العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :51
من الضيوف : 51
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31728149
عدد الزيارات اليوم : 3347
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الأخوان عواد.. تتبع.. ومتابعة.. رحلة العمر الجميل.. داخل عالم الثقافة

حين ينتهي بك الدرج الى الطابق الثاني تستدير يسارا لتدخل في غرفة خاصة. ولا تملك نفسك، بعد ذلك، الا ان تجذبك الجدران الاربعة المغطاة بخزائن الكتب، ماذا تطلب؟ كل شيء موجود في التاريخ.. التراجم، الادب القديم، المعجمات كتب الحضارة ولعل من اطرف ما تقع عليه عيناك ان هذه الغرفة
 


–المكتبة تضم، فيما تضم الطبعات الاولى القديمة التي صدرت عن مطبعة بولاق ، كالف ليلة وليلة، وكتاب سيبويه كما تضم الطبعات الأول للكتب العربية التي اصدرها المستشرقون ، وبعض تلك التي نشرت في كلكتا، في الهند، ككتاب "فتوح الشام" للواقدي ، ولعل اهم ما يلفت نظرك، وانت تنقل الطرف من جدار الى جدار، ان هذه "الغرفة –المكتبة تكاد تضم كل المؤلفات العراقية تقريبا او اهمها في الاقل..
تلك هي مكتبة الاديب ميخائيل عواد الذي هيأ لنا هذا اللقاء، معه ومع اخيه الاستاذ كوركيس عواد ايضا، وحين التأم شملنا في الغرفة المكتبة اخبرنا الاستاذ كوركيس عواد انه يحتفظ في بيته بمكتبة مشابهة، وارجو ان يدرك القراء منذ البدء، ان هاتين المكتبتين هما مكتبتان خاصتان اذ تحتوي مكتبة ميخائيل عواد كما افادنا، على خمسة عشر الف مجلد.
لاندري ما الذي حدا بنا لان نسأل الاستاذ ميخائيل عواد في بداية لقائنا معه السؤال التالي:
-ماذا هيأت لابنائك؟
ويبدو ان ميخائيل عواد كم يفاجأ بالسؤال ، اذ قال لنا مباشرة:
-هناك زاوية خاصة في المكتبة تناسب الاطفال، وفي أحيان كثيرة يبحث الاطفال في المكتبة فيجدون ضالتهم فيما يشتهون من كتب دون ارشاد او نصح..
وليست المسألة بعد ذلك هي مسألة المكتبة بل هي هذا الجهد الذي يبذله الاخوان عواد في تهيئة مواد الدراسة للدارسين، انهما يذكراننا تماما باولئك المؤلفين العرب القدامى الذين اخذوا على عاتقهم جمع التراث وتهيئته والحفاظ عليه كأبن النديم، والصفدي وغيرهما: ومن هنا تأتي قيمة "الا خوين عواد" ولعل أهم شيء استطاعا ان ينجزاه معا، هو: مصادر دراسة المتنبي، هذا فضلا عن الجهود المشتركة التي قاما بها معا، وهي بشكل عام: الرسائل المتبادلة بين الكرملي واحمد تيمور، ابو تمام، الفراهيدي، مقامة في قواعد بغداد في الدولة العباسية لظهير الدين الكازروني، الفارابي، وهذه كلها منشورة إضافة الى ما ينتظر الطبع.
اذن ما الذي حدا الأخوين ، عواد الى ركوب هذا المركب الوعر؟
يقول الاديب كوركيس عواد، كنت اميل الى دراسة الجغرافيا في مراحل عمري الاولى، فاشترك بالشهير منها، وفي الموصل كان المطران سليمان الصائغ (عم الشاعر يوسف الصائغ) يصدر مجلة اسمها "النجم" فكلفني مرة ان الخص كتابا اثاريا للمؤلف الاميركي (هـ. فرانكفور" وقد جعلني هذا الكتاب اتجه هذه الوجهة ، وقد تمكن هذا الاتجاه مني بعد تعييني امينا لمكتبة الاثار التي لم اجد فيها الا 804 كتب، ولا ادري ان كان يحق لي ان اقول ان ما تشاهدونه الان في المكتبة هو من عملي.
اما الاديب ميخائيل عواد فيقول: "ربما لا استطيع الاجابة بشكل واضح، كنت احس بقوة دافعة خاصة، غير انني يمكن ان اشير الى اخي كوركيس ، فنحن نجتمع في ميادين كثيرة، ولكل منا اهتمام خاص غير ما هو مشترك بيننا، لقد التقينا في هذا الجهد، وفي المحبة والاخوة والتعاون وفي التاريخ امثلة على هذا كالخالديين، وابناء الاثير..
ثم يعلق الاديب ميخائيل عواد مستطردا: "من ينكر ان هذا الميدان يجمع بين خدمة الوطن والمتعة؟ فالتراث العربي يحتاج الى خدمة طويلة، فما قدم من خدمات اليه قليل جدا، ونحن مطلعون على جمهرة من المخطوطات قليلة، فكم يحتاج ما تبقى منها الى تتبع واهتمام ودراسات؟ لقد انتج العرب الشيء الكبير والعظيم وعلينا ان نكون مثلهم!"
ولعل من اهم ما يجعلك تقف مبجلا لهذين الاخوين هو انهما يتسابقان في شراء الكثير حارمين عائلتيهما من كثير من ضروريات الحياة، لكن علينا ان نقول هنا: ان اكبر ضرورة للبيت هي المكتبة.
وقد ربح الاخوان عواد، ما يظنه الاخرون خسرانا.. 
الاب انستاس الكرملي والاخوان عواد
 كان للاخوين عواد صلة قوية بالمرحوم الاب انستاس ماري الكرملي (نسبة الى جبل الكرمل في فلسطين) فكيف التقيا به؟ وكيف توطدت بينهما اواصر علاقة حميمة؟
يقول الاستاذ كوركيس عواد: في عام 1934 طبعت كتابا باسم "اثر قديم في العراق" واهديت نسخة منه للاب الكرملي بعد اسبوعين، وصلتني منه رسالة شكر على هديتي، فشعرت بالامتنان، وفي صيف السنة نفسها قدمت بغداد، وكان روفائيل بطي يصدر الاخبار الاسبوعي فطلب مني ان اكتب عن "حمام العليل" ولما لم تكن مصادري كافية، استعنت بمكتبة الاب الكرملي، وقد توثقت علاقتي به عام 1936 وصرت ازوره في مجلس الجمعة الاسبوعي الذي كان يدأب على عقده ، وعندما التحق اخي ميخائيل ببغداد تعرف عليه ايضا، فامتدت بنا المسيرة الى ان توفاه الله.. كان يهدينا كتبه باهداءات تخجلنا، كان يكتب :الى ولدي بالروح؟ الى ولدي الفرقدين..
من طريف ما ارويه عن الاب انستاس ان المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون زار العراق  مرة وطلب من الاب الكرملي قائمة باسماء كتبه ومقالاته، فاغتم الاب الكرملي لانه لم يكن قادرا على تهيئة مثل هذه القائمة لتشتت المصادر التي كان ينشر فيها، وحين اخبرته ، والكلام ما زال للاستاذ  كوركيس عواد انني قادر على ذلك ذهبت  غمته، وعلت اساريره الفرحة، اذ كان الاب الكرملي ينشر باسماء مستعارة في احيان كثيرة وقد بلغ مجموع هذه الاسماء المستعارة (39) اسما منها مثلاً: فهو الجابري، امكح، ساتسنا، الشيخ بعيث الخضري البغدادي، مستهل (حين ينشر في مجلة الهلال) معتدل(حين ينشر في مجلة الاعتدال النجفية).
لقد بلغ مجموع ما نشره الاب الكرملي (1500) بحث ومقالة ودراسة.
وهنا يقول الاستاذ ميخائيل عواد: ان بعض العلماء يعنون بكتابة المقالة التي لا تجمع في كتاب، فكثير من حقوق هؤلاء العلماء تذهب لتوزع هذه المقالات في مختلف وسائل النشر، لهذا نرى مثلا ان كتب الاب الكرملي والدكتور المرحوم مصطفى جواد قليلة، في حين ان ما كتباه من مقالات لايحصاه عد..
-لقد كانت تصل الاب الكرملي عشرات الرسائل.. فاين هي هذه الرسائل؟
يقول الاستاذ كوركيس عواد.. كنا مرة في غرفة الاب الكرملي وسألناه عن مكان غريب في الغرفة، فقال: هي الرسائل التي تصلني كانت مكدسة وغير منسقة فاقترحنا عليه اخراجها وارشفتها..
وكانت في ثلاثة اكياس، ثم عملنا عليها مدة سنة الى ان نسقناها لكل مرسل ملف خاص، فوجدنا ان جميع مفكري الامة العربية وكتابها قد راسلوا الاب الكرملي: كجرجي زيدان واحمد تيمور ويعقوب صروف، وحبيب الزيات، والانسة مي التي اثر الاستاذ ميخائيل عواد الا ان يخرجها لنا لنطلع عليها، كانت حروف "مي" وكأن حبرها لما يجف بعد..
وجميع هذه الرسائل ما زالت بحوزتنا وفي يوم ما دعوناه الى بيتنا ، وقلنا له تلك هي رسائلك فأمر ما تشاء؟ فقال:
-هي لكم هدية مني.
مكتبة الجامعة المستنصرية
للاديب كوركيس عواد فضل في انشاء مكتبة الجامعة المستنصرية وقد استوضحنا عن جهوده في هذا المجال، فأجاب عنه اخوه ميخائيل:
-قدم علي الدكتور سلمان علي يطلب ان ننشيء مكتبة للجامعة الناشئة، وقد خطر ببالي مباشرة اخي كوركيس وحين اخبرت اخي كوركيس بذلك، رحب بالفكرة وقد بدأ بها من الصفر، ويوم تركها كانت تضم (90) الف مجلد.  لقد كان يكتب باسمه الى جميع الاشخاص والمؤسسات فكانت تصل الجامعة الهدايا من الكتب علما بأن المكتبة نشأت في بداية الامر في بيت يعود لامين المميز، وكانت المكتبة فارغة تماماً، ثم تحولت الى دار المعلمين (التربية حاليا) ثم الى كلية اداب المستنصرية، ثم الى مكانها الحالي من مبنى الجامعة.
..واشياء اخر:
بعد هذه الجولة، ان لنا نسأل الاستاذين الكريمين اهم ما لفت انتباهما في مضمار الحضارة العربية.
يقول الباحث ميخائيل عواد: العرب اول من عرف الكتابة البارزة للعيان (طريقة بريل المعروفة) وقد كتب مقالا بهذا الموضوع.
-العرب اول من عرف النظارة الطبية.
-العرب اول من عرف شد الاسنان بالذهب.
-العرب اول من انشأ المستشفيات السيارة.
-العرب اول من لعب كرة القدم.
وفي هذا المضمار نفسه اسهم الاستاذ ميخائيل عواد في الكتابة عن كثير من مظاهر الحضارة العربية مثل "الاذن في دخول البلد" وهو ما نعرفه باسم جوازات السفر حاليا، وفي استعمال الماصر و (الماصر) هو زروقان متقابلان على ضفتي النهر مشدودان بسلسلة تقف عندهما السفن القادمة لدفع الضريبة). وقد رأى الاستاذ كوركيس عواد سلسلة مثل هذه في المتحف البحري في اسطنبول ، كما اسهم الاستاذ ميخائيل عواد في الكتابة عن مظاهر العمران والمعمار والموسيقى ومظاهر الحضارة الاخرى.
واخيرا ما خلاصة تجربة الاخوين عواد في حياتهما الثقافية هذه؟
-يقول الاستاذ ميخائيل اسأل عادة اخي كوركيس هل فلان حي ام ميت؟ وبعد فترة سيكتب عنا توفي عام كذا- فيجب ان نتسابق لكي نعطي ثمرة اكثر للاجيال اللاحقة، هناك نقطة مهمة في اعماقنا، اننا نعبد هذا البلد العزيز. وهو بحاجة الى خدمة متواصلة، ونحن نقدم جزءا بسيطا من هذه الخدمة.. وهذا هو رصيدنا وكل ما نقوم به كتابة ودراسة هو لوطننا، وحين ينشر احدنا بحثا نحس اننا في عيد، واننا ربحنا ربحا كبيرا.
وهنا قال الاستاذ كوركيس: اعتبر التأليف كالاولاد الصالحين يبقون من بعد أهليهم...

عن مجلة الف باء 1977



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية