العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951316
عدد الزيارات اليوم : 3658
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عبد الجبار عبد الله الريادة في علم الأنواء الجوية

ابراهيم ميزر الخميسي
إن من يطلع على الأعمال والأبحاث العلمية التي قام بها د.عبد الجبار عبد الله ، وكذلك على كتبه وترجماته ومقالاته العامة ونتاجه وآرائه وأفكاره في العملية التعليمية والتربوية يدرك القيمة الحقيقية لمكانته كعالم مرموق في مجال الأنواء الجوية، ويعرف أنه ريادي في بعض فروع هذا العلم وأستاذ جامعي ومرب وتربوي قلَّ مثيله. عندئذ يفهم المرء مقدار الخسارة التي مني بها


العراق لدى فقدانه عبد الجبار عبد الله. ويشعر المرء بالحزن العميق عندما يعرف ما ألمَّ به إثر الانقلاب الدموي في شباط 1963 حيث إن ذلك العالم الكبير والأستاذ الجليل والمربي الفاضل والأنسان المتواضع المحب لوطنه وشعبه قد ضُرب وأُهين وأُلقي به في السجن.
ومع الأسف فإن ذلك الحزن ما يزال مخيماً على العراقيين إذ يفقد العراق المئات من العلماء والأطباء والمهندسين والفنانين والمبدعين في مختلف المجالات يفقدهم بين قتيل أو مهاجر. وفقدانهم يعتبر خسارة لايمكن تعويضها فهم الخبراء والمهرة وأصحاب التجارب الكبيرة في أعمالهم واختصاصاتهم. وما أشد الحاجة إليهم اليوم حيث يريد بلدنا أن ينهض من جديد!
لقد حُرم العراق من الكفاءات والخبرات المتميزة لرائد علم الأنواء الجوية في العراق الحديث عبد الجبار عبد الله عندما اضطر للهجرة إلى امريكا. وهناك نشر معظم أبحاثه العلمية سواء اثناء دراسته لنيل الدكتوراه أو بعد عودته إليها ثانية. وتدل مقالاته العلمية على انه كان في قلب الجبهة الأمامية لعلم الأنواء الجوية في ذلك الوقت. إن أبحاثه تشير إلى خيال خصب وأفق واسع وإطلاع وفير لهذا العالم الجليل في مجال تخصصه. كان في بداية كل بحث من بحوثه معتاداً أن يوجز أهم ما توصل إليه الباحثون الآخرون، ومن ثم يبيّن أهمية الموضوع الذي يتناوله هو أو النموذج الجديد الذي يضعه، يدخل بعد ذلك في صلب البحث نفسه، ليصل أخيراً إلى النتائج النهائية مقارناً إياها بالنتائج العملية المتوفرة.
معظم أبحاثه كانت حول الاعاصير والرياح القوية والزوابع. درس أسباب وطرق تولّدها والعوامل التي تساعد على نموها وأخذها أشكالها النهائية. كان يصف ذلك بشكل مذهل حتى يخيل إليك أنه راكب مع تلك الموجات التي كان يبحث فيها، مندفع مع التيارات المتلاطمة والدوارة، سائر في طرقها الملتوية، الصاعدة منها والهابطة والحلزونية وغيرها. كان يبيّن بإمعان ووضوح طبقات الهواء المتباينة، الباردة، الأقلّ برودة، الدافئة والأكثر دفئاً، وكذلك علاقات تلك الطبقات مع بعضها البعض. كما بيّن درجات حرارتها، أسباب اختلافها عن بعضها و فرق الضغط بينها، إضافة إلى دراسته العوامل والمؤثرات التي كانت تلعب دوراً مهماً في حدوث ونمو وتكامل الزوابع والاعاصير. ولقد خصص قسماً من أبحاثه لدراسة قلب الاعصار الذي يدعى (عين الأعصار) [1].
الشيء المهم الذي تميزت به أعماله هو وصفه لما كان يحدث بمعادلات رياضية، يستطيع الباحث بواسطتها التنبؤ بحالات هبوب الأعصار. وعلى هذا الأساس يتم التهيؤ والأستعداد لمواجهة ذلك، حيث يتم إنقاذ السفن والبواخر التي تمر عبر البحار والمحيطات، وأخذ الاحتياطات اللازمة في المدن.
باكورة أعماله العلمية كانت إطروحة الدكتوراه حيث (عالجت نظرية الأمواج الجوية وتزايد طاقة مثل هذه الأمواج بواسطة سرعة مجموعتها) [2].
من بين أعماله، على سبيل المثال، بحث لدراسة التأثير الميكانيكي لموجة الهواء البارد على حدوث الأعاصير الحلزونية المدارية [3]. وهو بحث نظري تناول التأثيرات والاضطرابات والتخلخلات الضغطية، والاختلافات في درجات الحرارة التي تحدث حينما تتحرك طبقات الهواء البارد إلى الأعلى، مخترقة جبهة الموجة التي تفصلها عن طبقات الهواء التي تقع فوقها والتي هي ادفأ منها. وهذا بدوره، دون الخوض في تفاصيل عديدة، يشكل الجانب الميكانيكي الذي يؤدي إلى حدوث الزوابع. وأشاراثنان من العلماء الأمريكيين البارزين في علوم الأنواء الجوية هما هورتز و اوبراني [2] الى اهمية هذا العمل(لأنه يدل على التطبيق الأصيل لأسلوب الأعداد البيانية في اللوغاريتمات على قضايا الأنواء الجوية. وفي بضع سنوات فقط حذت أبحاث عديدة حذو ما توصل إليه د. عبد الجبار. واستخدمت هذه الأداة الجبارة في حل معادلات تفاضلية جزئياً غير خطية زائدية المقطع في معالجة القضايا الجوية).
وفي مقالة أخرى [4] درس د. عبد الجبار حدوث ونمو وتكامل عين الاعصار. والاعصار يبدأ كدوامة صغيرة، ثم تكبر وتنمو عين الاعصار، فتكون ضيقة، دافئة، واضحة و تحدّها ريح قوية وفرق بالضغط شديد الكثافة. وهذه الحالة غير مستقرة، مما يؤدي إلى تغيير شكل العين، فتأخذ بالتوسع، وقد تكون غير دافئة، غير واضحة وتقل كثافة فرق الضغط. وباستخدام موديلات(نماذج) رياضية مبسطة عن طريق إهمال بعض العوامل مثل تأثيرات الاحتكاك ودوران الأرض على التحركات الجوية، استطاع د. عبد الجبار توضيح بعض الخصائص المهمة لهذا الاعصار وامكانية التنبؤ بحدوثه. وله دراسات اخرى حول عين الاعصار (انظر، على سبيل المثال، المراجع 11 و 12 في [2]).
وقد خصص بعض بحوثه[5-7]إلى دراسة خصائص خطوط العاصفة. كان يلاحظ أن تلك الخطوط، التي تشكل مقدمة الجبهة الباردة للعاصفة والتي تندفع بتعجيل معين،يجري نموّها طوليا. قام د. عبد الجبار بوضع محاولة [6] لتوضيح صفات خطوط العاصفة والتي تُدعى أيضاً خطوط قفز الضغط وكذلك لاستنتاج معادلة رياضية يُستطاع من خلالها التنبؤ بذلك النمو. لقد اعتمد في موديله(نموذجه) على عدة فرضيات منها: إن مستوى هبوب العاصفة افقي وخال من أية ارتفاعات، وإن تعجيل الجبهة الباردة ثابت كما إن تلك الجبهة الباردة لا تحتوي على اية سرع جانبية إثناء جريانها. اعتماداً على هذه الفرضيات استطاع من اشتقاق معادلة رياضية يمكن بواسطتها دراسة كيفية تشكل ونمو خطوط العاصفة او الزوبعة وكذلك التكهن بوقوعها.
درس د.عبد الجبار في أعمال اخرى له الموجات الجوية المنفردة [8-9]. كان يُعرف بوجود موجة منفردة في المياه الضحلة، وهي عبارة عن ارتفاع منفرد على سطح الماء، يسير، دون أن يغير شكله، إلى مسافات بعيدة. بحث د. عبد الجبار في احتمالات وجود مثل هذه الموجات في الهواء الجوي. وأثبت وجود ذلك فعلاً، أي وجود ارتفاع منفرد في السطح العلوي لطبقة من الهواء، ينتقل لمسافة كبيرة على ذلك السطح. ويكون ذلك على شكل ارتفاع صغير يسير منتقلاً بالنسبة لمشاهد على الأرض. كما بين إمكانية حدوث مثل هذه الموجات في الهواء الجوي، وكيف إنها قد تؤدي إلى خلق نشاط انتقالي يسبب بدوره نشوء إعصار قُمعي(على شكل قُمع). باتت دراسته بهذا الشأن(طليعة الحقل الخاص من العلوم الذي أصبح والذي ازدهر، وغدا فرعاً مهماً من علم الأنواء الجوية) [2].”Mesometeorology” يُعرف ب
يلجأ العلماء والباحثون في أحيان كثيرة إلى تبسيط المسألة التي يبحثون فيها وذلك بإهمال أو إغفال بعض العوامل التي تؤثر في المسألة موضوع البحث. فعند إدخال جميع العوامل قد يحصلون على معادلات غير قابلة للحل، أو تكاملات غير قياسية أو أشكال رياضية معقدة اخرى. وغالباً ما يتوقفون عن البحث الفيزيائي الذي بين أيديهم ليغرقوا في عمل رياضي قد يطول. لذلك يقوم الباحثون بترك بعض العوامل جانبا ليحصلوا على نتائج لأعمالهم في شكل تعبير رياضي مناسب يمكن الاستفادة منه في التطبيقات العملية. أما العوامل الأخرى فيجري تركها للمستقبل. فهي إما تؤخذ في أبحاث قادمة أو حين توفر إمكانيات جديدة في الرياضيات تسمح بحل ما يصادفهم من صعوبات.
وينبغي الأشارة هنا إلى أن التقريبات(أي اهمال او اغفال بعض العوامل)التي يقوم بها الباحثون تشمل عوامل ثانوية وليست رئيسية أو بمعنى آخر تشمل عوامل أقلّ تأثيراً من العامل أو العوامل الرئيسية التي يجري إدخالها في صلب البحث. ولذلك فإن التقريبات التي يلجأ اليها العلماء لا تؤثر على الشكل العام والمهم للنتائج، ويبقى دورها محصوراً في زيادة الدقة لنتائج البحوث.
كان د.عبد الجبار يعمل بتلك الطريقة أيضاً. وكان يورد بكل وضوح العوامل التي يتركها جانبا في البحث الذي بين يديه. ففي أحد أعماله [10] درس شكل الحزم الحلزونية للاعصار وكيفية تكونها. ومن التقريبات التي فرضها لتبسيط المسألة هي أن الاعصار يتكون من منطقتين متميزتين بشكل واضح وهما عين الأعصار وهي دائرية الشكل، والمنطقة الخارجية التي تكون متماثلة حول العين. كما أن الهواء داخل منطقة العين يدور حول محوره الهندسي كجسم صلد. أما سرعة الرياح في المنطقة الخارجية فهي تتناقص مع المسافة حسب قانون التناسب العكسي، إضافة الى ذلك فإن سرعة الرياح لا تعتمد على الارتفاع. استناداً إلى كل ما تقدم استطاع د.عبد الجبار توضيح شكل وسلوك الحزم الحلزونية في الأعصار سواء الحزم المنفردة منها أو المجتمعة. وبين أيضاً أن توضيح طبيعة الحزم الحلزونية يساعد على إعطاء معلومات مهمة عن طاقة الأعصار.
هنالك أعمال أخرى لعبد الجبار عبد الله، يمكن الاطلاع على قسم منها في [2]. إضافة الى ذلك ألف وترجم عدة كتب مهمة منها، على سبيل المثال، كتاب (الصوت) لطلبة الفيزياء في الجامعة، فكان خير مرجع لهم ولأساتذتهم. كما ترجم، مع زميل له، ترجمة رائعة كتاب (مقدمة في الفيزياء النووية والذرية) لمؤلفه هنري سيمات. أفادت تلك الترجمة أجيالاً من الفيزيائيين، طلبة وأساتذة. إضافة إلى أبحاثه العلمية قام بعمل تدريسي وتربوي كبير. فقد درّس في جامعة بغداد وفي كليات ومعاهد ومدارس اخرى. كما درّس في جامعات ومعاهد أمريكية مرموقة ، منها جامعة نيويورك وجامعة بوسطن ومعهد أبحاث الفضاء في ألبني (نيويورك) وفي كولورادو (بودلر).
عبّر عبد الجبار عبد الله في أكثر من مناسبة عن آراء وأفكار قيمة عن كيفية النهوض بالبحث العلمي وبمجمل العملية التعليمية والتربوية في العراق. آمل في امكانية التطرق إلى ذلك في وقت آخر.
بعد ثورة 14 تموز عُيّن د. عبد الجبار عبد الله رئيساً لجامعة بغداد. ومن موقعه هذا قدّم إلى بلده خدمات جلّى. لقد اهتم بالمناهج التعليمية والتربوية وبالكادر التدريسي، كما بذل جهوداً كبيرة للأهتمام بإرساء أسس البحث العلمي. ولعب دوراً مهماً في تأسيس العديد من الكليات والمعاهد في بغداد وغيرها من المدن العراقية الرئيسية. أسس جمعية العلوم الرياضية والفيزيائية. وأصدر، سوية مع زملائه الأساتذة الآخرين، أول مجلة علمية كان هو رئيساً لتحريرها. (وقد حدد الدكتور عبد الجبار أسس النشر في المجلة واشترط أن ما يُنشر فيها يجب أن يكون على المستوى العلمي العالمي، وأكد أن يحصل المقال على تأييد إثنين من ثلاثة خبراء من خارج العراق قبل نشره [11]).
كما عمل جاهداً على عقد المؤتمر العلمي الأول لجامعة بغداد حيث كان بحق أول تضاهرة علمية كبيرة ومهمة في بلادنا.
لقد فقد العراق الدكتور عبد الجبار عبد الله، عالم الأنواء الجوية، الأستاذ الفاضل والمربي الكبير، وهو لما يزل في ذروة نشاطه العلمي والتعليمي والتربوي، وفي أوج حماسه لتحقيق اهدافه في خدمة العلم في بلادنا، وفي قمة تألقه الفكري ولمعان أفكاره الجديدة في مجال تخصصه.
كان يمكن لتلك الأفكار أن تفيد العلم والناس وأجيالنا القادمة التي ستذكره وتقدره أجمل تقدير، وتعظمه بما يستحق.
ستستفيد أجيالنا حتماً من قصة حياة وكفاح وتألق عبد الجبار عبد الله، ذلك الأنسان الكبير في علمه، المخلص والمتفاني في عمله، المتواضع في حياته وسلوكه..... ذلك الأنسان الذي انتقل بكل إصرار وتصميم وجد ومثابرة من مدارس محافظة العمارة في جنوب العراق إلى ذرى العلم السامقة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية