العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :82
من الضيوف : 82
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31808156
عدد الزيارات اليوم : 12710
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من اوراق الراحل عبد الرزاق الحسني.. مات اخي، رب اخ لم تلده امك

كان ابو اسحق الصابئي صديقا صادقا للشريف الرضي يفرح لفرحه ويحزن لحزنه وهناك اجماع في كتب التاريخ على ان الصابئي كان يصوم شهر رمضان مجاراة للشريف الرضي لا تدينا ومع مراعاة الفارق والزمن لا عجب ان يكون المرحوم كوركيس عواد صديقا


صادقا لعبد الرزاق الحسني يفرح لفرحه ويحزن لحزنه في صداقة استمرت نحو ستين سنة متواصلة.
كنت مديرا لخزينة لواء الحلة عام 1934 وفيما كنت عصر ذات يوم في حديقة نادي الموظفين، في حلقة تضم (ابراهيم الشاهبندر) رئيس المحاكم المدنية والاستاذ (ساطع الحصري)  اقبل علينا (كاظم) موزع البريد يحمل غلافا طويلا اصفر اللون فسلمه الي وهو يقول هذه رسالة مسجلة جاءت اليك من كوركيس حنا عواد المعلم في مدرسة (شمعون الصفا) بالموصل فضضت الرسالة فاذا بمرسلها يقول (في ست اوراق متسلسلة):- انه قرأ كتابي (موجز تاريخ البلدان العراقية) في طبعته الثانية (1933) المصدرة بمقدمة للاستاذ يوسف غنيمة وانه وجد في الكتاب بعش الاغلاط والاخطاء فاحب ان يطلعني عليها، دون سابق معرفة بيننا قرأت هذه الصفحات مثنى وثلاث ورباع وانا اتيه عجبا بما اقرأه واطلعت المرحوم (الشاهبندر) على ما بيدي فقرأها ولم يعلق عليها، ثم اطلعت المرحوم (الحصري) عليها فقرأها واسر شيئا في قلبه وكان الحصري يشغل منصب (المدير العام للاثار) وقد جاء الى الحلة في جولة تفتيشية فلما عاد الى بغداد عمل على نقل (كوركيس) من الموصل الى بغداد (وعينه مأمورا لمكتبة المتحف العراقي) وكانت هذه المكتبة تشغل غرفة صغيرة وفيها عدد محدود من الكتب فاذا بهذه المكتبة تتوسع وتضم الاف من الكتب، بحيث اصبحت من امهات المكتبات في العراق ان لم تكن اهمها واكبرها اما انا فقد نقلت الى بغداد لاكون محاسبا في (مديرية الري العامة) ثم محاسبا (مديرية البرق والبريد العامة) فكنت اتردد على مكتبة الاستاذ كوركيسس في (مديرية الاثار العامة) وعلى داره ايضا وكان هو ايضا يزورني بين الفنية والفنية وكانت هذه الزيارات تستهدف البحوث البلدانية والامور الادبية ولا اثر لغير ذلك فيها.
ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية في الثالث من ايلول سنة 1939 ثم اعقبتها الحرب العراقية- البريطانية في ايار من سنة 1941 وفتحت الحكومة مراكز للاعتقال في (الفاو) و(العمارة) وفي مواضع اخرى، كنت احد المبعدين الى معتقل الفاو ثم الى معتقل العمارة وقد قضيت في الاعتقال اربع سنوات كنت خلالها اقتل الوقت في الدرس والتحقيق والكتابة وكنت ابعث بابحاثي البلدانية الى الاستاذ كوركيس فكان يدققها ويطابقها مع اصولها في الكتب القديمة ثم يعيدها الي على الرغم من الرقابة الشديدة المفروضة على مراسلات المعتقلين، وكان العلامة (محمد بهجت الاثري) المعتقل معي يدقق كتاباتي من الناحية اللغوية، ولما فرج عن العالم كربته واطلق سراح المعتقلين، اصبحت علاقتي بالاستاذ كوركيس قوية ومستمرة، وقد طفنا العراق من شماليه بزاخو الى جنوبية بالبصرة ومن شرقيه في خانقين الى غربيه في عانة وراوة، فلم نترك مدينة او قضاءالا وزرناه ولم يحدث بيني وبينه أي خلاف او احتكاك في جميع هذه الاسفار، والانسان لا يعرف جوهره ولا يكتشف سره الا في الاسفار وفي المعاملات الانسانية، ومما اتذكره في هذه المناسبة اني كنت والاستاذ على مائدة غداء في دار متصرف لواء البصرة الرجل الشريف النبيل السيد (امين خالص) فاشار علينا ان نزور المحمرة وزودنا بورقة مرور كتب عليها عبد الرزاق الحسني وكوركيس عواد وقد صحبنا مدير بريد البصرة السيد (جميل قومسير) في هذه السفرة ولم يرد اسمه في الورقة، وبينما كنا نعبر شط العرب الى التنومة لنستقل السيارة الى المحمرة اعترض بلمنا زورق ايراني وطلب الينا بيان هويتنا فابرزنا ورقة المرور التي باليد فقال نعم هذا عبد الرزاق وهذا كوركيس وهذا جميل تفضلوا.
ومما اتذكره بهذه المناسبة ايضا اني كنت والاستاذ كوركيس نستقل سيارة من كركوك الى اربيل لنقضي اسبوعا في مصيف (صلاح الدين) واذا بالسيارة تتعطل وعجز اصلاحها، ومرت بنا سيارة حمل محملة بالحصى والرمل فاستوقفناها ورجونا السائق ان يوصلنا الى اربيل فاصعدنا فوق الحصى والرمل حتى اذا بلغنا اربيل كنا الى القردة اقرب منا الى البشر لشدة الرياح وكثرة الرمال التي كانت تهب فوقنا، ولم تقتصر اسفارنا على المدن العراقية فحسب، فقد سافرنا الى سورية ولبنان وتركيا، وفي (استنبول) قصدنا سوق الوراقين في (حي بايزيد) وسال الاستاذ كوركيس صاحب المكتبة ان كانت لديه بعض المخطوطات او الكتب المطبوعة بالاحرف العربية فاصعدنا الى الطابق الثاني من دكانه واذا بالاستاذ كوركيس امام وجبة هائلة من المخطوطات والكتب النفسية مما اضطرنا الى التردد عليه مرات عديدة.
وكان اجتماعنا في موسكو لحضور مؤتمر المستشرقين الخامس والعشرين الذي عقد في اب من عام 1960 من امتع الاجتماعات واجلها ولاسيما اثناء تناول الطعام حيث تاتي الفتيات الروسيات ويردن ان نعرف نوع الطعام الذي نريد ونحن لا نفهم لغتهن.
كان الاستاذ كوركيس عواد عالما كبيرا وباحثا دقيقا، وكاتبا بليغا وانسانا يندر ان نرى مثله في هذه الايام، ولئن تخصص في علمي الكتب والفهرسة فقد كانت له صولات وجولات في ميادين اخرى وهذه مؤلفاته تشرق وتغرب وتدهش قارئها بما فيها من معلومات طريفة وبحوث طلية نادرة، ويعتبر كتابه (معجم المؤلفين العراقيين) من التحف النفسية، ولا يمكن لاحد ان يقدره ويقدر الجهد الذي بذله وصرفه في سبيل جمع مواده وتصنيف فصوله الا صاحبه، وعار في فضله.
وتحضرني في الرثاء هذه الابيات:
حكم المنية في البرية جار
ما هذه الدنيا بدار قرار
بينما ترى الانسان فيها مخبرا
اذا به خبرا من الاخبار
جبلت على كدر وانت تريدها
صفوا من الاقدار والاكدار
ومكلف الايام ضد طباعها
متطلب في الماء جذره نار
رحم الله ابا سهيل برحمته الواسعة وعوضنا فن فقده بالصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون.

القيت في ذكرى رحيل كوركيس عواد



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية