العدد(4512) الاثنين 23/09/2019 (عدد خاص عن مجلس الإعمار في العهد الملكي)       شيء عن مجلس الاعمار.. عندما اصبح العراق ورشة عمل كبيرة       تذكروا "مجلس الإعمار" في العهد الملكي       صراع بريطاني ـــ امريكي في مجلس الاعمار في الخمسينيات       متى تأسس مجلس الإعمار وما هي مشاريعه؟       مجلس الاعمار وتطور العراق في الخمسينيات       مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق       أسابيع مجلس الاعمار الثلاثة.. صفحة عراقية لامعة       العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :42
من الضيوف : 42
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27402996
عدد الزيارات اليوم : 11697
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


سعاد حسني.. الملهاة والمأساة!

خالد بطراوي
كانت تعرف انها ولدت من اجل الابداع لا الشهرة التي تأتي مقابلا لهذا الإبداع. ولهذا لم تقع أسيرة لأي مطالب مادية تضطرها الى التنازل عن قناعتها. وهي بطبعها لم تكن لديها طموحات مادية تفرض نفسها على قراراتها،


وفي الحقيقة هذه الكلمات كشفت امامي الملامح الفارقة بين سعاد حسني الغائبة الحاضرة ونجمات اليوم، وأدركت ان حضور سعاد حسني ينبع من ايمانها الدائم بثقة جمهورها وانعكاس ذلك في فنها.. كان يكفيها في السنوات الاخيرة ان تسجل عملا اذاعيا بصوتها لأي محطة اذاعية مقابل الآلاف من الدولارات لأنها متوقفة عن السينما منذ عام 1991 بعد ان قدمت آخر أفلامها «الراعي والنساء»، أي انها قرابة عشر سنوات قبل رحيلها في مثل هذه الأيام من عام 2001 ابتعدت عن السينما، ورغم ذلك لم تقبل ان تتنازل، بل إننا لم نسمع انها تشكو حتى للاصدقاء تجاهل السينما لها كل هذه السنوات! فهي نجمة لم يكن يهمها جمع المال والإيرادات والتعاقدات مثلما تفعل نجمات اليوم، وإنما كانت تؤسس لوجودها حتى بعد رحيلها.

لم تكن سعاد حسني تبني اهرامات البنكنوت على حساب فنها المقدم للناس، إنما كان هدفها اختيار الدور الذي يتحرك بداخلها.. وكانت كثيرا ما تسأل نفسها أولا ما الذي يضيفه إليها هذا العمل الفني؟ وما الذي ستضيفه هي الى الشخصية الدرامية؟! واذا كانت الاجابة لا جديد، فإنها تبتعد تماما. لذلك تولد كل يوم مئات الممثلات ولم نعثر حتى الآن على ممثلة تحمل جينات الصدق والحب والابداع التي كانت تتميز بها سعاد حسني.
السندريللا سعاد حسني لمن لا يعرفها ليست نجمة كأي نجمة.. فهي في مساحة عريضة من الاداء المتنوع كانت لها صولات وجولات. كانت كحصان جامح لا احد يستطيع ان يوقف اندفاعه، وكانت لديها قدرة فائقة على توظيف كل امكاناتها لخدمة الدور الذي تلعبه. كانت خليطا فريدا من المهارات الغنائية والتمثيلية والاستعراضية، يندر ان تتكرر، فقد استطاعت ان تجسد في اعمالها السينمائية على الشاشة الكبيرة ادوارا مختلفة، ولن نجد دوراً واحداً يشابه الدور الذي سبق لها أن لعبته. اننا نجدها البنت الرومانسية في «حسن ونعيمة». وهذا الدور يختلف تماما عن دور «الفلاحة المهزومة» الذي لعبته في «الزوجة الثانية». كما ان دورها في فيلم «خلي بالك من زوزو»، حيث تؤدي دور طالبة جامعية وبنت لفنانة في شارع محمد علي، يختلف تماما عن دور البنت المراهقة الذي مثلته في «ليلة الزفاف». وتختلف ادوارها ايضا في «عائلة زيزي»، و«الأشقياء الثلاثة»، و«الكرنك»، و«غريب في بيتي»، و«السبع بنات»، و«جناب السفير»، و«المشبوه».
هل؟.. وهل؟
ماتت سعاد حسني في عام 2001، ولا احد يعلم حتى الآن، على وجه اليقين، ما اذا كانت قد انتحرت او قتلت. لكن ما هو مؤكد ان جثتها وجدت ملقاة اسفل عمارة مشؤومة في لندن، حيث كانت تقيم هناك في شقة مع صديقة لها من مصر.
والذين يقولون ان سعاد حسني انتحرت لديهم اسبابهم، وأهمها انها كانت قد يئست من الشفاء بعد ان طال علاجها في لندن، وفقدت نجوميتها، حيث ادركت انها ماتت معنويا ولم يبق الا ان تموت جسديا. وقد انتهى التحقيق الطويل في انكلترا الى انها قد انتحرت.
واما الذين يقولون انها قتلت، فلديهم ايضا اسبابهم، واهمها انها كانت بدأت تتماثل للشفاء، وإنها قالت للمقربين منها انها سوف تعود الى مصر، بل انها سوف تعود الى السينما بدليل انها كانت تقرأ سيناريوهات عرضت عليها، وانها كانت تنوي كتابة مذكراتها، مما يهدد شخصيات عدة.. وفي المحصلة فإن جملة تصرفاتها قبل موتها لا توحي بأنها مقبلة على الموت، بل مقبلة على الحياة.
ومعنى هذا ان موت سعاد حسني سوف يظل لغزا، مثل موت النجوم من امثالها.. فلا احد يعرف حتى الآن سر موت مارلين مونرو، واسمهان، والاميرة ديانا، وداليدا، وغيرهن من النجمات الشهيرات.
ورغم رحيل سعاد حسني ، فإن الصحافة لم تتوقف يوما عن الكتابة عنها.. فهي الحاضر الغائب طول الوقت، وخصوصا في عام 2005 الذي اثيرت فيه المشاكل والقضايا حول حياة السندريللا التي تحولت بالفعل إلى اكثر من مسلسل تلفزيوني يتم تصويره، وكان اولها مسلسل «السندريللا» الذي اخرجه سمير سيف ولعبت بطولته منى زكي في دور سعاد حسني.
والحقيقة ان حكاية حياة وموت سعاد حسني تستحق ان تظهر في اكثر من عمل فني، لأنها حياة حافلة بالدراما، ففيها كل عناصر المأساة والملهاة، وفيها الدم والدموع، وفيها الموهبة الإلهية الفذة والموت الفاجع الذي يتوج حياة أبطال التراجيديا العظام.
18 أخاً وأختاً
في يوم 26 يناير عام 1942 إبان الحرب العالمية الثانية، ولدت السندريللا سعاد حسني في حي الفوالة بالقاهرة.
الأب هو محمد حسني البابا، فنان الخط العربي، من أصل سوري، فهو ابن المطرب السوري القديم حسني بابا، وشقيقه الممثل الكوميدي أنور البابا، الذي اشتهر بتمثيل شخصية نسائية، هي «أم كامل». وسعاد حسني لها سبعة عشر أخاً وأختاً، فقد رزق الأب من الزوجة الأولى السيدة لطيفة بثمانية أشقاء، أربع بنات هن حسب ترتيب الميلاد: خديجة، وسميرة، ونجاة، وعفاف، وأربعة أبناء هم: نبيل، وعز الدين، وفاروق، وسامي.. ورزق من الزوجة الثانية السيدة جوهرة بثلاث بنات هن: كوثر وسعاد، وصباح وقد تزوجت جوهرة بعد ذلك من عبدالمنعم حافظ المفتش السابق في وزارة التربية والتعليم.. ورزقت منه بستة أبناء آخرين، يشكلون إمبراطورية «جيم»، حيث تبدأ أسماؤهم جميعاً بحرف الجيم وهم ثلاث بنات يحملن أسماء: جانجاه وجيلي وجيهان.. وثلاثة أبناء هم: جلا وجهير وجاسر..
وعدد الإناث يفوق عدد الذكور في عائلة سندريللا الشاشة، فهن عشر بنات في مقابل سبعة أبناء، ورقم السندريللا بين الإناث هو السادس، وبالنسبة للجنسين، هي العاشرة وهي تصغر نجاة الأخت الثالثة بين البنات والسابعة بين الجنسين بست سنوات، لأن نجاة مواليد يوم 11 أغسطس عام 1936.
والحقيقة أن سعاد حسني ليست إحدى 17 أخاً وأختاً، بل 18 أخاً وأختاً، وذلك لأنه يوجد لها أخ بالتبني يحمل رقم الأخ الثامن عشر وهو المطرب الراحل فايد محمد فايد الذي اكتشفه والدهم أثناء رحلاته إلى بلدته ميت غمر، وجاء به إلى القاهرة وتبناه وأسكنه في بيته وتعهده بالرعاية، وساعده على أن يشق طريقه في عالم الغناء.. وقد اشتهر هذا المطرب بأنه رجل مزواج، فقد تزوج 39 مرة وكانت من بين زوجاته المطربة الراحلة أسمهان.
وقد قدر لي أن أعيش كصحفي فني جانباً كبيراً من حياة سعاد حسني وأسرتها عن قرب، فقد كنت أعرف والدها فنان الحظ العربي محمد حسني البابا، وأتردد على بيته في المنزل رقم 43 بشارع الجمهورية في حي الفوالة، الذي حمل هذا الاسم لأنه كان في الماضي المكان الذي يتجمع فيه باعة الفول المدمس، حيث كانت هناك عشرات «المستوقدات» التي يتم فيها إنضاج الفول من المساء إلى الصباح.
وقد هدم هذا المنزل الآن، وشيدت على أنقاضه عمارة جديدة، حيث كان يقع في مواجهة جامع الكخيا المطل على ميدان الأوبرا. وفي ذلك الوقت شهدت مولد الفرقة الموسيقية التي كونها من بين أبنائه الصغار باسم «فرقة أولاد حسني الموسيقية» التي خرجت منها شهرة نجاة الصغيرة التي رأيت نجمها يلمع ويتألق كمطربة ونجمة سينمائية، كما عاصرت قصة المولد الفني لقطة الشاشة البيضاء، على يد الفنان الراحل عبدالرحمن الخميسي عندما كانت في الخامسة عشرة في عام 1957 رشحها وقتئذ كنجمة مسرحية وإذاعية، فلم يحالفها التوفيق، ليتألق نجمها ويلمع على الشاشة بعد عامين من هذا التاريخ في الفيلم الأول لها «حسن ونعيمة» عام 1959.
مواهب بالجملة
عندما ولدت سعاد حسني، كانت مواهب إخوتها قد ظهرت في الموسيقى والغناء والخط العربي والرسم والنحت.
كانت نجاة قد أصبحت حديث الناس، وأطلق عليها اسم «المعجزة الصغيرة».. فقد كانت تقف على المسرح بحجمها الضئيل مشدودة القامة لتقلد أم كلثوم ليس في الغناء فقط، بل في الانفعالات النفسية ومسكة المنديل التي اشتهرت بها سيدة الغناء العربي، وكانت سعاد قد بلغت الثالثة في عام 1945 وبدأت تندمج مع إخوتها في هذا الجو الفني. وقتها كانت تقدم نوعاً خاصا من الغناء الهندي فكانت تغني أغنية هندية شهيرة بعنوان «شنشن».. والغريب أنها كانت تجيد أداء هذا اللون من الأغاني الهندية، إلا أن قلة حفلاتها كانت العائق الوحيد لدخول عالم الغناء. وفي ذلك الوقت كانت أختها الخامسة سميرة تزوجت من أحمد خيرت كبير مفتشي الموسيقى والأناشيد بوزارة التربية والتعليم الذي أخذ يراقب مواهبها في الغناء كصاحبة صوت معبر يفيض ببراءة الطفولة فتعهدها بالصقل والتدريب وقدمها للغناء في ركن «بابا شارو» للأطفال بالإذاعة. وقد روى لي الموسيقار عبدالحميد توفيق زكي قصة اكتشافها للغناء في تلك الفترة، فقال: إن ركن الأطفال كان يحتفل بشم النسيم في حديقة الحرية بالجزيرة ورأيت بعيني سعاد حسني بنت الرابعة أو الخامسة في هذا الحفل، وقد حملها بين ذراعيه عازف الإيقاع النوبي محمد عنبر، ثم أوقفها على خشبة المسرح أمام الميكروفون فنظر اليها الجمهور بإشفاق كطفلة صغيرة، وفجأة انطلق صوتها يلعلع بالغناء، حيث غنت أغنيتين، الأولى: «أنا سعاد أخت القمر.. بين العباد حسني اشتهر» والثانية مطلعها يقول: «طولي شبر.. وجهي بدر.. صوتي سحر.. كلي بشر».
طفولة معذبة
والمهم هنا هو أن المطربة الصغيرة، ظلت تغني في برنامج «بابا شارو» بالإذاعة حتى سن السابعة، إلى أن تغير مجرى حياتها فجأة، وهي في تلك السن الصغيرة، لأن والدتها انفصلت عن والدها محمد حسني البابا بالطلاق، واقترنت بالزوج الثاني عبدالمنعم حافظ، وتركت بيت الزوجية الأول في «حي الفوالة» وانتقلت إلى بيت الزوجية الثاني في حي «باب الشعرية» القريب من ميدان «العتبة الخضراء». وتطلب هذا التغيير في الأم، التغيير أيضاً في حياة الطفلات الثلاث من الزوج الأول، وهن الكبرى كوثر والوسطى سعاد والصغرى صباح، فقد أخذتهن الأم في حضانتها، بعد أن تزوج الأب للمرة الثالثة وانتقلت سعاد أخت القمر من حال إلى حال.
وقدر لها وهي في تلك السن الصغيرة أن تعرف أن الحياة ليست موسيقى ورقصاً وغناء فقط، بل هي محفوفة بالمعاناة والمتاعب والآلام.
وذات يوم فاجأها والدها بأمر لم يكن قد خطر لها على بال.. فقد أراد أن يرغمها على الزواج من عريس عجوز.. ومنذ ذلك اليوم انقطعت عن زيارة بيت أبيها، خوفاً من أن يجبرها على زواج غير متكافئ!!
الفنان الشاعر..
وقصة اكتشاف سندريللا في الستينيات قصة عجيبة لعبت فيها المصادفة دوراً كبيراً لتسلط عليها الأضواء، وتصبح نجمة سينمائية لامعة البريق، كان ذلك في عام 1957 الذي بلغت فيه الخامسة عشرة، وكانت تعيش في كنف زوج الأم على هامش الحياة بلا هدف، إذ كانت انقطعت عن الغناء منذ كانت في السابعة ولم تنتظم في الدراسة ليكون لها أمل في الحصول على شهادة دراسية، وفي ذلك الوقت طرق القدر باب دارها، ليحمل إليها الحظ السعيد ولتسير في موكب النجوم.
وكان قدرها متمثلاً في شخص مكتشفها الأول وهو الشاعر والفنان عبدالرحمن الخميسي، الذي كان يتردد على البيت، بحكم صداقته بزوج الأم. وتصادف خلال هذه الفترة أنه كان يكتب مسلسلا إذاعيا من ثلاثين حلقة عن قصة «حسن ونعيمة».. تلك الحكاية الشعبية التي تماثل قصة «روميو وجوليت»، وكان يتردد كالعادة على بيت صديقه عبدالمنعم حافظ وكان النموذج أو «الموديل» المتمثل في خياله لصورة «نعيمة» هو شخصية تلك الفتاة ذات الوجه البريء، وكان كلما انتهى من كتابه حلقة من تلك الحلقات يقرأها أمام صديقه في حضور سعاد التي بدأت تعيش في شخصية «نعيمة» بالفعل.
كان الخميسي يريد أن يعهد إلى سعاد حسني بدور «نعيمة»، لكن المخرج الإذاعي محمد توفيق اعترض على هذا الاختيار، وعهد بدور البطولة إلى كريمة مختار في شخصية «نعيمة» وعهد بالأدوار الأخرى إلى صلاح منصور في دور «حسن» وعمر الحريري في دور «عطوة» وبقى بعد ذلك دور ثانوي وهو دور «ما شاء الله» صديقة «نعيمة» فاقترح إسناده إليها، فلم ينل أيضاً القبول.
حكاية حياة سعاد حسني وموتها تستحق ان تظهر في اكثر من عمل فني، لأنها حياة حافلة بالدراما، ففيها كل عناصر المأساة والملهاة، وفيها الدم والدموع، وفيها الموهبة الإلهية الفذة والموت الفاجع الذي يتوج حياة أبطال التراجيديا العظام.
ضاعت عليها فرصة القيام بدور «ما شاء الله» أمام المايكروفون، لكن القدر كان يدخر لها فرصة العمر ليلمع نجمها، ويتألق على الشاشة في دور الفتاة الأولى «نعيمة»، وذلك لأن المسلسل الإذاعي نال نجاحاً شعبياً كبيراً، مما رشحه للإنتاج السينمائي، عن طريق شركة أفلام «محمد عبدالوهاب وبركات».
وعاد الأمل يداعب خيال «نعيمة» على الشاشة.. لكن الشركة المنتجة اعترضت أيضاً على هذا الاختيار، ورشحت لدوري البطولة نجمين كبيرين، هما: فاتن حمامة في دور «نعيمة» وعبدالحليم حافظ في دور «حسن»، ولما قدمها عبد الرحمن الخميسي إلى المخرج بركات أعجب بها، ورشحها لدور «ما شاء الله» صديقة «نعيمة»، وهو الدور الذي سبق له أن رشحها لتمثله في الإذاعة، ولم تقم بتمثيله.
لقد كان مقدراً لها أن تدخل إلى السينما من باب «الكومبارس» لكنها كانت على موعد مع الحظ، فقد اعترض محمد عبد الوهاب على قيام نجمين كبيرين ببطولة تلك القصة الشعبية، واقترح أن يقوم بها وجهان جديدان لم يرهما الجمهور من قبل على الشاشة السينمائية، ليقول كل من يراهما لأول مرة على الشاشة: هذا حسن.. وهذه نعيمة، وليس عبد الحليم حافظ وفاتن حمامة.
وتحول الاتجاه بعد ذلك إلى اختيار الوجهين الجديدين القادمين من دون معرفة سابقة بهما.. وهما محرم فؤاد وسعاد حسني، وكان اسم محرم هو: محرم حسين أحمد علي، وقد أضافوا له اسم فؤاد بدلاً من حسين، وهو اسم أحمد فؤاد مدير مكتب الشركة وقتئذ.. وكان هناك اتجاه أيضاً إلى تغيير الاسم الثاني لسعاد حسني، حتى لا يقترن في الأذهان باسم أختها «نجاة» لكن محمد عبد الوهاب تمسك بالاسم الحقيقي، على اعتبار أنه اسم جذاب وقابل للشهرة.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر كما يقولون، فمن الضروري أن نشير هنا إلى أنه عندما رشح عبد الرحمن الخميسي الوجه الجديد سعاد حسني لبطولة فيلم «حسن ونعيمة».. فقد تصادف وقتها أن رشحها المخرج السينمائي عباس كامل للمشاركة في فيلم «هـ 3» أمام رشدي أباظة وطروب ونجوى فؤاد.. وهذا هو الفيلم السينمائي الأول الذي صورته سعاد حسني، ثم شاركت بعده في بطولة فيلم «حسن ونعيمة».
جولييت الريفية
وهكذا كانت بداية السندريللا الفاتنة على الشاشة بدور «نعيمة» في الحكاية الشعبية «حسن ونعيمة» في شخصية جولييت الريفية عام 1959 ورغم أنها بدأت بالبطولة على الشاشة لأول مرة، إلا أنها تراجعت بعد ذلك، فظهرت في مجموعة أفلام، قامت فيها بدور الفتاة الثانية، وراء عدد من زميلاتها كأفلام: «البنات والصيف» الذي وقفت فيه وراء زيزي البدراوي، و«غراميات امرأة» الذي وقفت فيه وراء سميرة أحمد، و«3 رجال وامرأة» الذي وقفت فيه وراء صباح، ثم تراجعت مرة أخرى إلى الوراء أكثر وأكثر في فيلم «السبع بنات» الذي قامت فيه بدور البنت الثالثة وراء نادية لطفي وزيزي البدراوي. لكنها عادت بعد ذلك إلى أدوار البطولة المطلقة في أفلام: «إشاعة حب»، «مال ونساء»، «لماذا أعيش؟»، «السفيرة عزيزة» و«أعز الحبايب» و«الضوء الخافت»، و«مفيش تفاهم».
وكانت تلك المرحلة هي مرحلة إثبات الوجود التي قادتها إلى طلب الانتشار بقبول العمل في كل فيلم يعرض عليها بلا تدقيق في الاختيار، فظهرت في مجموعة أفلام تجارية تفتقر إلى القيمة الفكرية والفنية كأفلام: «شقاوة رجالة»، و«حواء والقرد»، و«شباب مجنون جداً»، و«حلوة وشقية»، و«بابا عايز كده»، و«التلميذة والأستاذ».
ثم تبلورت مواهبها بعد ذلك في أفلام: «الأشقياء الثلاثة»، «غصن الزيتون»، «الطريق»، «الثلاثة يحبونها»، و«ليلة الزفاف».
معالم الطريق..
إن معالم الطريق في مسيرة سعاد حسني الفنية تتضح من خلال الأدوار التي قدمتها في مجموعة من الأفلام ذات النوعيات المختلفة.
في العاطفيات مثل دور سلوى في «ليلة الزفاف» عام 1966 وهدى في «اللقاء الثاني» عام 1967.
وفي الاجتماعيات مثل أدوار ليلى في «العريس يصل غداً» عام 1963 وإلهام في «العزاب الثلاثة» عام 1964 وفتاة الليل «بطة» في «المشبوه» عام 1981 و«فايزة» في «حب في الزنزانة» عام 1983.
وفي الاستعراضيات دور الطفلة والفتاة الناضجة «سميحة» في «صغيرة على الحب» عام 1966 وأدوار «منى» في «الزواج على الطريقة الحديثة» عام 1968 وأميرة في «أميرة حبي أنا» عام 1974 و«بهية» في «المتوحشة» عام 1979..
وفي الأدوار السيكولوجية مثل «ميرفت وناهد» في فيلم «بئر الحرمان» عام 1969 و«عايدة» في «أين عقلي» عام 1974.
وفي الأفلام السياسية في أدوار: «إحسان شحاتة» في «القاهرة 30» عام 1966، و«مديحة» في «غروب وشروق» عام 1970، و«تهاني» في «على من نطلق الرصاص» عام 1975، و«زينب» في «الكرنك» عام 1975.
وفي الأعمال التاريخية في دور «نجلاء الخالدية» في «فارس بني حمدان» عام 1966، والجاسوسة الفارسية «سلمى» في «القادسية» عام 1981، وأدب السيرة في دور «ريم» في «عصفور من الشرق» عام 1986.
وثمة إجماع الآن على أن السندريللا سعاد حسني كانت من أبرز فنانات جيلها إن لم تكن أبرزهن على الإطلاق.. ولا نبالغ إذا قلنا إنها الخالدة بينهن على مدى تاريخ السينما المصرية والعربية، والدليل على ذلك أنه في استفتاء أحسن مائة فيلم مصري الذي أجراه مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996 بمناسبة مئوية السينما المصرية، حصلت سعاد حسني على المركز الثاني بعد فاتن حمامة بفارق فيلم واحد فقط، وبرصيد تسعة أفلام اختيرت ضمن المائة فيلم وهي: «القاهرة 30»، و«الزوجة الثانية»، و«غروب وشروق»، و«زوجتي والكلب»، و«الاختيار»، و«خلي بالك من زوزو»، و«الكرنك»، و«أهل القمة»، و«على من نطلق الرصاص».
لقد أمضت سعاد حسني نصف عمرها تقريباً في الفن، حيث حققت رحلة نجاح خلال فترة قصيرة جعلتها إحدى نجمات السينما العربية بعد أن حظيت أفلامها بمستوى فني متميز، إذ قدمت «82» فيلماً كان آخرها فيلم «الراعي والنساء» مع أحمد زكي ويسرا من إخراج علي بدرخان عام 1991..
وفي هذه الأفلام عملت مع 63 مخرجاً يمثلون مختلف الأجيال.. ومثلت في هذه الأفلام مع أغلب نجوم جيلها: رشدي أباظة وشكري سرحان وأحمد مظهر وأحمد رمزي ونور الشريف ويحيى شاهين وصلاح ذو الفقار وحسن يوسف وعادل إمام وحسين فهمي ومحمود ياسين ومحمود عبد العزيز وفاروق الفيشاوي وغيرهم.
أما رصيدها التلفزيوني من الفيديو فهو مسلسل واحد «هو وهي» إخراج يحيى العلمي، وإن كان من بين أفلامها التلفزيونية فيلم من إنتاج التلفزيون بعنوان «صراع مع الملائكة» إخراج حسن توفيق عام 1962.
وغنت وقدمت ثلاث أغنيات تعتبر من أوائل أعمال الفيديو كليب وهي: «دولا مين»، «ما يؤخذ بالقوة»، و«صباح الخير يا مولاتي».. فضلاً عن ثلاثة مسلسلات إذاعية هي: «نادية» عن رواية يوسف السباعي عام 1968، و«الحب الضائع» عن رواية د. طه حسين عام 1969، و«أيام معه» عن رواية كوليت خوري عام 1984.
كما شاركت في تمثيل أربعة أفلام من إنتاج خارجي هي: «الناس والنيل»، و«نار الحب»، و«القادسية»، و«أفغانستان لماذا».
أعماق الشخصية..
تزوجت سعاد حسني خمس مرات الأولى: من أحد المهندسين الزراعيين عندما كانت تصور فيلم «غراميات امرأة» عام 1960، وانفصلا بعد حياة زوجية ناجحة ومستقرة استمرت ما يقرب من عامين، والثانية من المصور والمخرج صلاح كريم، ووقع الانفصال بينهما فجأة، وإن كان تم في أجواء يخيم عليها الود أثناء تصوير فيلم «الزواج على الطريقة الحديثة» عام 1968، والثالثة من المخرج علي بدرخان، والرابعة من المخرج زكي عبد الوهاب ابن المخرج فطين عبد الوهاب وليلى مراد ولم يدم هذا الزواج غير فترة قصيرة، والخامسة من السيناريست ماهر عواد، ولم تنجب من أي منهم.
وليس صحيحاً ما قيل من إشاعات بأن الغرام كان على أشده بين سعاد حسني وعبد الحليم حافظ، فالمجتمع الفني في مصر لا ينسى أبداً أن من أجمل قصص الحب التي سمعها وشهدها في أوائل الستينيات قصة الحب الذي جمع بين قلبي سعاد حسني وعبد الحليم حافظ، وهو حب ملأ قلب العندليب الأسمر بالسعادة، وأورث السندريللا الناعمة الهموم والمتاعب والقلق النفسي حتى وصل بها الحال في النهاية إلى أن تنفي ما يردده البعض عن علاقتها بالعندليب على أنها علاقة حب.. حتى قيل إنها هي التي تحبه «وهو مش واخد باله»، وهذا ما جعلها تشعر بالألم من هذه التعليقات التي كانت تجرحها وتحرجها أمام الجمهور الذي تحبه وتحرص عليه.
ولا شك في أن عبد الحليم حافظ كان صادقاً فيما رواه عن حبه الأول، ومع هذا فإن حبه للسندريللا بعد ذلك كان أيضاً حباً قوياً، وإن كان هذا الحب تحكمت فيه بالنسبة للعندليب عقدة الخوف، لأنه عندما أحب سعاد حسني كان وضع قدمه على أول طريق الشهرة، وبات يساوره خوف من أن يخسر ولو نسبة ضئيلة من المعجبات فيما لو تزوج، ولأنه كان بدأ يحس بأعراض المرض الذي أخذ يدمر كبده، وتصور معه أن الزواج سيصبح مرهقاً له، وللمرأة التي يختارها لتكون زوجته. لقد كان عبد الحليم حافظ يقسو على نفسه، ويخنق في صدره كل قلقه ومشاعره وخوفه من المستقبل، مما خلق هوة بينه وبين سعاد حسني، اضطرت معها في النهاية إلى القول إنه بالنسبة إليها ليس أكثر من زميل تحترمه، وليس هو فتى الأحلام الذي تحبه.
ولكن هل هذا صحيح؟
أياً كان الأمر فمازال عشاق عبد الحليم حافظ مع إطلالة شمس يوم 21 يونيو من كل عام يحتفلون بذكرى ميلاده، بينما يشعر الملايين بالحزن والأسى لرحيل سندريللا القلوب سعاد حسني في اليوم نفسه.. فيالها من مفارقة، أن ترحل سعاد حسني في اليوم نفسه الذي ولد فيه عبدالحليم حافظ.
نعم.. إن من عجائب القدر أن يكتب بيده في هذا اليوم شهادة ميلاد «حليم» بينما اليد الأخرى تكتب شهادة رحيل السندريللا.. فما أغرب تصاريف القدر، وما أعجب ما تفعله الأيام.. فهل من كاتب عظيم يستلهم قصة الفنانين العظيمين، ليسجل بهما قصة نادرة في دراما الدم والدموع؟.
فهل سيجود علينا الزمان بموهبة جديدة تماثل موهبة سعاد حسني التي اختفت من دفتر أحوال الحياة في ظروف غامضة، أدمت عيون وقلوب كل من عرفها كإنسانة، وشاهدها كفنانة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية