العدد (4314) الاربعاء 21/11/2018 (رفعت السعيد)       رفعت السعيد..القامة المضيئة       فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد       غروب شمس اليسار المصري"..       د.رفعت السعيد: تعلمت في السجن كتابة الرواية       رفعت السعيد..أديبا!       رفعت السعيد وأزمة اليسار       رفعت السعيد و(الفجر الجديد)       رفعت السعيد.. خبرات نادرة في السياسة والتاريخ والثقافة       العدد(4313) الاثنين 19/11/2018    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :43
من الضيوف : 43
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22979401
عدد الزيارات اليوم : 7928
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من ماهيات سيرة الزعيم عبد الكريم قاسم

د. عقيل الناصري
ولد عبد الكريم قاسم في1914.11.21، في محلة المهدية من رصافة بغداد، من أبوين عربيين هما : قاسم محمد البكر الزبيدي، وكيفية حسن يعقوب الساكني (عشيرة السواجن) التي يرجع نسبها إلى عشيرة تميم العدنانية.. أذكر ذلك بغية دحض الادعاءات الخاطئة التي تدعي أن والدة الزعيم غير عربية [ أقرأ أن والدته من المذهب الشيعي]،


 لقد انطلى هذا الادعاء حتى على باحثين مرموقين ولهم مكانتهم العلمية في الشأن العراقي مثل الأكاديمي المعروف حنا بطاطو الذي نسب والدة الزعيم إلى قومية أخرى( كردية فيليه).

تكونت عائلة قاسم محمد البكر، حسب تاريخ الميلاد، من الأبناء : حامد أكبر الأشقاء الذي تزوج من بنت عمه الرئيس علي محمد البكر، وكان حامد يشتغل دلالاَ للحبوب ؛ وتأتي بعده أمينة زوجة ياسين محمد صالح القيسي ؛ ثم عبد اللطيف نائب الضابط في القوة الجوية والذي بقى على رتبته العسكرية لحين تقاعده ، وكان ساكنا في إحدى الدور الحكومية الصغيرة في منطقة (تل محمد) التي استلمها قبل ثورة14 تموز، وبقي فيها إلى أخر حياته؛ ثم نجية زوجة ابن عمتها الزعيم الركن عبد الجبار جواد، وأخيراً عبد الكريم.
ولعبد الكريم قاسم خالتان هما:عكاب حسن اليعقوب ، والدة العقيد فاضل عباس المهداوي والثانية وصف حسن اليعقوب التي تولت العناية بالمهداوي بعد وفاة والدته المبكر. كما ولعبد الكريم قاسم خالان هما : محمد حسن اليعقوب، وكان من أبطال المصارعة آنذاك وقد توفى في عمر مبكر ، ومطلك حسن اليعقوب ، الذي أستشهد في إحدى الحملات العسكرية عندما كان مجنداً قسرياً في الجيش العثماني (السفر بر) كما أطلق عليه العراقيون آنذاك. ولعبد الكريم عم واحد هو علي محمد البكر ،الذي كان ضابطاً في الجيش العثماني برتبة الرئيس (النقيب). وقد أستشهد أثناء دفاعه عن بغداد أمام الاحتلال البريطاني عام 1917، ولم يخلف سوى بنت واحدة تزوجها حامد قاسم. كما كان جد عبد الكريم قاسم يملك محلاَ للجلود في بغداد، كما تقول بعض المصادر.
يصف احمد فوزي ولادة عبد الكريم قاسم على النحو التالي:
[ عندما كانت شمس يوم 21 تشرين الثاني 1914، تنحدر إلى مغيبها .. كانت هناك في محلة المهدية في صوب الرصافة ببغداد ، امرأة تتلوى من ألم المخاض .. وطال بها المخاض .. فتوافدت النسوة الساكنات إلى جوار بيت حسن اليعقوب الساكني ، الملاصق لبيت حمودي الدواح ، في ذلك الزقاق الضيق القديم ، حيث المرأة الملتوية من الألم ، المشرفة على الوضع !
وكان يقف إلى جوار (المرأة) صبيان وطفلتان صغيرتان، ينظرون جميعهم إلى أمهم ( كيفية بنت حسن اليعقوب الساكني) بعيون ممتلئة بالدموع ، ووجوه كلها عطف وحنان .. ويدعون الله عز وجل أن ينقذ أمهم ، وأن يريحها من هذه الآلام!
وكانت شقيقتاها ( عكاب بنت حسن) و( وصف بنت حسن) تقفان إلى جانبها، تعاوناها ، ريثما تأتي المولدة ( القابلة) لتوليدها.وقبل أن ينتصف الليل ، دخلت الدار ( المولدّة) العجوز ، وتطلعت إليها العيون جميعا تستحثها على إنقاذ ( الوالدة).وكشفت المولدّة على المرأة المتعبة من ألم المخاض .. وأطلقت صيحة خافتة : إنها في إعسار وخطر.وقامت من مكانها ، وتوجهت نحو الزوج ( جاسم محمد البكر) الواقف بانتظار النتيجة ، وبجانبه أولاده الأربعة الصغار، وقالت له :
- أن زوجتك في خطر .. وان الوليد بخطورة أيضاً.. هل تريد الأم .. أم الطفل؟
فتلفت (جاسم محمد البكر ) – وهو واقف في بيت عمه ( والد زوجته)- وأجال النظر في وجوه أولاده الصغار,, ولم ينطق ببنت شفة..!
وفهمت ( المولدّة) العجوز ، إن الرجل يريد إنقاذ الأم ، لأجل هؤلاء الصغار.. في الأقل ! وعندها رفع ( جاسم محمد البكر)، رأسه إلى السماء – وكان تقياً ورعاً- فدعا الله عز وجل أن ينقذ زوجته( كيفية) من هذا البلاء..!
انطلقت صيحة من الأم وانطلق بعدها صراخ الوليد الجديد ..وركن الوليد إلى جانب أمه. واهتمت ( المولدة) والنسوة جميعهن بالأم ، خوفاً أن تقضي نحبها بعد أن نزفت كثيراً من الدماء…]
إن أكثر الدلائل المادية المتوفرة تشير إلى وضع العائلة الاقتصادي البائس ، حيث ولد الطفل عبد الكريم وعاش فترة شبابه، في بيت لازمته الحاجة والعوز المادي ولفترة طويلة نسبيًا، إذ كان أبوه يعمل في النجارة و يستمد المعونة المادية من أخيه علي محمد البكر، الذي كان ،آنذاك، يخدم في مقر الجيش العثماني السادس عشر في بغداد. كما يمكن الاستدلال على وضعه المادي السيئ من واقع المنزلة الاجتماعية لمحلة سكناه، إذ كانت محلة المهدية، ولا تزال، إحدى المناطق الشعبية التي تقطنها العوائل الفقيرة والكادحة ،وتجاورها محلات النازحين إلى بغداد من أرياف العراق برمته وخاصةً من شمال بغداد القريبة.
لقد كان الطفل عبد الكريم مرهف الحس منذ طفولته ، وكان دائم التفكير في وضعه الذاتي ووضع العائلة المادي والاجتماعي. وكان يحاول منذ نعومة أظفاره البحث جاهداً عن مبررات مقنعة لذلك الوضع الذي أثر في نفسيته بقوة جعلته [ قليل الاختلاط بزملائه في المدرسة … وكان صبوراً جداً، فإن أراد أو اشتهى شراء شئٌ يلزمه ورأى ظروف أبينا المالية لا تسمح .. ينتظر .. وقد يطول به الانتظار دون أن يضج أو يشكو …]
هذه الوضعية الاجتماعية وواقع عمقها القاسي ستؤثر لاحقاً في ماهيات منظومة أفكار الشاب عبد الكريم قاسم، إذ تأثر منذ ريعان شبابه ب { فكرة المساواة } وتبناها كحلقة مركزية في مشروعه اللاحق وأصبحت تمثل المبدأ الأول من منظومة أفكاره. لذلك انصب اهتمامه على كيفية محاربة الفقر واجتثاث مقوماته المادية ما أمكن ذلك. كما انعكست حتى في شعوره الداخلي وفي ممارساته الحياتية، التي تعمقت بصورة خاصة بعد أن تفهم مسببات الفقر والتفاوت الطبقي من الناحية النظرية ، الذي أقترن بالإدراك السياسي الحسي لواقع البلد بعد احتلاله وما نجم عنه من مؤسسات ونظم وقواعد للحكم تأسست على أسس خاطئة ومن ممارسات عملية عمقت هذه الأخطاء وذات التفاوت ، وما رافقها من انتفاضات شعبية عبرت عن رفضها وسخطها لهذه السلطة وأسس تكوينها وتوجهاتها الاجتماعية /الاقتصادية والسياسية وعلى ارتباطاتها الغربية( بريطانيا).
واستنطاقاً لما ذكر، فقد كان عبد الكريم قاسم دائم الصراع مع واقع الفقر وفكرته، حيث كان يكرهه بصورة غير عادية ويرى فيه عقبة أمام تطور الفرد والمجتمع، لأنه خبر الوضع الاجتماعي والنفسي للأفراد الفقراء وعرف معاناتهم في الحياة وصراعهم من أجل القوت اليومي. لقد تحسس بكل حواسه ذلك الألم، لذا عندما تسلم قيادة إقرار القرار المركزي للدولة كان يصرح دائماً دون حياء وبعزة نفس : [ أني ابن الفقراء .. أنني فقير.. شخص فقير وجدت وعشت في حي الفقراء وقاسيت زمناً طويلاً مرارة العيش ، ولكننا نملك الغنى ، غنى النفس وكنا نملك الغنى، غنى الأباء.
واقع الفقر والعوز الذي رافقته كظله وصعوبة إمكانية تجاوزها وانتقال الوالد من مهنة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية .. عوامل كانت كافية لدفع الفتى عن الوسط الاجتماعي والقذف به بعيداً عن منظومة الأفكار المحلية السائدة والتزاماتها الانتمائية من طائفية وعشائرية وأثنية. كما دفعته إلى التعمق في دراسة الأسباب الكامنة في التباين الاجتماعي ومدى قدريته. لذا نراه ينسجم مع الخدمة بعيداً عن العاصمة (المركز الحضاري) ويلتحق بالعمل في المناطق النائية حيث ستتعمق معارفه العملية أكثر فأكثر على هذا الواقع الشديد التعقيد والتخلف.
أن الهلع والمعاناة والألم الحزين في التراجيديا، أيكل تلك الحالات التي تنحشر في وعي الذات ، كما يقول هيغل ، لتشكل طريق التنقية والخلاص والذي كان يجري في خطاه كل ما كان ينبغي له أن يحدث، ذلك الوعي نستخلصه من الممارسات الواعية التي أنصب الخطاب القاسمي على التأكيد عليها والتي تمحورت حول الارتقاء بالذات الإنسانية إلى مصافٍ أعلى.
هذه الظروف الحسية والأوضاع المادية، عمقتها قراءاته للأفكار الحديثة التي بدأت جماعة الرحال تبشر بها عبر حلقاتها الثقافية ، وجريدتهم ( الصحيفة) وما تيسر بنشرها في الجرائد الأخرى في عراق عشرينيات القرن المنصرم، والتي كان صديق طفولته مصطفى علي يزوده بها. قد صهرت هذه الأفكار الشاب قاسم في أتونها لتكون منه رجلاً ذو رسالة ، يسير في دروب الحياة المحفوفة بالمخاطر والصعاب. أنه يتماثل وما قال نتشه في إن : [ العظيم من الرجال يبحث دائما عن الحياة المحفوفة بالمخاطر التي تتفق مع طبيعته ورسالته نفسها، حيث تتطلب منه أن يُصهر في النار ليبدو في أسمى قوته، أما الرجل المتوسط المواهب والكفاءات ، فهو ينشد لنفسه دائما حياة هادئة ، ولا يرغب لنفسه بمأساة ، بل ليس هو في حاجة إليها ..هذا الصنف لا يرغب في تحمل تبعات تاريخية ، بل يتفاداها ولا يبحث عن الآلام ، بل تفرض عليه فرضاً، غير أن عذاب الإنسان المغمور أدعى للشفقة من عذاب الإنسان الممتاز، لأنه كرجل الفن شعر بالسعادة حين يعبر عن ذلك العذاب بآثار فنية] . وعند دراسة سيرة حياة الزعيم قاسم العسكرية ومواقفه السياسية في الملمات وعند إدارته للحكم وحتى عند لحظات إعدامه ، أكدت بكل أبعادها مدى انطباق القول أعلاه على رجل الدولة الذي غيّر من مسار تاريخ عراق القرن العشرين.
في الخامسة من العمر يدخل الطفل كرومي (أسم التدليل الذي يطلقه العراقيون على كل من يحمل أسم كريم) إلى أحد الكتاتيب مقابل جامع الفضل بن ربيع ، ليتعلم القراءة والكتابة ويحفظ ما تيسر له من القرآن الكريم التي كانت تديره [ الملاية فاطمة الحاج مصطفى عبد الله الجبوري) ابنة إمام وخطيب جامع الفضل. هذه الدراسة مكنته من الولوج المبكر في عالم القراءة، التي سيشغف بها في مراحل عمره القادمة، كما مكنته من امتلاك أسس اللغة العربية.
وتحت وطأة الحاجة والفقر التي أصابت الطبقات الفقيرة بعد الاحتلال البريطاني وتغير نمط الحياة الاقتصادية وسرعة إيقاعها وما نجم عنها من تضخم اقتصادي ، تسافر العائلة عام 1921 إلى مدينة الصويرة، ليعمل رب الأسرة في أرض تعود ملكيتها إلى أخيه الضابط المستشهد. آنذاك يدخل الصبي عبد الكريم المدرسة الابتدائية ويدرس فيها لمدة أربع سنوات، قبل أن تعود العائلة إلى بغداد ثانيةً عام 1926، وتسكن هذه المرة في محلة[ قمبر علي] ، المجاورة لمحلته السابقة، والمعروفة أيضاً بفقر ساكنيها وتعدد انتماءاتهم ألا ثنية والطائفية..من عرب وكرد، يهود ومسيحيين، مسلمون ، سنة وشيعة، بغداديون و متريفيين نزحوا من القصبات والقرى. بمعنى أخر عاش في وسط اجتماعي خليط، عكس أغلب مكونات الواقع الاجتماعي/ الاثني للمجتمع العراقي.
لقد شكلت هذه المعايشة الاجتماعية ، إضافة نوعية جديدة إلى منظومة أفكار الشاب عبد الكريم والتي تمحورت حول فكرة [ الهوية الوطنية العراقية]، حتى أصبحت ، فيما بعد، المبدأ الثاني في منظومة أفكاره.إذ نظر إلى العراقيين كنسيج اجتماعي متحد يمثل مختلف الأثنيات والتكوينات الدينية والمذهبية ، لذا لم يتعصب إلى واحدةٍ منها، فعروبته هي امتداد لعراقيته، وإسلاميته لا تتعارض مع الديانات الأخرى ولم يفضل مذهب على أخر، وهذه الحالة ناجمة في بعض جوانبها ، من بيئته العائلية ذات الانتماء المذهبي المختلط . لذا حارب الطائفية في الحكم والتي كانت قائمة منذ تكوين الدولة العراقية، وقد أدرك إن تلاحم الهوية الوطنية لا تستوعب النظرات الضيقة والمناهج الجزئية.
[ من يقرأ تاريخ 14 تموز عام 1958 ، لابد أن يلتمس نسيجها الوطني المعادي للطائفية والعنصرية ، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن العراق لم يشهد طيلة تاريخه الحديث حاكماً يمقت الطائفية كالزعيم عبد الكريم قاسم الذي عمل طوال فترة حكمه والتي استمرت أربعة أعوام ونصف تقريباً وبشكل متواصل ودؤوب على إلغاء الطائفية من برامج الدولة العراقية ، مما جعله يتبوأ مكانة خاصة في نفوس العراقيين على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم ، فالمعارضون والمناصرون لقاسم لا ينكرون هذه الحقيقة.
وفي ملف الزعيم عبد الكريم قاسم شيئان لم يستطع أحد من المقربين إليه اكتشافهما ، وهما انتسابه العشائري وولائه المذهبي. وفي المقابل هنالك شيئان أوصلا العراق إلى حافة الكارثة ( إن لم تكن الكارثة بعينها –الناصري) فيما بعد وهما تعصب الحاكم للعشيرة وولائه الطائفي. وربما تكون النشأة العائلية المتوازنة للزعيم قد ساعدته على ذلك . فقد نشأ في مدينة محايدة لم تنشغل بقضايا العداء الطائفي أو العنصري، فقد ترعرع الزعيم في عائلة كريمة من سواد الناس والتحق بالجيش في ريعان شبابه وشارك في معارك فلسطين عام 1948 ، كل ذلك منحه ثقة عالية بالنفس وعصامية لا تفخر بالاحساب وبالأنساب. ولهذا اكتفى باسمه الثنائي دون ذكر العشيرة أو اللقب أو اسم الجد … ولو استمر قاسم بالحكم فترة أطول لكان قد وضع المسمار الأخير في نعش الطائفية ،حيث كانت سياسة التدرج بإلغاء التمايز الطائفي التي سار عليها ، قد أثارت المخاوف في نفوس غلاة الطائفية ، فقد عثر انقلابيو 8 شباط عام 1963 في مكتبه على مسودة القانون الجديد للجنسية العراقية والذي كان سيلغي القانون القديم الذي يُقسم العراقيين إلى مواطن من الدرجة الأولى والثانية ، والذي أستغله صدام فيما بعد لتهجير أكثر من نصف مليون مواطن ].
ينهي الصبي عبد الكريم دراسته الابتدائية من مدرسة الرصافة عام 1926 ، ويتخرج منها في العام التالي ليدخل الثانوية المركزية -الفرع الأدبي  وينتهي منها بتفوق في عام 1931. وقد أشار العديد من أساتذته وزملائه الطلبة إلى حالة تفوقه العلمي، مقارنةً بأقرانه الطلبة، وما كان يتمتع به من سرعة البديهة والذكاء. كما رصد أساتذته أثناء دراسته تذوق الطالب عبد الكريم قاسم للأدب العربي ، إذ كان يحفظ الكم الوفير من جماليات الكنوز الشعرية العربية. لقد كان معجباً، من شعراء تلك المرحلة بالشاعر معروف الرصافي حسب قول أستاذه في اللغة العربية آنذاك محمد بهجت الأثرى. ويفسر في بعض جوانبه لأنه كان متأثراً بمواقفه السياسية المناهضة للمشروع البريطاني في العراق وفلسطين.
تحت وطأة حاجة العائلة و تحسين وضعها الاجتماعي و توفير حدود معقولة لها من العيش والخروج من ضرورات العوز المادي المزمن، يحسم الشاب عبد الكريم الصراع الداخلي الذي كان يعاني منه في الاختيار بين تحقيق طموح الذات الفردية ، لإكمال الدراسة الجامعية الطامح إليها ، أو العمل ومساعدة الأهل. لقد أخذ بالرأي الأخير وتم تعينه في وزارة المعارف بتاريخ1931.10.22 بوظيفة معلم وينسب إلى إحدى المدارس الابتدائية في قضاء الشامية.
لقد أستفز مكان العمل ( الريف المتخلف ومنظومة قيمه العشائرية) كوامن مشاعره، نظراً لما لمسه من هول الفوارق الاجتماعية والتخلف الحضاري بين بغداد وبقية المدن الريفية؛ بين الفلاحين المعدمين و الشيوخ وسرا كيلهم ، الذين بدأت توا عملية تحولهم إلى طبقة اجتماعية جديدة، وما رافق ذلك من طرد كيفي واسع للفلاحين، أقترن بالتعسف والقسوة ، وهجرتهم إلى حواضر المدن القريبة. "ولعل هذه الآونة كانت واحدة من أكثر الآونات في حياته أثرًا وأبعدها غوراً حتى طبعت نفسه بطابعها مدى ما عاشه بعدها من سنيه" .
هذه الظروف طرحت على المعلم الشاب ضرورة تفسير هذه الظواهر ومسبباتها والعلاقات والقيم السائدة فيها والمستنبط من العالم المعزول، والحضور القوي المكثف للخرافة والفنتازيا ، والإحساس المبهم بالزمان والمكان. لذا حاول تفسيرها من خلال القراءة المعمقة، لما متوفر له من أدبيات سياسية وعلمية آنذاك ، للمواضيع الاجتماعية والتاريخية ، ليسبر غور هذه الظواهر ويجد تفسيرات للوضع السائد واللامعقول.اعتكف مع ذاته ليتحاور وإياها في الوضع العام فكان كما قال مدير مدرسته في حينه أن: [المعلم عبد الكريم قاسم ملفت للنظر بوداعته وقلة كلامه وحدبه على طلابه وبعده عن أي نوع من القساوة التي كان يمارسها الكثير من المعلمين حين يستثيرهم الطلاب الأشقياء]. كما أنه كان خلافاً لزملائه المعلمين، يرفض الجلوس في مضايف الشيوخ لأجل قتل وقت الفراغ بعد انتهاء الدوام الرسمي، إذ غالباً ما كان يخرج ، بصحبة كتبه في أغلب الأوقات، إلى عمق الريف مستطلعاً الحياة اليومية الواقعية ومحاوراً ذاته عن المحيط الاجتماعي ومظاهره ، عن هذا الوضع البائس الذي يلفه بكل أبعاد كينونته الحية. كان يؤثر العزلة على مخالطة الناس الذين ينعدم إحساسهم بالوقت ولا يشعرون بأهميته. كما كان أميل إلى حوار النفس منه إلى حوار الغير.أكد هذه الحالة هديب الحاج حمود ، الذي أصبح وزيراً في الحكومة الأولى للثورة ، وكان طالباً في الصف السادس في مدرسة الشامية آنذاك، بالقول :[ أن عبد الكريم قاسم كان معلماً ناجحاً في درس اللغة الإنكليزية وكان منعزلاً عن زملاءه وعن سكان القضاء ، فلم يقم أية علاقة صداقة مع أي شخص قي قضاء الشامية بالرغم من أن زملاءه المعلمين كانوا يترددون على مجالس الضيافة في القضاء.]
يقول حسن العلوي : [ لم يكن عبد الكريم قاسم في بيته اجتماعياً ،ولم يكن سياسياً ، كانت العسكرية عالمه كله. ولعل ذلك ساعده على عدم كشف نواياه الثورية ، كما ساعدته عزلته عن الناس وميله إلى الحوار النفسي والعمل بنظرية المونولوج بدلاً من الدايلوج. ويبدو أن الأشخاص الذين مارسوا النظرية الأولى ساهموا في صناعة التاريخ، بينما لم يستطع أصحاب النظرية الثانية أن يصنعوا شيئاً لا للتاريخ ولا لأنفسهم.]
لم ترق مهنة التدريس إلى نفسية المعلم عبد الكريم ، لذا حاول تركها ، رغم معارضة أقرب أصدقائه لهذا القرار، والذين كانوا يعتقدون إنها المهنة الأقرب إلى وضعه الاجتماعي والنفسي وبنيته الجسمانية التي كانت آنذاك ضعيفة متصفة بهزال عام، إضافة إلى التشنج الذي أصيبت به يده اليسرى أثناء اشتغاله بالنجارة مع والده أيام طفولته.
ومع ذلك ترك مهنة التدريس ، واعتبرت هذه من المبادرات العملية الأولى التي نمت عن قوة شخصيته وطموحه الذاتي، ليلتحق بالكلية العسكرية بناءً على النصيحة، المتوافقة مع مزاجه، التي أسداها له أبن عمته عبد الجبار جواد والذي كان له ذات الطموح في الانتساب للكلية العسكرية، وشد من أزرهما الضابط الطيار، محمد علي جواد، والذي تأثر به عبد الكريم قاسم، والكثير من الضباط الشباب خريجي المدرسة العسكرية العراقية، إذ كان يعتبروه مثله الأعلى، حيث سار على ذات سلوكياته في التعامل مع الحياة السياسية والمهنية والمحيط الاجتماعي. كما كان قدوته نظراً لما أشتهر به من روح وطنية عادت توجهات السلطة المتماهية في تحالفها مع البريطانيين الذين كان يعتبرهم سببا لتخلف الجيش العراقي وعدم تطويره وخاصة من الناحية النوعية، ولما قام به (محمد علي جواد) من تطوير القوة الجوية العراقية عندما أصبح أول قائدا لها، ولما أشتهر به من تواضع وانضباط واحترام المراتب الدنيا من ضباط صف وجنود..إذ [كان الطيارون وعلى رأسهم محمد علي جواد يتعاملون مع ضباط الصف والجنود معاملة سبورت أي من دون عجرفة عسكرية بيروقراطية ، ولم يكن للإضراب الصامت( الذي قام به منتسبوا القوة الجوية- الناصري) نتائج سلبية كالطرد والملاحقة فالروح الوطنية كانت هي السائدة بين الطيارين. أما في سائر القطعات العسكرية فالعصا هي السائدة في العلاقة بين الجنود والضباط].
كانت المدرسة الثانوية الوحيدة في بغداد آنذاك،وكانت تضم بالأساس أبناء النخب السياسية الحاكمة والعوائل الأرستقراطية وعلية القوم. هذه الوضعية حفزت الطالب عبد الكريم قاسم على مجاراة زملائه الطلبة من خلال تفوقه العلمي رغم فقره المادي.
للمزيد راجع ما نقله احمد فوزي عن لسان أساتذته وزملاءه في كتابه،عبد الكريم قاسم وساعاته الأخيرة، مصدر سابق. كذلك مشتاق طالب في كتابه، أوراق أيامي 1958-1900، دار الطليعة بيروت ، والذي تذكر عبد الكريم قاسم في الصفحة 568 بالقول:[ أنه تلميذ قديم من تلامذتي في المدرسة الثانوية المركزية في بغداد سنة 1927 ، إنه تلميذ هادئ يبتعد عن مخالطة زملائه ويقضي فترة التنفس في زاوية منعزلة ، مظهره يعلن عن فقر الحال وفقدان المال ، مكتئب النفس عابس الوجه، ضعيف البنية، مشروم الشفة العليا من جهتها اليسرى ، وهذه العاهة على ما يبدو سببت له شعوراً بالنقص جعلته منقبضاً على نفسه، يتجنب الاجتماع برفاقه وبالناس أجمع.]
ذكر الزعيم عبد الكريم ذلك في خطاباً له ألقاه في المؤتمر الأول للتربية والتعليم في 15 أيلول 1960 [ ما زلت ذلك الفرد البسيط من زمرتكم ، من زمرة التعليم ، فقد سبق لي أن اشتغلت بمهنة التعليم مدة من الزمن وخبرت بنفسي الصعوبات والمصاعب التي يعانيها ويلاقيها أخواني وأخواتي المعلمون والمعلمات] ، ، مستل من ليث الزبيدي، مصدر سابق، ص.325
التحق المعلم عبد الكريم قاسم بالكلية العسكرية في خريف1932، والتي بدأت بإتباع سياسية التوسع الكمي والتطوير النوعي من خلال تحديث شروط القبول فيها، بعد حصول العراق على استقلاله السياسي (!!) وانتهاء مرحلة الانتداب .حيث بدأت الحكومات المتعاقبة الاهتمام بالجيش باعتباره الأداة التي ستحافظ على الاستقلال السياسي. إذ أعلنت وزارة الدفاع حاجتها إلى ضباط جدد وأن الكلية العسكرية ستقبل عددا أكبر من الطلاب، خاصةً خريجي المرحلة الإعدادية. لذا تقدم العديد من الموظفين والمعلمين بطلبات الانتساب للكلية المذكورة، وكان من بينهم المعلم عبد الكريم قاسم، الذي ‘قبلَ تلميذاً فيها بتاريخ 1932.09.15. ودرس في الكلية مدة عام ونصف، وتخرج منها في 1934.04.15، برتبة ملازم ثان، ليساهم بإبداع ، من ذلك التاريخ، في أغلب الحركات العسكرية التي خاضها الجيش العراقي الداخلية والخارجية ، مما أهله إلى أن يمنح العديد من انواط الشجاعة والتقدير، كان أولها لمشاركته في حركات الفرات عام1935.
أثناء دراسته في الكلية ، أندمج عبد الكريم قاسم في الحياة العسكرية كما اندمجت هي في كل كينونته، وتألق فيها بعدما أستوعب موادها وأنظمتها، جديتها وانضباطها ، حتى غدت العسكرية، بمفهومها الواسع، عالمه الروحي والمادي بكل شموليته، وأصبح مزاجه النفسي متلائماً وإياها بصورةٍ أدهشت أقرب المقربين إليه من الذين حاولوا إقناعه بعدم الانتساب إليها في حينه.
ولأول مرة بدأ يحس حقيقة كيانه .[ ففي هذا الجو كانت الشجاعة والانضباط هما معيار الاعتبار والتقدير وليست المنزلة الاجتماعية، وهنا استطاع أن يستعيد ثقته بنفسه ، لا لشيء إلا لأنه كان تلميذاً منضبطاً قوي البنية] (21 . كما أظهر سجله في الكلية العسكرية، مدى جديته وتفوقه في أمورٍ لم يسبق أن تفوق فيها كما في دراسته العسكرية ، مما أكسبه رضى ذاته ورؤساءه والمحيطين به من الطلبة.
ومن نافلة القول لوحظ نمو الوعي الوطني العراقي لدى هذا الجيل الجديد وخاصةً بين الضباط الصغار وطلبة الكلية العسكرية، بتأثير مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية للبلد وللمؤسسة العسكرية، إذ لعب الضباط المناوئين لتوجهات النخب السياسية الحاكمة وقوى الانتداب آنذاك، دوراً في بث الوعي الوطني والتشرب بروحه والتعجيل بالاستقلال السياسي ؛ كما ركزوا على المطالبة بتطير الجيش نوعياً وكمياً من خلال تعميم التجنيد الإجباري التي كانت ترفضه السلطات البريطانية. كما لعب بعض أساتذة الكلية العسكرية دوراً مهماً في ذلك، منهم الضابط توفيق حسين، الذي من خلال تدريسه لمادتي التاريخ والجغرافية العسكريتين، كان يركز على التوعية السياسية لطلبة الكلية ويوزع عليهم الكتب السياسية التثقيفية المناهضة لبريطانيا ومشاريعها في المنطقة. كما كان يتهم بحق الشريف حسين وأبناءه بتواطئهم مع البريطانيين.
بالإضافة إلى أن تلك الفترة التي نشأ فيها وترعرع الجيل الجديد من الضباط قد شهدت مقاومة عنفيه وسلمية عنيفتين ضد الانتداب البريطاني من قبل قاعدة اجتماعية عريضة من السكان .لذا شبوا ( ومنهم عبد الكريم قاسم ) على كره السيطرة الأجنبية،التي لم توفر النفع والخير إلا لنخب الحكم وعوائلهم.
في هذه الفترة المبتدئة من مطلع الثلاثينيات ، أطلع الشاب عبد الكريم لأول مرة على الأدبيات التقدمية ومنها الماركسية، من خلال حلقات أصدقائه العاملين في الحقلين السياسي والأدبي، ضمن المعارضة الوطنية العراقية التي كان يتزعمها آنذاك محمد جعفر ابوالتمن ومجموعة الأهالي قبيل انشطارها إلى الاتجاهات الثلاثة التي مثلت الظاهرة التاريخية للمعارضة أبان المرحلة الملكية وهي :[ الوطني- الحزب الوطني الديمقراطي؛ القومي- حزب الاستقلال واليسار – الحزب الشيوعي ].
هذه القراءات و ذلك الاحتكاك بالقوى السياسية وملموسية واقع الصراع الاجتماعي/ السياسي وبروز المؤسسة العسكرية كقوة أرأسية في الساحة السياسية، والتي كانت متأثرة بمثيلاتها في تركيا خاصة، وإيران، عوامل صاغت منه مَعلَماً عسكرياً يتفوق على زملائه في مهنته وفي تصوراته السياسية العامة وأبعادها المستقبلية، إذ يمكن اعتباره في هذه المرحلة عسكري ذو أهداف سياسية ، نظراً لغلبة الأولى كمهنة ومن حيث الاهتمام والقراءة والممارسة الحياتية، لكن المعادلة ستتغير بعد عقدين من الزمن ليصبح سياسي بلباس عسكري، خاصة بعد تحقق ثورة تموز وقيادته للبلد في ظروف انتقالية صعبة لبلد أصعب.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية