العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :45
من الضيوف : 45
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31855264
عدد الزيارات اليوم : 15100
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


فرج عبو..حديث عن الواقعية في إبعادها المتعددة


لقاء اجراه: عادل كامل/ باحث تشكيلي
تتمثل تجربة التشكيلي المعاصر في العراق بعوامل عدة منها الموروث الفني الزاخر بالمدلولات والحاضر المتمثل بالنضال الوطني والقومي.. والحوار مع الحركة الفنية العالمية .. كل هذه العوامل أدت إلى بروز عدد من الفنانين الذين صاغوا ملامح الحركة الفنية ومنحوها جذرا في حياتنا الثقافية .. من تلك التجارب الفنية تجربة الفنان فرج عبو ذات الجذر الواقعي الممتزج برؤية تجريدية .. هنا نحاول أن نلقي الضوء على بعض من أساسات تجربته الفنية.



* الواقعية، الأساس .. أنها محاولة لاكتشاف الذات .. نود أن يكون هذا هو مدخلنا في الحوار :
- ((الإحساس الداخلي، أو السليقة الداخلية، كانت منذ البدء هي الميل الشديد للرسم والملونات على اختلاف أشكالها .. وآما التشبيهات فكان شغلي الشاغل، وهي كانت عالمي الذي يستوجب علي اكتشافه .. والشعور الداخلي في المسيرة من خلال هذا العالم المليء فنياً بالمحاكاة والأفكار الذاتية والاجتماعية والدينية والتراثية التي لها تأثير كبير في مدينة الموصل القديمة التي تؤثر على أصالتها الفنون الآشورية والفنون التشكيلية في العصور الإسلامية والفنون التجريدية العربية التي سحرتني إلى رومنا هذا دون انفصام مما جعلتني أستزيد في الأخذ والتطوير ..
وأعتقد جازماً بأن لي ذاكرة تصويرية خاصة .. مثال ذلك رسمت مرة قبل سنة واحد أستاذي المرحومة ((ببي مارتان)) وكان قد درسني قبل 35 سنة، وحينما قارنت عملي بالصورة الموجودة لدي وجدت الشبه ما يقارب التسعين بالمائة عن الأصل. 
* هنا تبرز الواقعية .. كأساس، أليس كذلك ؟
- ((الواقعية أثرت في مسيرتي الفنية إلى حد كبير وخاصة الواقعية الشعبية المستمدة من معاناتها السياسية والاجتماعية ومظاهرها الاقتصادية كما أنني تأثرت بالطبيعة النقية وبصورة خاصة المشاهد في الطبيعة العراقية وسحرتني إلى حد كبير كعمل رمزي سوريالي أقرب منه إلى الطبيعة .. وبتعريفي الشخصي أن دراسة الطبيعة والحياة العامة للإنسان العراقي تأتي من خضم المعارك والتناقضات التي نعيشها يومياً مما تؤثر فينا لإبراز مزايا هذا الشعب في حياته العامة يضاف إليها الصبغة الجمالية للضوء واللون على المسحة السحرية للروح الشرقية التي تعيش خلالها يومياً هذا العوامل تؤثر فينا وتؤثر فيها بالمشاهد يضاف إليها النواحي الجمالية في الأداء لإضفاء السحر الجذاب من خلال المضمون الذي تقوم برسمه لفرض الفكرة المعطاة لنا في العمل الفني ..
* حسناً، أود أن توضح بشكل أدق، أو آخر علاقة الاتجاه الواقعي بالبعد السحري للواقع نفسه؟
- ((على الفنان أن لا يقلد الطبيعة، لأنه هو خالق لأجوائها وألوانها وجمالياتها والمعاناة التي تقصيها تلك الأعمال بشخصية الفنان المبدع لها حيث أن الطبيعة وواقعها في حياة الفنان هي قدرات أشبه بمفردات اللغة المحصورة في قاموس أو معجم ما .. فكلما كانت بديهة الفنان عالية وسليقته سليمة تشتق من هذه المفردات بصياغته الخاصة وأسلوبه السحري ما ينفع في تكوين عمله الفني وبترك الشوائب والعوائق الموجودة في الطبيعة حواليه ..
* أذن يمكن القول، أن الواقع أو الواقعية لا تفهم ألا باكتشاف اللا مرئي فيها ..؟
- ((نعم، وهذا ما يستوجبه العمل الفني على الفنان أن كان أصيلاً أو خلاقاً .
كيف تتجلى الذات إزاء الواقع ..؟ 
- ((الحقيقة أن الانفعال الذاتي له الدور الكبير في التجلي أمام الواقع أو الطبيعة وهذا الانفعال يأتي من أمرين رئيسين وهما مضمون الصورة في الذاكرة لأمر ما والعقيدة في تجلي هذه الصورة في ذات المضمون الذي يؤثر في ظهور الحدس التقريبي لتقرير قضية ذات موضوعية أو واقعية معينة تحتوي على الصفات غير المرئية عند الناس ولكنها مرئية عندي .. ومن خلال هذه العقيدة في الرؤية لتقريرها فنياً وتقنياً بالتبسيط وعمق الأداء .
* نود أن تحدثنا عن علاقة الطبيعة وتأثيرها في منهجك الواقعي .. هل كان اللا مرئي من الطبيعة ينسجم والتفاصيل الجمالية والخارجية لها ؟
- ((طبعا ما يحققه الفنان من معطيات الطبيعة غير المرئية كمتنفس ذهني وجمالي لإخراجه لحيز الوجود المرئي وفرضه على المشاهدين ليست بالعملية السهلة بل تحتاج إلى كثير من الحساسية والتكوين الحدسي في الأداء والتقنية والأصالة الذاتية ذات الينابيع الجمالية الحسية من خزين المعاناة في داخلي : هذا الشيء حينما أقدمه على اللوحة في كثير من الحالات أحس أنه كان نورا من أعماقي وحينما يخرج إلى اللوحة ويستقر عليها يصبح باردا وذو ملامح محددة واضحة. أما الحدود هنا فلا نقصد بها الحدود المعطاة من الرؤية الفكرية بل من جراء وجود هذه الرؤية على اللوحة كانسلاخ من داخلي الذي يعج كالبركان في خضم أحاسيس لا نهاية لها .. فحينما تنتهي اللوحة أحس كأن جزءاً من هذه البراكين قد أصبح ((لاقا)) وانطفأ. فالإحساس بالمقارنة ينبثق من الأعماق وينتهي بوضوح الرؤية المربوطة بالتعامل مع الواقع من جهة وسحر ما لا يراه الإنسان من جهة أخرى.
* حسناً، هذا المنهج، عبر تجارب سنوات طويلة أعتقد كان له الأثر باكتشاف المنهج التجريدي؟
- ((أن المنهج التجريدي هو خلاصة الحس الذاتي النغمي الذي يبتعد عن التشبيه كمعضلة فنية وينتهي بالإحساس الجمالي المتجرد إيقاعياً من كل الانفعالات المربوطة بالواقع .. ونفعل هنا تماماً كما تفعل الموسيقي بجبروتها أو مأساتها أو درايتها التي توحي ولا تفسر .. وباعتقادي أنها سر وجود الإنسان في سر تفسير ذاته المطلقة التي لا تنتمي إلى بيئة أو تراث أو عادات بل هي منطلقة ومتحررة من جميع تشبيهات الحياة وهي سلوكية فذة في حيز الفن تقضيه روح صلبة خلافة مندفعة ذاتياً بعيدة عن منغصات العالم المرئي الذي تعيشه وتوجد فيه. لذلك سميت بالتجريدية أو ((التجريدية المطلقة)).
* نعود إلى الذات، مرة أخرى، أو البحث عن الهوية .. هل شكل التجريد بحثاً عن جذور الذات؟
- ((حينما بدأت الدخول إلى عالم التجريد لم تكن إرادتي هي الدافع لذلك بل الداوفع المتعددة لجوانحي وعاطفتي والإلحاح المستديم الضارب في أعماقي هو الذي ألهمني إلى سلوك هذا المسلك الذي يبتعد بشكل أو آخر عن التجريد المعاصر في أوربا، ومعرضي لسنة 1971 شاهد على هذه الحالة النفسية .. أن قوة الاندفاع الذاتي التي هي في داخلي دفعت كل هذه الترسبات المعوقة وخرجت بشكل عمل أستنزف تحضيره الأولي مدة لا تقل عن ست سنوات من عمري مما مهد لي هذا الاندفاع أن أفسر رؤية التجريد العربي الإسلامي بشكل معاصر متطور يستند إلى التراث وبلغة معاصرة لعملي أن العرب هم أول من أستلهم عالم التجريد الفكري في شتى مظاهره الأدبية والفنية.
* التجريد، قبل أن يكون بحثاً في الأشكال أو عن علاقاتها ((علم عناصر اللوحة)) هو بحث في الرؤية الفلسفية .. نود أن توضح لنا، هنا، رؤيتك هذه.؟
- ((المفهوم التجريدي الفلسفي للرؤية الفنية ينحصر في الرغائب الذاتية التي يحبها الفنان ويعتقد فيها جمالية معينة وحيوية مؤثرة في الآخرين دون اللجوء إلى التقليد أو التشبيه وهذه الرغائب الدفينة هي انعكاس لإنسانية الفنان خضم مراحل ورائية قد عبرها هذا الإنسان من خلال وراثية لآبائه وأجداده في مفهوم النزعة الحضارية المجردة من العوائق والمعاضل التي لم تقدر الإنسانية على حلها فأعطيت لها صفة مجردة تختبئ في الذات البشرية ويشغلها ورائياً الأولاد عن الآباء وتظهر بشكل ملح في أصالة أعمال الفنان .. أن الرغبة هذه ليست سمة قائمة عند فنان ما فهي سمة بشرية عامة تغوص مرة في الذات البشرية وتختفي أو تنام وتطفوا مرات أخرى عند ناس آخرين .. فحينما يؤديها ذلك الفنان يجد لها ترديداً عند الناس الذين طافت رغائبهم بهذا المستوى وفي نفس الوقت الذين يتجاوبون معه حينما يؤدي عمله الفني. ولذلك تجد عمله هذا لدى قسم من الناس.. 
* لكن التجريد جزء من التراث العربي وليس التراث كله .؟
- ((أن التجريد العربي لعب دوراً كبيراً في تكوين تراثنا، ابتداء من الزخرفة والحرف ونهايته بالتزينات الشعبية التي تغطي جميع ما في متناول يدنا يومياً من أواني وسجاجيد وابسطة وخشبيات وزجاجيات وأبواب وشبابيك وجدران ومآذن وقباب .. الخ أننا لو حققنا في ما هية وجوهر وكمية ما نطبقه يومياً في حياتنا العامة لوجدنا بالإحصاء الكلي من ناحية التكوين المرئي لهذا التجريد الذي أصبح شعبياً وفي متناول أيدينا صباح مساء لقلنا أنه الطاغي على مفاهيم الفنون التشبيهية في عالمنا الإسلامي، وهذا لا يعني بالذات أننا فقدنا الأصالة في الابتكار والأداء والعطاء من جراء ما نستهلكه يومياً في فنوننا الشعبية بل بعلمي أننا نفعل كما يفعل ذلك الذي يغلي قدراً من الماء ليضيف عليه التوابل أو المواد الغذائية من أجل إنضاجه ليس ألا .. فظاهر القدر سائل وباطنه غذاء ..))
* بهذا المعنى، هل استلهام الفن التجريدي العربي، في آعمالك، محاولة لفهم جوهر الفكر العربي الفني ؟ ..
- ((أن التجريد في الفن العربي يختلف عنه في المفهوم الغربي وعلى النحو التالي: أن تمسك الإنسان العربي بالروحيات معناه قد أضفى على ذاته التجريد المنطلق من قيود الواقع الذي يعيشه أن كان في الصحراء أو الحضر، ولم يرتض يوماً أن يفسر ظواهر الطبيعة فيزيائياً بقدر كما فعل له الأوربيون بل أضفى على تفسيره للظواهر الطبيعية عوامل روحية تجريدية يرتضيها فكره المنطلق دون قيد رغم أنه يعلم أن هذا الانطلاق الحدسي هو ليس كل الحقيقة. ومع هذا يقبل به ويرتاح له ويعيش روحياً من أجله. أما المجتمعات الأوربية فقد انحسرت عن هذا الميدان من بعد عصر النهضة وتمسكت بدراسة مظاهر الطبيعة فيزيائياً وفسلوجياً كما فعل جهابذة عصر النهضة الذين نعرف مسالكهم في هذا الموضوع ..)). 
* في تجربتك، ثمة فهم آخر لبنية اللوحة يعتمد على مفاهيم فنية معاصرة .. فلديك، على سبيل المثال ما يسمى بالتجريد الميتافيزيقي .. إلى أي حد استفدت من التجريد الأوربي العاصر ؟
- ((كل حضارة ناقلة لحضارات أخرى .. ومن بعد مدة طويلة تتقمص هذه الحضارة شخصيتها المستقلة .. وبما أني قد درست الفن في بلاد أوربية وعلى يدي أساتذة يعتنون بالفكر الأوربي فلا بد لي أن أشبع بأفكار تمت إلى هذه الحضارة المعاصرة بكثير من المقومات التي لعبت دوراً في تطوير أعمالي الفنية التي مهدت إلى دراستي التراثية بالأسلوب المنطقي الذي يجعلني أن أتأثر بالتجريد الأوربي كخلط من جزء في طعام كبير، وهذا التجريد الأوربي لو حققناه لوجدتني أردد لغة أوربية ترجمت من عالمنا الشرقي في أصولها كما فعل ((يايش)) و ((سيزان)) و((بيكاسو)) وغيرهم: أي أنهم أخذوا من الشرق فنه وترجموه بلغة أوربية .. أما أنا فقد أخذت منهم ما عكسوه بلغة أوربية وحللته ووجدت ما يفيدني في تطوير أعمالي الفنية المعاصرة لآن حالة هذا العصر هي حالة المنطق الذي يستند إلى السبب والمسبب – ومما لا شك فيه حينما تتفاعل مع الحضارات الأخرى تكسبنا آفاقا جديدة في التطوير الفكري والرؤية والتحليل والأيداء ..
* الآن بعد تجربة فنية طويلة .. أي الأساليب أقرب إلى رؤيتك .؟
- ((الآن، أتعامل مع التجريد الإسلامي كمعبر روحي كما ذكرت سلفاً، وأبحث فيه لاستكشاف عوالمه الخاصة وأعطيه صياغة تتفق وروحي وفلسفتي التي تعيش فيها هذه المناخات .. ومن ناحية ثانية أتعامل في الرؤية مع الطبيعة التي تقرب بين الواقعية الملموسة حدساً والقريبة من السوريالية المبسطة المفهومة دون تكلف .. أن هذا البحث ذو قطبين: قطب آخر يسير في بحر لا نهاية له (التجريد الإسلامي) وقطب آخر يسير في عالم الأحلام التي لا نهاية لها والمربوطة بالطبيعة والواقع الملموس لمساً خفيفاً.
* أخيراً، كيف ترى الواقع التشكيلي المعاصر في العراق ..؟
- ((أن بداية الحركة التشكيلية كانت تعتمد 
على رواد من الفنانين وقد تأثروا بشكل أو آخر بالمعطيات الاجتماعية والظواهر السياسية والنفسية كل بقدر ما يستلهمه من حيث المطابقة لوجهة نظره ولشخصه في الرؤية والأداء. ولكن يوجد عاملين طوراً العملية الفنية بشكل أوسع بحيث أصبحت القضية لازمة للمجتمع الذي فيه وهماً :
أولاً: تطور البنية الاجتماعية والسياسية وتغير المفاهيم القديمة إلى مفاهيم اشتراكية قومية تستوجب معالجة جميع الظواهر الحياتية .. وعليه نشأت مدارس فنية متعمدة بحكم وجود ظاهرة الحاجة إلى الفنون التشكيلية كعامل جوهري في تقدم الإنسان العربي من الناحية الثقافية والجمالية والتقنية لمستلزمات كبيرة في عالم الأعلام والنشر التي تستوجبها الحياة المعاصرة .. فبوجود المدارس والمعاهد والأكاديميات الفنية أصبح مفهوم الفن ليس كالمفهوم الأول لولب محرك بل ركن من أركان هذا المجتمع يقوم مع الأركان الأخرى بتحريكه مساندة بعضه لبعض من أجل التقدم المعاصر .. وعليه فالنظرة الإجمالية للفن مرتبط بالمجتمع ومحركاته الداخلية

من أحاديث الفنان  فرج عبو
أعتدت، منذ خمسة عشر عاماً، أن أدون كلمات عدد كبير من فنانينا وكتابنا في يومياتي ليس لنشرها، في الوقت المناسب، أو الاستشهاد بها، وإنما لأنها وثيقة تخص كياننا الثقافي والروحي بشكل عام. أن هذه الوثائق، مهما تبدو أحياناً تاريخية، ألا أنها ترتبط عميقاً في بحثنا الدؤوب عن قواعد وتقاليد وأخلاقيات نلتزم بها في فهمنا لبناء الحضارة في تفاصيلها الصغيرة : شعر، رسم، نحت، قصة وأدب مذكرات، ومحاورات وستغدو، بمرور الزمن، قيمة من قيم هذا الجيل يمكن الرجوع إليها باعتبارها مادة تاريخية، وثائقية، ومادة تدخل في صلب بعض الأسس الرصينة في التجديد وفي معاناة الفنان إزاء ما يقدمه من إبداع.
وإذا كانت لقاءاتي مع الفنان الراحل فرج عبو كثيرة ومتنوعة، بحكم أنه كان أستاذي في نهاية الستينات، وصديقا وفياً لتلامذته وللحركة التشكيلية، فأن المادة التي تركها لدي، يمكن أن تنشر اليوم، باعتبارها جزءاً من عطاء هذا الفنان الكبير، واللقاء الأخير بيننا، لم يكن قريباً جداً .. فأنا لم أزره في المستشفى، ليس لأنه لم يكن يتكلم، وإنما لأنه كان معي .. أو لأنني كنت أشعر بنوع من الرهبة والخوف من دخول المستشفيات، أتأمل  بعض – أو تلك الملامح – التي لا تنسي أن ترسخ عميقاً في الذاكرة، لتولد عدة انطباعات تأملية في معنى الحياة ومعنى الموت: الصدفة !
على كل، في لقاء مؤرخ بـ 26 – 4- 1981، حيث استقبلني ودعاني للذهاب معه إلى البيت.
((حسناً .. أستاذ فرج .. ماذا تعمل الآن... ؟ ))
- أشياء كثيرة، أرسم الطبيعة، وأدرس عناصر أو وحدات من الفن الزخرفي العربي الإسلامي : ففي الطبيعة يكمن سر الميلاد .. وفي التجريد العربي الإسلامي يكمن سر الخلود: سر تلك اللغة التي تجدها في الكتابة، وفي الألوان. وفي التكوين الذي أكاد أسمع موسيقاه أنني باختصار أجد لذة في العمل)) ..
ثم ذهبت معه إلى المرسم. هناك مئات من التخطيطات والصور المصغرة التي ينتظر أن ينجزها وكان يقلب في الأعمال القديمة .. الأعمال التي تعود 
إلى فترة دراسته في القاهرة. حيث كان قد رسم أكثر من ثلاثين صورة لعمال الموانئ، والفقراء .. وصور تعود إلى فترة الدراسة في روما: موديلات، حياة جامدة، ومناظر.
ألا أنه لم يكن يشكو من شيء، عدا أنه بلغ الحادية والستين من عمره وأنه يود لو أستعاد شبابه.
- ((أجل. مثلك، مثل هؤلاء الفتيان، كيما أقاتل .. لا تنسى أن عدداً كبيراً من أفراد أسرتي يقاتلون الآن في جبهات القتال .. ولكني كنت أود أن أكون أنا، أنا ذاتي، هناك .. فالفنان لا يستطيع أن يعتمد على الذاكرة .. أو على الأحاديث الشفوية .. هذا مفيد.. الصور الفوتغرافية مفيدة لكنني للأسف لست أنا الذي التقطها أجل: هذا مفيد جداً ولكن على الفنان أن يختبر مادته بنفسه. ثم أن القضية ليست قضية فن، فن مجرد، فن يزين الجدران، فن للمعارض .. كلا .. على الفنان أن يكتشف في نفسه ذلك المدافع عن الحضارة، وذلك الذي لا يسمح للعدو، أي عدو كان، من المساس بشرفه الحضاري .. وأنت تعرف جيداً تاريخنا مع الفرس .. منذ سومر .. وربما قبل ذلك التاريخ، وحتى فترة قصيرة من التاريخ .. ذلك التاريخ من الغزو البربري، الهمجي .. وأريد أن أعطيك صورة علمية لهذا الحديث .. فالفرس عبر هذه الاعتداءات، لم يتركوا بصماتهم بالمعنى الحضاري علينا .. بل تركوا التخلف فقط .. ويسكت .. وينظر في، ثم يبتسم قائلاً:
- ((في هذه المرة. سيكون الدرس أكثر قسوة ...)) 
وعدنا نتحدث عن الفن .. الفن الذي يرتبط عميقاً في ضمير الشعب:
لآن الفن هو نبض هو معمار حضاري هو شموخ وتطلع حقيقي نحو المستقبل .. الفنان يعمل بهذا الواقع، وبدافع خلق الأمل. وبلورة الجمال والحياة الشفيفة الناصعة الحياة الكريمة .. لآن الفنان يغرس عميقاً في ضمير وقلب الشعب أرادة الحق والشجاعة والجمال والعدالة .. هكذا يفعل الفن، والشعر، والأدب بشكل عام .. بعد ذلك يأتي دور المقاتل، دور السياسي المقاتل، الذي يمتلك الوعي الأصيل بقضيته .. لأننا جميعاً نكافح من أجل حياة سامية، حضارية، بعيداً عن التعصب والانغلاق والعنصرية .. وهكذا تلاحظ أن العدو يشن هجومه علينا لأنه يخاف من حضارتنا .. لأنه يخاف من فننا. من عدالتنا ..)).
ونمضي في هذا الحديث طويلاً .. وتشاء المصادفة أن ألتقي به، بعد عام أو عامين، حيث أهداني كتابه ((علم عناصر الفن)) وقد جرى بيننا حديث قصير حول هذا الكتاب:
- ((أنه حصيلة بحث في علم عناصر الفن .. لآن الفنان، بالدرجة الأولى. لابد أن يمتلك أدواته .. أصيلة حتى وأن كانت هي حصيلة بحثه أو ما ندعوه: الفنان الذي يعلم نفسه بنفسه. أنا شخصياً أمضيت أكثر من أربعين عاماً في جميع مادة هذا الكتاب. ووضع الرسومات الخاصة بكل جزء. وكل موضوع. كيما يطلع عليه تلامذة الفن، في الأكاديمية. أو الطلبة بشكل عام، ويدرسوا أهم عناصر اللوحة أنه كتاب تعليمي هذا صحيح ولكنه. في الوقت نفسه. كتاب يخص تحليل ودراسة العمل الجيد وكيف يمكن للفنان أن يتوصل إلى فهم سليم لعناصر العمل الفني الجيد. فأنا شخصياً عبر نصف قرن تعلمت الكثير من مدارس الفن. وجربت ذلك في أعمالي .. ومن هنا بدأت فكرة تأليف هذا الكتاب..)). 
ووعدته أن أقوم بدراسته والكتابة عنه لكنه قال لي:
- ((أنت تعرفني .. لهذا أريدك أن تؤكد على الجانب المهم في هذا الكتاب أي علم الفن ..)).
وأضاف :
- ((أن الفن المعاصر في العراق في أوائل الأربعينات وحتى الخمسينات تبلور لأسباب منها: الوعي بتقاليد الفنان العراقي القديم، ذلك الوعي الذي حصل بسبب التعرف على الفنون الأجنبية والقريبة منها بشكل خاص .. ألا أن أهمية هذا التاريخ تكمن في بحث الفنان عن هويته الوطنية والقومية .. وهذا ما توصلت أنت إليه .. ولكن هذه الحصيلة جاءت بعد وعي بعلم الفن وفلسفته وتاريخه .. ومن هنا يمكن أن نتساءل: كيف ننظر إلى مستقبل الفن لدينا؟ أنا أعتقد أننا نمر في مرحلة قلقة، مرحلة علينا أن نراجع فيها الاتجاهات السائدة، ونؤكد بدقة على ضرورة وجود تقاليد أكاديمية وعلى مستوى علمي ونقدي لدي الفنان كيما يشكل عمله إضافة جادة للتاريخ السابق .. أن حاضر الرسم لدينا. مثلاً، هو حاضر جيد، ولكن علينا أن نفكر بالخطوات الجديدة .. والتي تخص نشأة الجيل الجديد ..)).
- أي الوعي يهدف الفن أولاً، وبعد ذلك ثانياً: الوعي بالتقنيات؟
- أجل .. فالوعي بدور الفن يعني تحديد غاية الفنان .. على الفنان أن ينظر إلى تاريخه، عبر الأزمنة، دون أن يفقد دور مخيلته في تحقيق العالم المتصور، المتخيل بفعل الوعي والإدراك الفلسفي لدور الفن في حياة شعبنا وفي ذات الوقت لابد من الوعي بالحرفيات..)).
ألا ترى بأن هناك مستويات حرفية، قد أهملت عمل الإنجاز الفني المتقن.
- لدى الطلبة ؟
لدى الطلبة .. وغير الطلبة .. أي هناك إهمال واضح للحرفيات .. أو لصناعة العمل الفني، ضمن شروط ومدارسه المختلفة ؟
- أعتقد بذلك .. وعلى الفنان، قبل أن يقدم نتاجه، أن يحسم مشكلات الحرفية، ويتقن عمله جيداً. إذا كان يقدم نماذجاً واقعية فعلية أن يتقن كل ما يتعلق بهذا الاتجاه: المنظور والألوان، والفكرة الواقعية .. وهذا ينطبق على الاتجاهات الأخرى. أنا شخصياً أرى المزيد من الخلط أو 
الفوضى في فهم الفنان القاصر للألوان فأنت ترى الفنان يرسم لوحة أطلق عليها ((الشهيد)) لكنك تراه قد أستخدم الألوان الجميلة، أن الأسلوب التعبيري مثلاً، تتمثل فيه صرامة الألوان .. وحدتها، وتناقضها .. أما الأسلوب الواقعي، أو الانطباعي، مثلاً فأن اللون يشكل قيمة أخرى في الوصول إلى الهدف الفني ..)).
وإذا توقفنا، قليلاً إزاء مفهوم التقنية ألا ترى بأن هناك ضعفاً ما في هذا الجانب ؟
التقنية هي أن يكون الفنان واعياً لعمله الإبداعي .. لفلسفته والمفردات هذه الفلسفة على صعيد التطبيق العملي، أنا أتفق معك بأن هناك ضعفاً في التقنيات، وهناك عجالة في تنفيذ الأعمال، وهناك عدد كبير من الفنانين يكررون أ‘مالهم، بل الأغرب من ذلك، هناك ظاهرة مؤسفة وهي أن الفنان يغير عنوان لوحته حسب المعرض الذي يشترك فيه: ..)).
ويصمت طويلاً، ثم يقول لي هامساً :
- ((يا صديقي أنا معلم .. وفنان .. ولست ناقداً .. أنا أنتقد نفسي بقسوة وقد تدهش لو تعرف أنني أود لو عدت من جديد لممارسة الفن خلال نصف قرن  أخر، لا أقول لك بأنني أحس بالفشل كلا، بل أود لو أنفذ ما يدور في رأسي، من جديد، ودائماً، فأنا في العمل أرضي ذلك الإحساس القلق لدي، الإحساس بأنني سأتوقف عن العمل في يوم من الأيام ..))!
كنت أتأمل في وجهه وكأنه أت من زمن بعيد .. بل كنت أوشك أن أعترف له بأنه يتحدث إلي من مكان آخر، من زمن لاحق .. لكنني عالجت الموقف بهدوء فقلت له :
تعود إلى فكرتك عن النقد .. لدينا ..))
ومرة أخرى كان يتكلم بصعوبة .. لكنه قال : 
- .. آن أوان دور الناقد الموضوعي .. الدور التاريخي المهم الذي يبلوره الناقد للمفاهيم والاتجاهات .. الناقد الذي يكتب خارج حدود العلاقات أو النقد الصحفي الناقد الذي يمتلك وعياً بتاريخ الفن وتطوره العام ومعنى الأصالة والوعي بالتقنيات وبمادة الفن .. هذا الناقد للأسف، نادر في حركتنا الفنية بالطبع هناك اجتهادات، ومقالات رائعة، وأفكار ولكن الناقد الذي نتمناه اليوم هو الذي نريده كيما ننصف حركتنا التشكيلية وكيما تستعيد ذات المكانة التي كانت عليها، في زمن سومر وآشور وبابل .. وفي عهد العرب المسلمين. هذا الناقد، يا صديقي هو خلاصة بحث علمي شاق، وضرورة وجوده الآن، هو بمثابة خطوة جديدة في إضافة لبنات حية ودماء حارة في تطور حركتنا الفنية .. ولست متشائماً .. على كل .. فأنا على ثقة بأننا اليوم قد نشهد ميلاد نقاد على وعي بمسؤوليتهم التاريخية .. ولكن هذا الناقد لا يتأتى ألا من خلال علم النقد))..
وتشاء المصادفات أو القدر، أن يمرض الفنان فرج عبو، فجأة: نعم فجأة كما قال الدكتور خالد القصاب، الذي شهد رحيل جواد سليم وأن يغادرنا بهدوء، تاركاً لنا مئات اللوحات، والأفكار التي ساهم بها، مع رفاقه الرواد، في بلورة حاضر حركتنا التشكيلية المعاصرة في العراق. لقد رحل يوم 6-3-1984، بعد أيام من رحيل العلامة طه باقر ..

هذا الحوار نشر عام 1986



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية