العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :43
من الضيوف : 43
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951999
عدد الزيارات اليوم : 4341
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الملحق الاقتصادي


السكن وإمكانية الإعمار في العراق

د. احمد ابريهي علي
نائب محافظ البنك المركزي العراقي
لقد تزايد متوسط دخل العائلة مع نمو الإنفاق الحكومي وانخفض الحجم النسبي للفئات فقيرة الدخل من مجموع السكان. ونتيجة لرخص العملة الاجنبية، ووفرتها والانفتاح التجاري اتسع استيراد السلع


الJجارية واقتناء السلع المعمرة. لكن المشاكل الاقتصادية التي يقتضي حلها تنمية القدرة الوطنية على الانتاج والاعمار مازالت تنتظر توجهاً مختلفا عما درجنا عليه. ان الوعي الاقتصادي في العراق، الرسمي وغير الرسمي، مشغول كلياً في الاحتياجات والإنفاق والشراء دون النظر الى امكانية البناء والانتاج والعرض المحلي للسلع والخدمات.

وفي هذا السياق اهملت المبادئ الاساسية للادارة الاقتصادية ومنها استدناء التكاليف لتحقيق الاهداف، او اقصى ما يمكن من الاهداف بنفس الكم من الموارد (التكاليف). وكلها تحيل الى الكفاءة بمعناها التقني الاقتصادي. والتي تستدعي زيادة انتاجية الموارد جميعها والتحسن المستمر في التصرف بها.
ان العجز في البناء التحتي والخدمات العامة والسكن هو الوجه الثاني للتخلف المريع في الاقتصاد العراقي، عند ازاحة العملة الاجنبية للمورد النفطي عن المشهد الإنفاقي، والوجه الثالث طريقة التفكير التي تتحاشى منطق الكم والكيف، وتمجد الخيال الشعري في مقابل ازدراء الحساب الاقتصادي، والوجه الرابع سلوك النخبة التي تسابقت بتمثيل مطالب التعساء على خشبة مسرح تجاري، وادعاء المشروع الوطني، ولم تكن الوطنية الاقتصادية من محاور النزاع والتوافق في ما بينها.
يقدر سكان العراق32,4 مليون نسمة او 4,7 مليون اسرة عام 2010، وبضمنهم من هاجر واغترب. وفي عام 2011 تضاف 146 ألف عائلة اخرى. وأفضل بداية نتصورها منطقياً لتحسين الوضع السكني بناء 175 ألف وحدة سكنية جديدة عام 2011 بمواصفات ملائمة صحياً وحضارياً. والعدد المقترح منه 107 آلاف وحدة لإسكان الزيادة في عدد العوائل بافتراض 137 اسرة لكل 100 مسكن، وهي اعلى كثافة إشغال وردت في وثيقة رسمية، وايضاً استبدال 2% من المساكن القائمة والتي يقدر عددها 3,4 مليون وحدة بعدد 64 الفاً. المساكن القائمة تتفاوت في صلاحيتها، وان 16,4% منها مسقفة بالخشب ومواد اخرى. و%65,3 من الاسر تعيش بمساكن مساحتها دون 200 م2، و61,3% من العوائل يشكون من قدم البناء، وتدني نوعيته، و69,1% منهم يعانون عدم كفاية الغرف، و16,4% من الاسر فقط راضية عن وضعها السكني. ان المعالجة المقترحة، والتي تبدأ ببناء 175 ألف مسكن جديد عام 2011، تستجيب بالحد الادنى وتدريجياً لاحتياجات السكان، ولكن سوف يتضح انها تصطدم بضآلة القدرة الوطنية على الإعمار. ولذلك نؤكد ضرورة تحول الادارة الاقتصادية نحو الانطلاق من الامكانية والعمل على تطويرها.
والعجز لا ينحصر في المسكن بل توجد صعوبات في بيئة السكن فمثلاً نسبة السكان المنتفعين من شبكة المجاري العامة لا تتجاوز 30% من المجموع، والباقي يعتمد وسائل اخرى ومنها ضارة بصحة العائلة والحي السكني. وان 56,4% من السكان يعانون المياه الراكدة والمستنقعات القريبة، و36,1% منهم يعانون النفايات قرب الوحدة السكنية. و33% من المساكن تقع على طرق ترابية. إن مشاكـل السكن لا تقتصر على المسكن بل والبناء التحتي والخدمات العامة. ولذلك لا يصح اجتزاء المسكن من النسق الحضري ونظام الخدمات العامة ونوعيتها وسهولة الانتفاع منها. لبناء 175 ألف مسكن بمتوسط كلفة 40 مليون دينار نحتاج 7 ترليون دينار، وهذا المبلغ يتزايد بتزايد عدد المساكن الجديدة تبعاً لنمو السكان وعدد العوائل، وذلك بغض النظر عن العوامل الاخرى ومنها تزايد التكاليف والاسعار. الاستثمار في السكن قد لايتجاوز 20% من مجموع الاستثمار في الاصول الثابتة. ولم يقترب العراق من هذه النسبة في تاريخه إلّا نادراً ولعدد قليل من السنوات. ما يعني ان العراق بحاجة الى رفع النشاط الاستثماري عموماً الى 35 ترليون دينار، 7 منها للسكن عام 2011، كي ينسجم مع ذلك المطلـب الذي لا تتوفر دلائل كافية عن امكانيته.
وثمة ضابط آخر للاستثمار في السكن وهو ألّا يتجاوز 6% من الناتج المحلي الاجمالي والذي يتطلب ان يصل مجموع تكوين رأس المال الثابت الى 30% من الناتج المحلي الاجمالي كي ينسجم مع المؤشر آنف الذكر. وهذه المستويات من الجهد التنموي تحاكي الصين حالياً، واحرزتها اليابان لعقد من الزمن بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية لعقد ونصف. وفي الولايات المتحدة عام 2003 كان الاستثمار في البناء السكني5,2% من الناتج المحلي الاجمالي. ولم يصل الاستثمار في السكن 6% منذ عام 1960 إلّا قبيل الازمة الاخيرة. وكانت السياسة الاقتصادية لتلك الدولة تتساهل في تيسير الائتمان بضمان المسكن مع مرونة عالية لاعادة التمويل، اي بيع المسكن من طرف المقترض وتحويل القرض على الحائز الجديد، لكن تراكم الاخطاء وآثار الفساد الاداري اسهما في تكوين الازمة عندما توقفت اسعار المساكن عن الارتفاع. أما في أوروبا فلم تتجاوز نسبة الاستثمار في البناء السكني 5% من الناتج المحلي الاجمالي ايام الانتعاش.
تستحوذ الابنية والانشاءات على 65% من مجموع الاستثمار في الاصول الثابتة بالمتوسط. وفي العراق قد تصل النسبة الى 70% او نحو ذلك. ورغم الحضور الطاغي للمساكن في فضاء المدن إلا ان كلفتها تتراوح بين ربع الى ثلث كلفة مجموع الابنية والانشاءات في عموم الوطن.
تعني تلك المؤشرات صعوبة تجاوز الاستثمار في السكن نسبة قصوى من مجموع الاضافة الى رصيد الموجودات الثابتة في بلد ما. لان الاستثمار في السكن يتنافس على موارد العمل والمواد والادارة والتنظيم مع انشطة البناء الاخرى في الطرق، والمدارس، والمستشفيات، ومياه الشرب، وشبكات الصرف الصحي، والسكك الحديد، والموانئ، والمطارات، وشبكات الري والبزل، والسدود والخزانات، وغيرها.
وتوجد تناسبات ضرورية في ما بين عناصر هذا المركب العيني، يمكن ملاحظاتها ببساطة في نظام الحياة، والتشكيل العمراني في اية مستوطنة بشرية وللوطن بأكمله.
يقتضي الحساب آنف الذكر بناء 922 ألف وحدة سكنية في خمسة اعوام وهي مهمة يقوم بها المجتمع العائلي وقطاع الاعمال الخاص بالدرجة الاولى. ولكن هذه المقترحات طموحة، فالحكومة الاتحادية والمحافظات لا تستطيع انجاز إلا العدد القليل من المساكن، والمصارف العراقية من غير المتوقع منها زيادة رصيد القروض الحالية للإسكان بأكثر من 2 ترليون دينار، في احسن الاحوال، أما فروع المصارف الاجنبية فنشاطها محدود، واقل استعداداً من المصارف الخاصة العراقية لتقبل مخاطر الائتمان. ويتطلب تحقيق الهدف اكثر من 5 ملايين طن من السمنت في السنة الاولى للبناء السكني دون غيره، وما يتناسب معها من مواد اخرى محلية ومستوردة وخدمات نقل لتلك المواد وغيرها، ما يدل على شدة التنافس بين السكن وأنشطة البناء والتشييد الاخرى، والذي يولد موجات تضخمية تبدأ عند نقاط الاختناق والشحة مع نمو سريع في التكاليف بالمعنى النقدي، وربما الحقيقي ايضاً، اذ قد يترافق ذلك التنافس مع انخفاض الانتاجية وتردي النوعية ونقض الالتزامات واطالة المدد الزمنية للبناء وتأخير الانجاز النهائي. ان اليد العاملة الماهرة في البناء قليلة في العراق، وهي الآن في حالة استخدام تام، واصبح الطلب الزائد عليها واضحاً في اضطرار ارباب العمل الى انتظارها.
وتفيد تلك التقديرات عدم إمكانية تحقيق نهضة في البناء السكني دون تطوير سريع، بإرادة سياسية وتدابير خلاقة، لمجموع القدرة الوطنية على الإعمار في العراق الى ثلاثة أمثالها بما يتناسب مع استخدام ما يزيد على 15 مليون طن من السمنت، سنوياً، لجميع انشطة البناء والتشييد وصولاً الى 20 مليون طن، ومواصلة بذل الجهد لضمان استمرار النمو. ومعلوم ان طن السمنت هنا بمثابة وحدة مرجعية لقياس حجم الإعمار السنوي.
في مؤشرات الحرمان التي استندت الى احدث المسوحات، والتي تعتمد الاسرة اساساً لها، كان الحرمان في البنى التحتية هو الاعلى وبنسبة 52,8%، وفي السكن 28,7% والحرمان في الوضع الاقتصادي 34,1%. ما يدل على ان مشكلة السكن هي احد ابعاد الوضع الاقتصادي الاجتماعي بأكمله، وينبغي ان تعالج على هذا الاساس.
ان العجز العمراني في بلادنا هائل فمثلاً وصل عدد المدارس عام 2008 الى 17913، ولا يتجاوز عدد الابنية المدرسية70% منها، بما في ذلك 656 مدرسة من الطين، وان 15% من الابنية المدرسية تقتضي الهدم واعادة البناء، و24% بحاجة الى ترميم شامل. ولذلك تشغل حوالي 36% من الابنية المدرسية في المرحلة الابتدائية و42% في المرحلة الثانوية بمدرستين (الازدواج) ومنها بثلاث مدارس. فكيف يمكن مواجهة العجز في، الابنية المدرسية عندما تكلف المدرسة مليار دينار، ومتى نتمكن من تأثيثها بالمستلزمات التي تليق بكرامة الانسان وترتقي بالمستوى التعليمي، اذا استمرت التكاليف على هذا النحو المخيف. ويقال الشيء نفسه حــول ابنية الخدمات الحكومية بشكل عام، وشبكات الصرف الصحي والطرق وغيرها.
 والحاجة ماسة للتوجه نحو إحراز قدرة وطنية كبيرة ونامية في الاعمار، وتقترن بالسعي الحثيث والمنهجي لتطوير صناعة المواد الانشائية وبدائلها واساليب البناء وادارته، وتشكيل شركات عالية الكفاءة وبالحجم الكبير للعمل في انشطة الإعمار كافة.
النمط السائد في العراق هو البيت المفرد، وما يطلق عليه التوسع الافقي، ويفسر بالعوامل الاجتماعية وسياسة الحكومة في توزيع قطع الاراضي للاسكان واجازاتها. ولكن غياب الانتاج الكبير في نشاط الاسكان هو السبب الاقوى. وظل العراق يفتقر الى شركات بناء، وشركات عقار، ولذلك بقي البناء السكني يعتمد الجهد العائلي في الادارة والتنظيم بل والتمويل، الى حد كبير، الى جانب قروض المصرف العقاري.
يعتمد سوق السكن على الدخل العائلي وقروض المصارف، وفي نهاية المطاف الادخار العائلي هو مصدر التمويل. لان القروض لابد من ان تسترد، فالعائلة في العراق، واي مكان في العالم، إما تعتمد على ماتراكم من مدخراتها السابقة لحيازة بيت جديد او تقترض وتسدد من مدخرات المستقبل. ولا تتوفر حالياً تقديرات عالية الاعتمادية حول الميل للادخار من الدخل العائلي ونسبة الاخير الى الناتج المحلي او الدخل الوطني.
ويبدو واضحاً ان المقترحات التي قدمتها هذه الحسابات طموحه اذ تتناسب مع وصول الدخل العائلي الى 50% من الناتج المحلي الاجمالي في العراق مع النفط. ويدخر 20% منه، ويخصص ثلثا الادخار لتمويل الاستثمار في السكن.
لابد من الاعتراف بأن سوق السكن في العراق لم يكتسب خصائص المنافسة بعد، وعند اجراء تحليل لعزل سعر الارض عن المبنى فان سعر الاخير، على الاغلب، ادنى من كلفة البناء الجديد. وهذه الظاهرة عرقلت تكوين شركات عقار، وحجمت نشاط الاستثمار بهدف البيع. ودوافع البناء تتركز في اشباع الحاجة الى خدمات السكن وحفظ المدخرات. اما البناء لغرض التأجير فهو ضعيف بدوره، ايضاً، لان صافي دخل الايجار الى المبلغ المستثمر منخفض في اغلب مناطق العراق اضافة إلى تعقيدات العلاقة بين صاحب العقار والمستأجر في العراق كما الحال في العديد من الدول الاخرى. إن الانتاج بالنطاق الواسع للمساكن لم يجر في العراق، بعد، كما ان سوق الرهن العقاري محدود بدور المصرف العقاري، والسلف التي قدمتها المصارف الحكومية وصندوق الإسكان الحكومي في السنوات الاخـيرة. والقطاع المالي، بشكل عام، متخلف ولا توجد اســواق لاوراق الدين. ومن المنتظر عند التحول نحو الانتاج الواسع تشكل روابط جديدة بين تغير اسعار المساكن ودوافع البناء ما يسمى المرونة السعرية للعرض، وتؤثر هذه العلاقة على الوضع المالي لمؤسسات التمويل والمخاطر التي تتعرض لها.
لم تصل اقتصاديات الاسكان بعد الى حد التأثير في انماط التفكير بشأن الاسكان وسياسات الدولة ذات العلاقة. وان الانفصام بين القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي (البناء والانتاج والتشغيل والاسعار والتكاليف) في التفكير والسياسة الاقتصادية من جملة ما يفسر تأخر النهضة في بلادنا.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية