العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :20
من الضيوف : 20
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951296
عدد الزيارات اليوم : 3638
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


حوادث وغرائب..رافقت دخول القوات البريطانية إلى العراق عام 1915

يعد المؤرخ البريطاني المعروف ستيفن همسلي لونغرغ من بين القلائل الذين تخصصوا في الكتابة عن تاريخ العراق الحديث. فقد جاء لونغرغ مع الحملة البريطانية التي احتلت العراق خلال الحرب العالمية الأولى وشغل منصب الحاكم السياسي في عدة أماكن في العراق اثناء الاحتلال كما عمل مفتشا اداريا في الحكومة العراقية التي تشكلت بعد قيام الثورة العراقية الكبرى


 ولم يلبث ان انكب على دراسة تاريخ العراق الحديث فاستطاع بالجهد المتواصل الشهير ( اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ) والذي يعد من المصادر الاساسية لتاريخ العراق في فترة الحكم العثماني ، ذلك الكتاب الذي ينبغي ان تخرج له ترجمة جديدة اكثر دقة واساس عبارة وسبكا من الترجمة الفجة التي اصدرها (جعفر خياط ) والتي يعوزها المزيد من التعليقات والتوضيحات المهمة. ولقد اعقب المؤرخ لونغرغ كتابة ذاك بكتاب جديد اصدره في سنة 1953 درس فيه اوضاع العراق خلال الفترة من سنة 1900 الى سنة 1950 الذي يعد مكملا حقا لكتاب (اربعة قرون من تاريخ العراق) ولقد اوشكنا على الانتهاء من ترجمة هذا الكتاب القيم الذي تناول، ولو بصفة موجزة أوضاع العراق في اخطر مرحلة من مراحل تاريخه الحديث ونعني بها مرحلة انسلاخه من الإمبراطورية العثمانية وقيام حكم وطني فيه للمرة الاولى بعد قرون عديدة من الاستبداد والخضوع للقوى الأجنبية الغريبة عن العنصر العربي بصفة أساسية.
وهذا الفصل الذي اخترناه من الكتاب يوضح لنا الفوضى التي سادت العراق خلال سنتي 1915 و 1916 نتيجة احتلا القوات الانكليزية أجزاء واسعة من أراضيه الجنوبية والوسط بما في  ذلك مدينة بغداد نفسها وبقاء القوات التركية ممسكة بالأجزاء الشمالية والشمالية الغربية الأمر الذي جعل العراق في تلك الفترة يخضع لحكمين متنافسين ومتصارعين صراعا مسلحا واسعا .
كان وقع المسرح العراقي وشعب العراق على الغزاة، غير ملائم بصفة عامة. فلقد تأثرت القوات من جميع الأصناف، بعزلة الصحراء التي تثير الاشمئزاز ، وبالفقر والقذارة الطاغيتين في القرى . ذلك ان المستويات الواطئة من الحياة، والصنوف المتدنية من البشر التي واجهتها تلك القوات فجعلتها تحكم عليها بانها كانت اناسا من الكسالى والشحاذين واللصوص المتذللين والدبوثين الذين كانوا يشاهدون في اطراف المعسكرات الانكليزية.
ولم تتأثر هذه الانطباعات بالعمال المغايرين بدنيا والتابعين لفيلق العمال العرب الذي تم تأليفه على وجه السرعة. ولا بحراس حوانيت الأسواق الطماعين، والابتزاز المجرد من الخجل والقاتل في الغالب، وتمزيق جثث القتلى في ميادين المعارك بأيدي أفراد العشائر الساكنين على ضفاف الأنهار.
لم يتيسر لأحد، عدا الضباط السياسيين، الالتقاء بالعناصر الطيبة والمواطنين المحترمين، ورؤساء العشائر او القرى الذين ظلوا يتمتعون بصفاتهم من الاحترام الشخصي والمرح والذكاء وان بقوا مع الأسف الشديد غير معروفين بالأغلبية الساحقة من أفراد القوات. فاذا لم يكن الجندي الهندي ورفيقه المسلم معروفا بصفة خاصة لدى سكان الجنوب من العراق ، فالضابط والجندي البريطانيان يكونان غريبين كلية بالنسبة لاختلاف طرائقهما وأمزجتهما ووقعهما ومستوياتهما عن الجنود الأتراك.
وعندما تتجمع الواجبات والمصالح المشتركة في الأداة النهرية مع الفرقاء المتعبين أو في اجتماعات المقاهي بأشكال جيدة من العنصرين سوية سرعان ما يسهل قيام علاقات ودية ولكن مثل هذه الحالات كانت جد نادرة. فقد ثبت عدم الإدراك والردع الذاتي المشتركين بين الجيش والسكان دوامهما بصفة مؤسفة حتى له تصرف افراد القوات المسلحة تصرفا حسنا ودفعت مبالغ وفيرة لكل السلع والخدمات. ولم تكن الرقابة صارمة من ذلك إسكان الجنود في المدن واتخاذ اجراءات الحصار لحماية التموينات من غارات العدو وفرض الإجراءات الصحية والحجر الصحي الشديد والسيطرة على الحركة والسفر وإنشاء الطرق عبر القنوات والتلف الذي تلحقه الإجراءات العسكرية بالحاصلات وبالبساتين كل ذلك كان من الأمور المحزنة المتواصلة.
وفضلا عن ذلك فان الاتصالات الأولى بالإدارة المدنية الوليدة "1" التي كان يديرها السر برسي كوكس ومساعده المخلص الذي لايكل السيد ارنولد ولسون قد طفى عليها انعدام اي تاكيد بان الاحتلال سيكون دائما . فما تاثر البريطانيون بالحذر وبالشكوك الصادرة عن الفرنسيين حتى كان صمتهم عن هذا الامر يعتبر مقدمة فعالة لتعاون نابع عن قلوب العراقيين . فقد يعود الاتراك الان . لكن كثيرين بل ان معظم البارزين من سكان المدن والعشار بدأ عليهم بانهم كانوا راغبين في اظهار افضل تعاون يمكن توجيهه ويكون مفيدا الى درجة قصوى "2".
لم تكن الحماسة الخالصة والمجربة لدى الضباط السياسيين القادمين والتي تعتبر من اغرب المفارقات إزاء أسلافهم الأتراك قد أحدثت أدنى ضرر بالمجتمعات التي لم تتعود الطمأنينة التي حصلت مؤخرا أو التطلع إلى أعمال السلب ثانية او الأعمال التي كانت تثيرها الدعاية التركية. فلقد كانت هناك أرتال تقوم بأعمال تأديبية كثيرة وغير ناجحة في بعض الأحيان وذلك لاقتناص المعتدين والمذنبين. وفي الوقت ذاته كانت الدوائر السياسية المقيدة سيئة التجهيز تغص بالكتبة من الهنود وتطفح بأصحاب الالتماسات وتشهد منذ الصباح حتى الليل قضايا التصرف بالأراضي والإيرادات والامور العشائرية والمحاكمات الإجرامية والقضايا البلدية ومهام الشرطة والمحاولات الجارية لمواجهة الطلبات العسكرية المتزايدة للحصول على المعلومات وبطاقات التجول والعمل والتجهيزات.
أدى احتلال مدينة العمارة إلى إدخال البو محمد وبني لام داخل نطاق الإدارة المدنية الجديدة التي كانت مطبقة قي الناصرية. اخذت العلاقات تتوطد بالتدريج . كان كثير من زعماء العشائر يخجلون من الاتصال بحكومة مسيحية مستحدثة . وقد استنكر البعض منهم مثل ذلك الاتصال، ورفض الاذعان لتلك الحكومة . في المتفق كان زيادة السيطرة بطئية وشاقة . لذلك تم ترتيب نوع من العيش بسلام بين رؤساء آل السعدون وفلاحيهم الاعتيادين ، فبرزت عن ذلك اداة بسيطة للادارة، وشرع بجمع الايرادات واصبح مستطاعا اقامة حكومات ادارية في الارياف يديرها مدراء من افراد العشائر انفسهم وحوصرت العداوات المريقة للدماء ، وجندت قوة من شرطة الهجانة كانت مقدمة لقوات المرتزقة في العراق "3" .
ولم يقع في البصرة او القرنة مايعكر الطمأنينة فيهما . اما في الصحراء فقد اصبحت قبيلة ( الظفير ) مسؤولة عن مسيرات الحدود ، وقد تم استدعاء (ابن الرشد) من قبل السر برسي كوكس لكي يطبق الصلح لكنه فضل أن يظل يدور في الفلك التركي.
وشرع في منطقة العمارة بتطبيق نظام المقاطعات الزراعية ، وذلك لعدم وجود اية تغييرات يمكن اتخاذها هناك ، وتم فرض الضرائب بنوع من الفطنة.
وبعد احتلال مدينة الكوت شرع باجتذاب الشيوخ الذين كانوا موالين للاتراك ، الواحد منهم تلو الاخر وذلك بعد ان حصلت تغييرات حاسمة في المواقف وبقي ( والي بشتكوه ) يحتفظ بالحياد الخاضع للمراقبة في حين كانت قبيلتا (زبيد ) و (ربيعة) في حالة انتظار للأحداث.
بقيت العلاقات مع الشيخ خزعل قوية وودية، وقد ساعدته له سلطته القبيلة التي تعرضت لهزات عنيفة في أوائل سنة 1915 . اما ( مبارك ) شيخ الكويت الذي ظل مخلصا للانكليز حتى النهاية فقد توفي في شهر تشرين الثاني 1915 . وقج تنازل ولده ( جابر ) الذي خلفه لمجة سنة واحدة ، عن الرئاسة الى اخيه ( سالم ) الذي تطلب موقفه الموالي للاتراك ، وجود قوات بريطانية في الكويت .
وبالنسبة الى عبد العزيز بن سعود فقد تم ارسال بعثة حسن النوايا كان يمثلها النقيب شكسبير من الادارة السياسية الهندية ، وذلك عن اندلاع نيران الحرب . ولكن آل سعود والرشيد في شهر كانو الثاني 1915 . ولذلك انشغل ابن سعود بالتمرد الذي حدث بين افراد القبائل الخاضعة له . وفي شهر كانون الاول سنة 1915 تم التوقيع على معاهدة اعتراف وصداقة متبادلين بين ابن سعود والحكومة البريطانية . وكان السر برسي كوكس هو الذي نظم تلك المعاهدة. وفي شهر تشرين الثاني 1916 ، وبعد استعراض حكومي في البصرة قرر البريطانيون منح ابن السعود كمية من الأسلحة، وهبة مالية تبلغ ستين الف باون كل سنة .
وذا قرر ابن السعود تأجيل التسوية مع ابن الرشيد فقد كان ينظر بعين الشك الى الثورة والادعاءات التي اظهرها امير مكة الطموح ذو الفكر الثاقب ، الحسين بن علي. غير ان ابن السعود نفسه ، ولأسباب نابعة من السياسات العربية ، لم يشارك في الحرب.
ادى تراجع الأتراك إلى انتقال كبار الموظفين من جنوبي العراق الامر الذي جعل الذين يمارسون اعمال النهب ، والممتنعين عن دفع الضرائب ، يقدمون على إتلاف السجلات الحكومية. ولذلك كان عللا الادارة الجديدة أن تبدأ من لا شيء . وكان استبدال اللغة التركية الني كانت سائدة ، بما في ذلك قضايا تخمين الإيرادات ، لأنه كان يتعذر وجود ما هو أفضل منها.
كان يجري استيفاء الرسوم الكمركية بنسبة عشرة في المائة عن جميع مدخولات السلع المدنية . وقد بقي الفصل في قضايا الإجرام في يد الحاكم العسكري والضباط السياسيين ومساعديهم .
من بين الشروط التي ألغاها قرار تركي نشر في كل إنحاء الإمبراطورية التركية اثر اندلاع نيران الحرب، قرار يقضي في ذلك الوقت بعدم الحاجة أو السؤال. أما بالنسبة إلى قضايا التي تقع بين رجال العشائر، فقد تم تطوير قانون خاص هو نظام المنازعات العشائرية الذي ظل ساري المفعول لسنوات عديدة. وكانت القضايا المدنية تجري معالجتها على يد محاكم أنشئت حديثا في مراكز متتابعة ويتم تنفيذها باللغة العربية. كذلك تم إنشاء تشكيلات للشرطة، وللشرطة المحلية تحت إشراف الضباط البريطانيين في كل من العمارة والناصرية. اما قوات ( الجندرمة) التي عرفت باسم (الشبانة) فقد ظلت تطبق الأوامر تحت إشراف الضباط السياسيين، وتمارس مختلف الخدمات في المدن الصغرى والأرياف الواقعة على ضفاف الانهار.
كانت قوات الشبانة في منطقة العمارة ذاتها قد تألفت من الشيوخ البارزين أنفسهم. أما في القرنة والاهوار فلم يكن أفراد الشبانة هؤلاء من أبناء العشائر. وفي الناصرية وسوق الشيوخ أضيفت إلى قوات الشرطة فيهما تشكيلات من الخيالة العشائريين تحت إمرة القيادة العسكرية.
ومثل هذا الاهتمام تم بذله حسب المستطاع، وفي وقت مبكر ايضا، تحو المتطلبات الصحية حيث تمثل في صفة مستوصفات ومستشفيات تقوم بخدمة السكان المحليين، وكذلك الإصرار على التمسك بالأمور الصحية، والسيطرة على التزود بمياه الشرب في المدن، واتخاذ الإجراءات المضادة لمرض الملاريا والإمراض الوافدة الأخرى.
وتم في البصرة إنشاء مصلحة متوسطة للأنباء حيث تم إصدار صحيفة باللغتين العربية والانكليزية "4."
وأقدم المصرفان الشرقي والعثماني الإمبراطوري على فتح فروع لهما في مدينة البصرة، وسرعان ما أعقبهما في ذلك المصرف الفارسي الامبراطوري "5" وبدأت في سنتي 1915 و 1916 مدارس ابتدائية قليلة تمارس أعمالها. وقدمت الهبات الى مدرسة التبشير الاميركية في البصرة "6" وكذلك الى المدارس التي تديرها الأقليات المسيحية واليهودية هناك.
غير ان الاحتلال البريطاني لم يكن في هذه المرحلة ليشمل سوى أجزاء صغيرة من العراق. أما بقية الأجزاء فقد بقيت تحت إشراف الحكومة التركية التي تعاظمت عسكريا وفظاظة ووهما. فقد غادر بعض المقيمين الاجانب في بغداد قبل اعلان الحرب الى كل من البصرة والمحمرة وبقيت الطائفة البريطانية مصونة غالبا عندما انفجرت الحرب ، ولم يلبث الرجال من افرادها ان غادروا الى سوريا، حيث استطاع جمال باشا والي بغداد السابق، والمعروف بصفة شخصية لدى معظم البريطانيين بتدخله ان يضمن إطلاق سراحهم من دون أدنى قيد أو شرط، في حين عاد الى العراق، وكان من بين هؤلاء المقدم سون وارثر تود اللذان عادا الى البصرة عن طريق مصر "7" اما النساء البريطانيات فقد مكثن في بغداد حتى شهر آذار 1917 حين تم ارسالهن الى اسطنبول ليبقين فيها بقية أيام الحرب 
ولقد تعرضت المصالح الأجنبية، وكذلك مصالح معظم العراقيين المحتازين لخسائر فادحة، نتيجة القيود المفروضة واعمال المصادرة الشديدة، والاغتصاب الذي يندر أن يدفع اي تعويض عنه. وازداد سوء معاملة الأتراك للسكان تبعا لتعاظم الحركة القومية العربية، فاشتد الأتراك في سخطهم نتيجة عدم مبالاة العرب د، اما سوء موقفهم ازاء الجهد الحربي الذي كان حكامهم يبذلونه. فقد تم حل (اللجنة الحرة) "8" في سنة 1916 و أوقفت اعمال البعثات التبشيرية الاجنبية ، الكرملية منها اليهودية والبروستنتية في بغداد والدومنيكية في الموصل وفرض الحظر على نشاطها . وتم فرض التجنيد بشدة على الطبقات التي كانت معفاة منه قبلا ، واوجدت التعبئة العامة ، المزيد من المصاعب الكثيرة .
وتم تعزيز الاعلان البكر للحرب المقدسة ضد الكفار من لدن جميع الوعاظ في اي مسجد يعود الى طائفة السنة ام طائفة الشيعة ، يستطيع  الاتراك التاثير فيه . وثم خلق احساس شعبي او ديني الا انه كان ضعيفا ولفترة قصيرة في مدينة البصرة خلال سنة 1915 . ولكن هذا الامر برهن على انه ممكن في ظل هذا التنكر ، وذلك بنعبئة بضعة الاف من افراد العشائر المتعطشين الى اعمال السلب ، من اواسط العراق ، ويضع مئات من جنوبي كردستان وانضمامها الى القوات التركية التي كانت تقاوم في الشعيبة وفي عربستان "9" .
ولقد كانت القوة الحربية لهؤلاء غير ذات بال ، وكان نتاجها عبارة عن حدة إضافية بين الأتراك والعرب، وفشل مشروع الجهاد بصفة نهائية. ذلك ان رجال العشائر عادوا الى اهليهم مطمئنين بعد ان تاكدوا ان هربهم لن يعرضهم للاذى على ايدي البريطانيين المحتلين بصفة مؤقتة . ذلك ان كثيرا من شيوخ العشائر قد بدلوا ولاءهم عدة مرات – اذا كان حسدهم ، وتصرفاتهم العقيمة في التشبث تستحق ان تذكر – وهكذا استمر الاتراك يغدقون المنافع على عجمي السعدون وابن الرشيد ، ويحرضون الرجال في اواسط الفرات على مقاومة الغزاة الكفار . ولقد جوبهت هذه الجهود بالخلافات العميقة القائمة من ناحية ، وبالدعاية البريطانية من ناحية اخرى . وكذلك بالاتصالات العشائرية السابقة التي لم تنتج عنها اية نتائج حربية .
وفي الوقت ذاته تطورت في المدن المقدسة حالة خطيرة جدا بالنسبة الى الاتراك . ذلك لان حقد الاتراك على رجال الدين في النجف وكربلاء لم تخف حدته بعد . فقد وجد الهاربون من صفوف القوات التركية ملجا لها في مدينة النجف ، وجرت محاولة لانقاذهم مما اضاف المزيد من اعمال الاغتصاب والشغب الحادة ، والانتقام التي احدثت العطب بالابنية المقدسة .
ولم تلبث الحشود الحانقة ان تغلبت على القوات التركية ، ونهبت دوائر الحكومة ، واقامت حكومة مؤلفة من بعض المواطنين البارزين . واخذت حركة الثورة ضد الاتراك تنتشر الى كربلاء وغيرها ، نتيجة الدعم الواسع الذي حظيت به من لدن افراد العشائر . وطردت الحامية التركية والموظفين الاتراك ، واحرقت منازلهم ودمرت ممتلكاتهم . ولكن هذه الحرمة لم تتطور الى عمل موحد وسرعان ما خمدت واستطاع الاتراك ، بعد فترة من المصالحة والتهدئة ان يستعيدوا سلطتهم الاسمية .
وتطورت المراسلات في شهر ايلول سنة 1915 بين الناطقين باسم المدن المقدسة والسر برسي كوكس ، حيث عرض اولئك الناطقون بعبارات تصويرية رفيعة، نقض ولائهم للاتراك في حين قدم لهم السر برسي كوكس هبات من الاموال لقاء ذلك .
بعد ستة اشهر اخرى انفجرت الاضطرابات مجددا في كربلاء ، فقد ادت محاولة اعتقال بعض الاشخاص الى اعمال عنف ثم طرد الاتراك من المدينة خلالها مجددا . واعقب ذلك حدوث الأعمال نفسها في كل من النجف والحلة . ولقد كانت الحلة مسرحا لمأساة ظل الناس يتذكرونها مدة طويلة . ذلك ان القوات التركية التي ظهرت خارج المدينة في شهر تشرين الثاني 1915 قد أقدمت على اعتقال عدد من الرجال المعروفين في المدينة فشنقت بعضا منهم ، ثم ضربت قسما من المدينة ونهبته.
اما في شمالي العراق فان الحياة الاقتصادية وتجارة المرور إلى فارس قد تعرضت الى كارثة نتيجة تعطيل خط البصرة التمويني ، الامر الذي ادى الى تراكم الحبوب والتمور المعدة للتصدير في الوقت الذي تعاظم فيه نقص المنسوجات والأدوات والحاجيات الضرورية المستوردة وبذاك شلت الحركة التجارية وصاحب حركة اصدار العملة الورقية التي فقدت ، احتكار وحشي للذهب وللمواد التي لها قيمتها ، وبذلك غدت الحياة بزيادة الضغط على الاقليات ، وبظهور اللاجئين الأرمن بالمئات نتيجة المذابح التي وقعت بينهم وبين الأتراك في الأناضول خلال سنتي 1915 – 1916 .
ولقد وجد بعض هؤلاء اللاجئين مستقرا لهم في المدن ، في حين تفرق البعض الاخر بين افراد العشائر . واضطر الحكام الضعفاء المعتصرون الى تجاهل الاوامر الصادرة اليهم بالقضاء على تمرد العشائر ومع ذلك كانت توجد بعض الضربات الموجهة من قبل الحكومة التركية . فلقد تم القاء القبض على الشيخ عبد السلام البرزاني "10" وتم شنقه واعقبه في ذلك الشيخ احمد نصف الابله . في حين راح سيد طه النسيري ينشد الهرب .
اما منطقة راوندوز التي غزتها القوات الروسية ، التي انفصلت عن العمليات الجارية في المناطق الفارسية ، فقد دمرت تدميرا كاملا بسبب ما ارتكبته تلك القوات الروسية من أعمال بربرية.

مجلة افاق عربية
اذار 1981



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية