العدد (4505) الخميس 12/09/2019 (مصطفى جواد 50 عاماً على الرحيل)       اللغوي الخالد مصطفى جواد..شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة       قراءة في بعض تراث الدكتور مصطفى جواد       مصطفى جواد .. شهادات       مصطفى جواد وتسييس اللغة       مصطفى جواد البعيد عن السياسة .. القريب من العلم والعلماء       من وحي الذكريات.. في بيت الدكتور مصطفى جواد       طرائف من حياته..مصطفى جواد بين الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم       العدد(4504) الاثنين 09/09/2019       تسمية كربلاء واصلها    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :54
من الضيوف : 54
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27283679
عدد الزيارات اليوم : 11413
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


أنهت عصر (الحريم) في السينما.. وقادت تيار المشاركة لا الفرجة

أسامة عبد الفتاح
هي أعلى السلم هو أسفله، تنادي عليه، تهبط.. تسعى إليه، لقد اختارته وتخطو الآن نحو تحقيق إرادتها وتنفيذ قرار اتخذته وحدها، ربما لم تكن سعاد حسني وهي تقف أمام كاميرا هنري بركات عام 1958 لتصوير أول أفلامها (حسن ونعيمة) تدرك أنها تكتب أول سطر في تاريخ


جديد للسينما المصرية، فقد كانت في السادسة عشرة وكانت في طور تعلم كل شيء من الآخرين: القراءة والكتابة وقواعد التمثيل، هذه هي المعلومات التاريخية الثابتة لكن الحقيقة ان موهبتها الفذة وكذلك فطرتها السليمة كانتا تعلمان الآخرين البساطة والعفوية، وقيل كل شيء.. الصدق الكامل.
(سي حسن) تأمل سحر الصوت الذي تنادي به على من اختاره قلبها بمزيج غريب من التلقائية والدلال والحسم، قوة لا قبل له بها تقتحم حياته وتملأها وتقتحم معها قلوب المشاهدين لتسكنها الى الأبد.
إحساس ندى طازج لا يمكن ان تكون تعلمته من أحد، إنه ينبع من هذه الفطرة ويكتسي بذلك الموهبة، إنه زهرة تفتحت لتنشر أريجها فور ان وجدت الرعاية والأرض الخصبة.
كان هذا أول مشهد يجمعها- بشكل مباشر- مع (حسن) (محرم فؤاد) في الفيلم.. بعد قليل، ستذهب إليه في بيته، في قرية أخرى، لتحقق ما تريد، بإيجابية وشجاعة، متحدية جبلاً من القيود والقوانين والتقاليد، وتكون المكافأة المستحقة في النهاية.. انتصار إرادتها. ونزعم أن هذا كان العمود الفقري لمشروع سعاد حسني السينمائي طوال مشاورها الفني: التعبير عن امرأة جديدة كانت بدأت تسعى لكسر قيودها والاعتماد على نفسها وفرض إرادتها، بعد عقود من التبعية والانكسار، كان فيها مصيرها بيد غيرها.. امرأة أفرزتها – ونؤكد أن ذلك بعيد تماماً عن التفسيرات الإيديولوجية المجانية- فورة الحلم القومي بعد انتصار واستقرار الثورة، وانطلاق المرأة للمشاركة في مسيرة الحياة والنماء، حتى لو كان اتضح بعد ذلك أن الحلم كان وهماً، وان من صدقوه وصعدوا معه إلى السماء، كان سقوطهم على الأرض- عند اكتشاف الحقيقة- مدوياً.
كانت سعاد حسني نقطة تحول رئيسية من عصر(الحريم) في السينما المصرية – مع بعض الاستثناءات بالطبع- إلى عصر المرأة الفاعلة المؤثرة، المرأة البطلة، لا بمساحة دورها في السيناريو، ولكن بحجم قيادتها دفة الأحداث، وإيجابيتها، وتأثيرها، حتى لو كانت في وقت من الأوقات تحولت إلى بطل (ضد) مأزوم، غير متكيف مع مجتمعه، لكنه يظل دائماً متمسكاً بتلابيب مأساته.
كان دورها الحقيقي كممثلة ان تعبر عن هذا التحول، الذي صار بعد ظهورها تياراً تقوده و وراءها الكثيرات.هذا الدور، الذي سيبقى للتاريخ وسيذهب كل ما عداه، وهو عصب الملف الذي نقدمه هنا عن هذه الممثلة الفذة. آثرنا أن نتحدث عن قيمتها الحقيقية كفنانة، من خلال الشرائط السينمائية التي تركتها، بعيداً عن كل الكلام المستهلك والبديهي عن نجوميتها وجمالها وشخصيتها. أردنا هنا ان نلقي الضوء على ممثلة استطاعت باقتدار ان تعبر عن حلم جيل كامل، وأجيال تالية، وتحولات أمة في حالة مخاض، وتقلبات مجتمع أعيد ترتيب فئاته وشرائحه، وتغير كل قيمه ومبادئه.
لقد كان ظهور سعاد حسني في أواخر الخمسينيات إيذاناً بنهاية عصر ممثلات المجتمع الارستقراطي، وحتى البورجوازي الآتي كان أداؤهن لا ينسلخ عن قيم وموروثات هذين المجتمعين حتى وهن يلعبن ادوار الفلاحات، لتبزغ نجمة صاعدة من بين صفوف الشعب، وناطقة بلسانه، ومكتسية بملامحه، ومعبرة عن آماله وطموحاته.
وسواء كان ذلك مقصوداً أو لا، فإن ظهورها لأول مرة في هذه القصة الشعبية الآسرة كان موفقاً تماماً، وساهم في إطلاقها إلى مدارها الصحيح كنجمة من الشعب وللشعب.. فتلك العفوية التي أدت بها دور (نعيمة) جعلت جمهورها يشعر بأنها واحدة منه، ليتحول فعل الفرجة إلى المشاركة، والانبهار إلى الفخر، والمشاهدة على التلقي الكامل.
وساعدها على ذلك بلا شك.. أداؤها التمثيلي، الذي أنهى عصر التمثيل من الخارج، من السطح، ليعلن بداية عصر الصدق والتعايش مع الشخصية. فقبل سعاد حسني كان الجمهور يجلس ليشاهد النجمة فلانة في دور فلانة، وطوال مدة العرض يتابعها وهي تؤدي هذا الدور، ويتعجب للتغيرات التي طرأت عليها، سواء بالسلب أو الإيجاب، لكنه أبداً لا ينساها أثناء فعل الفرجة.
أما مع سعاد حسني، ومع فعل المشاركة، فقد كانت في كل فيلم تصبح هي الشخصية، في كل تطابق كامل قلما وصلت إليه ممثلة.. وحتى لو أجهدت نفسك بالبحث عن سعاد حسني أمامك على الشاشة لكي تتعرف على ما طرأ عيها، فلن تجدها، لأنها ببساطة غير موجودة، وليس هناك سوى الشخصية، وينطبق ذلك حتى على أفلامها الهزلية.
وهكذا ساهمت- عبر مشوارها الطويل- في تعميق ثقافة التلقي عند المشاهد، وتغيير فكرته أصلاً عن التمثيل، وساعدها على ذلك أدواتها وقدرتها الفذة كممثلة، وعلى رأسها التعبير بالعينين، وبكل عضلات وخلجات الوجه، بما يغني أحياناً عن أي كلام.
تأمل مثلاً المشهد الأخير من تحفة كمال الشيخ(غروب الشمس) (1970). إنها تقف في النافذة وتزيح الستارة قليلاً لكي تتابع- بعينين مبتلتين بأجمل ما شهدته الشاشة من دموع- زوجها وصديقه (رشدي أباظة وصلاح ذو الفقار) وهما يغادران حديقة القصر بعد نهاية والدها وتدمير حياتها هي بالكامل.. عيناها تلخصان المأساة كلها من كلمة واحدة.. بعد خروجهما، تسحب يدها لتنسدل الستارة بسرعة على حياتها وعلى الفيلم كله.
هذه اللقطة البارعة، التي لا تنهي الفيلم فقط بل تنهي عصراً كاملاً وتعلن بداية عصر جديد، تظهر إلى أي مدى يمكن أن تعبر سعاد حسني بعينيها أفضل من الحوار، وهو ما تكرر في مئات اللقطات الأخرى عبر تاريخها السينمائي.
وبعد عامين فقط من إسدال الستار على بطلة (غروب وشروق) المستهترة التي تدفع ثمن استهتارها غالياً في العهد القديم (ما قبل الثورة)، ترفعه سعاد حسني عن النموذج الذي يجب أن تكون عليه الفتاة في (العهد الجديد) حيث تتعلم، وتعمل في الوقت نفسه لمساعدة والدتها- حتى لو كانت راقصة، وتكافح لكي تحصل على من اختاره قلبها، لكن دون أن تتنكر لأصلها ولأهلها، ودون أن تنزلق أخلاقياً.
في (خلي بالك من زوزو) (1972)، التقت موهبة سعاد حسني الفذة مع عبقرية صلاح جاهين المدهشة لتقديم أنجح فيلم في تاريخ السينما المصرية، بغض النظر عن التحفظات الفنية عليه. وهذا اللقاء المشهود، الذي تطور فيما بعد إلى صداقة وارتباط في المصير بين العبقريتين، أسفر في هذا الفيلم عن نتائج مذهلة فيما يخص مدرسة البساطة والعفوية التي تنتمي إليها سعاد حسني منذ بداياتها، والتي يعد صلاح جاهين- لكن بطريقة أخرى- أحد أساتذتها.
ومن هذه النتائج، القدرة الفائقة التي أدت بها سعاد جمل صلاح الحوارية التي حملت- رغم بساطتها- أبعاداً فلسفية شديدة العمق وأضفت عليها سحرها الخاص.
تذكر مثلاً مشهدياً بسيطاً أعقب المحاضرة التي ألقاها المخرج المسرحي(حسين فهمي) في كلية (زوزو). إنه يخرج من المبنى ويبحث عن سيارته، فتقترب منه هي وتقول له:
(هناك أهه)، وتشير له إلى مكان السيارة، وعندما يبدي دهشته تقول:(عيب إن الواحد يجاوب على سؤال أتسأل؟)، فقد كانت سألته (من أنت؟) في المحاضرة ولم يجب.
وتفسير هذا التصرف موجود في الفيلم نفسه، فهي تقول في احد المشاهد بطريقتها وبطريقة صلاح جاهين معاً:( وما نيل المطالب بالتمني إنما تؤخذ الدنيا (كدهه).
إلا يذكرك ذلك الشيء؟ إنه سعي (نعيمة) نفسه لمن قررت أنه لها، وإنها الرغبة نفسها في تحقيق الإرادة رغم الصعوبات والمعوقات، ورغم كل الفروق الاجتماعية والطبقية.. فـ(نعيمة) التي دافعت عن مهنة(حسن) المغنواتي.. هي نفسها (زوزو) التي دافعت عن مهنة والدتها وسعت للصعود الاجتماعي عن طريق شريف: الدراسة.
في الصفحات التالية ملف عن هذه (السعاد) التي أسعدت الملايين، وحملت صناعة السينما على كاهلها فترة طويلة، وكانت نقطة تحول بين عصرين وبين نمطين في التفكير وفي العمل، وقلبت صورة المرأة في السينما،... وكانت أروع من أخذ الدنيا (كدهه).



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية