانية الى دار الكتب المصرية، حين سمعت كلمة (وجدتها) كانت بالنسبة لي تضاهي كلمة (هيكورا) حينما قالها (ارخميدس) حينما اكتشف القانون المعروف: (الوزن الذي يفقده الجسم حين يغمر في الماء يكون بقدر وزن الماء المزاح)، فاخذت المقالة الثانية منه في اليوم الثاني وظممتها الى المقالة الاولى، فكان الكتاب الذي حققته باسم (النافع) لابن رضوان المصري.
كان المرحوم كوركيس عواد متساهلا، متواضعا بدرجة كبيرة، فمن اكون انا بالنسبة اليه- اذ كنت يوما اتكلم عن ابقراط ونسبته الى (اوص)، قال لي (اوص) في مصر، فقلت له بل هي جزيرة في جنوب غرب اسيا الصغرى سكت، وقال ساعود الى مكتبتي، وفي مساء ذلك اليوم اتصل بي في التلفون، وقال لي (كمال) حقا انت مصيب في (اوص) وقد كانت مهد الحضارة الطبية اليونانية درس فيها فلان وفلان وذكرهم باسمائهم واخرين من الاطباء.
توفي كوركيس عواد رحمه الله متعبا بحب الكتاب ومتابعة ما ينشر في التراث الاسلامي وله مكتبة زاخرة فيها كثير من مؤلفاته ومنشوراته واتعبه الاهمال من جميع الناس واتعبته ايام الترمل فقضى نحبه ماسوفا عليه من جميعنا، ومن الطبيعي ان يرد الى خواطرنا من يخلف هذا الرجل، ولا يوجد حتى اليوم في الافق من يمكن ان يمشي على خطاه في التراث وفي فهرسة الكتب ونشرها، رحمه الله صديقنا وعزيزنا واستاذنا في الفهرسة كوركيس عواد والهمنا الصبر والسلوان.
والى اصدقائه العبرة والرشاد.
والسلام عليكم.....

القيت في اربعينية كوركيس عواد



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية