العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :63
من الضيوف : 63
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31728335
عدد الزيارات اليوم : 3533
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


عزيز علي كما عرفته (لقطات وآراء) - الحلقة الأخيرة

خالص عزمي
في 26 تشرين الاول ـــ أكتوبر ــ من عام 2010 تمر الذكرى الخامسة عشرة على رحيل الفنان والشاعر والملحن العراقي البارز المرحوم عزيز علي؛ وما هذه الأسطر الا باقة ورد عطرة يفوح شذاها على قبره اعتزازا وتكريما.


آراء
ثانيا ـ النثر
بعيدا عن تصريحات وحوارات عزيز على في الصحف والاذاعة ؛ هناك ثمة آراء قيمة أخرى طرحها في طبعتين من كتابه؛ الاولى بعنوان ( عزيز علي ـ أقواله ؛ سيرته ؛ فنه ) والصادرة عام 1990 عن دار النهضة ـ بغداد ــ ؛ والثانيــــة بعنوان ( عزيز علي ـــ تاريخ وتراث ) بخط يحيى سلوم العباسي والصادرة عام 1991 عن مطبعة مصدق الجنابي ـ بغداد ـ وهي مزيدة ومنقحة؛ هذا بالإضافة إلى أحاديثه التي قدمها من تلفزيون بغداد عام 1966 نحت عنوان
( في رحاب الفن). وكذلك بعض المقدمات التوضيحية لعدد من أقواله الملحنة:
من هذه النثريات ومن بعض حوارياته معي أستطيع أن أوجز في أدناه أهم وابرز ما طرحه على بساط البحث من آراء سبكت بلغة عربية فصيحة ...؛ طالما أعجبنا بها وبرصانتها وهي منجمة بالآتي :
 * بديهي أن الغناء ليس مجرد ميوعة ورخاوة عابثة؛ينساب بشكل آهات والتواءات صوتية؛ ترتفع وتنخفض؛ بانسجام ورتابة حينا؛ وتدوي بلا ربط؛ وبلا توافق مع معاني الكلم في بعض الأحيان. فالغناء أسلوب رقيق من أساليب التعبير عن المشاعر والأحاسيس ينفذ (إذا ما أحسن الملحن تلحين كلمات الأغنية؛ واجاد المغني أداءها) الى شعاب القلوب؛ ويشق طريقه الى أعماق النفوس. وهو إلى جانب ذلك مرآة تعكس صور الحياة العامة في بلد المغني؛تتجلى فيها أماني شعب ذلك البلد وآراؤه ومــــيوله وأهدافه .
* إن مما لاشك فيه هو أن تحريم اختلاط الجنسين في مجتمعنا؛ إلى عهد قريب؛ (إلى سبعين سنة مضت) وعزل المرأة عن الرجل؛ وإخفاءها وراء الستر والحجب والبراقع ـ واعتبار التقاء المرأة بالرجل؛ لأي غرض كان خروجا عن العرف والتقليد؛ ثم أن المحاولات التي بذلها المستعمر في سبيل إذلال نفوسنا؛ وتحطيم معنوياتنا ؛ واشاعة روح التخاذل والتواكل في مجتمعنا؛ لم تذهب هباءً؛ فقد عكست نتائجها أنغام أغانينا؛ المثقلة بالتأسي ؛ والتظلم ؛ والندب والنواح. والأدهى من ذلك إننا كنا في العراق ـ مثلا ـ إلى سبعين سنة خلت؛ نعتبر ممارسة الموسيقى كمهنة للتعيش والارتزاق؛ بحكم تقاليدنا؛ ضعة وسبة على المواطن الشريف .
* مونو ــ لوج ؛ كما يعلم الكثيرون؛ مصطلح يوناني لاتيني؛ مركب من كلمتــــــين (مونو) تعنــــي واحد ـ فرد
و(لوج ـ لوجوس) تعني (الكلام أو الخطاب) وتركيبهما مع بعضهما يعنيان ( المقال ـ الخطاب).
والمونو لوج؛ هذا هو كأي مقال؛ وكأي خطاب؛ يجوز أن يكون نثرا؛ ويجوز أن يكون شعرا؛ ويصح أن يلقى إلقاءً؛ كما يصح أن يلحن تلحينا؛ حسب متطلبات الحال؛ ومقتضيات المقام؛ شريطة أن يستهدف غاية معينة مفيدة. كما لابد له ؛ كأي عرض يراد له النجاح؛ أن يخرج إخراجا مبتكرا مقبولا؛ فان لم يلتزم المقال (المونولوج) بهذه الشروط الرئيسة؛ فقد قيمته الموضوعية وأصبح لغوا وخلطا. لم يكن هذا اللون من الغناء معروفا في أوساطنا الشعبية ولا مألوفا؛ حتى برز في إذاعة بغداد؛ منذ تأسيسها في الأشهر الأخيرة من سنة 1936؛ شاعر شعبي من طراز جديد ؛ أخذ يزاول نظم وتلحين أشعار ؛ تختلف وزنا ولحنا ومعنى عن أزجالنا الشعبية؛ محدودة المعنى والمرمى؛ وقتذاك؛ سرعان ما تجاوبت أزجاله وأقواله مع مشاعر الناس؛ بمختلف أعمارهم ومداركهم ؛ شيوخا وشبابا ؛ رجالا ونساءً؛ المتعلمين منهم والأميين. كان ذلك الشاعر هو أنا ( عزيز علي). *ولا يدفعني إلى النقد سوى مشاهداتي مواطن الخطأ والزلل في الأقوال والأفعال غير الإنسانية التي تصدر ممن يدعي الإنسانية. فأنا لم انفك؛ منذ ميلاد إذاعة بغداد في أواخر سنة 1936، أستعرض بأقوالي الملحنة مشاكل حياتنا الاجتماعية؛ وأذكي بها الروح المعنوية في المواطنين الأخيار؛ وألهب مشاعرهم الوطنية والقومية؛ معلنا الحرب على الاستعمار والصهيونية. ولم يسكتني الحيف الذي لحقني من جلاوزة السلاطين؛ طيلة كل هذه السنين .
* فلسطين : كان اعتداء الصهاينة المسلح على العرب الآمنين العزل؛ في ارض فلسطين العربية؛ واستيلائهم على أموالهم وممتلكاتهم؛ من عمارات ومعامل ومزارع وبساتين؛ وقتلهم الشباب والشيوخ؛ وذبحهم الأطفال الأبرياء أمام أمهاتهم ذبح الخراف؛ وطعنهم بطون الحبالى من النساء بالسكاكين وبالحراب؛ حسب الخطة التي رسمها المستعمرون؛ أثناء الحرب العالمية الثانية؛ قد أثار استياء العالم الحر واستنكاره. فسارع شباب العراق متطوعين ؛ لنجدة إخوانهم العرب هناك.
كان ذلك عام 1949. (لابد من التذكير بان عزيز علي بادر عندها بإذاعة ندائه وتوسله إلى الأمة العربية؛ يستنفرها للثأر بمقاله الملحن ـــ فلسطين ـ )
* كان المسؤولون عن رقابة الصحف في مديرية الدعاية العامة في العهد الملكي يعمدون؛ في ظروف خاصة إلى شطب فقرات من المقالات المزمع نشرها في الصحف المحلية؛ ويقتطعون صفحات كاملة من المجلات العربية والأجنبية في محاولة لطمس الحقائق وحجبها عن الشعب. وفات الرقباء أن هناك إذاعات عربية وأجنبية شرقية وغربية تنقل للأعمى والبصير؛ للعالم والجاهل؛ للامي وللمتعلم ما يدور هنا وهناك في العالم من وقائع وأحداث. وقد تعلق على تلك الوقائع وتكشف حقائقها ومراميها فتنور ّ الأفكار وتفتح الأبصار. فبادرت بإذاعة مقالي الملحن بعنوان (الراديو) .
* حول المقام العراقي: قلت له لم أؤيدك فيما ذهبت إليه حول جذور فن المقام ولا تعميمك حول جهل قرائه وأميتهم وانصرافهم إلى السطحية غير المفهومة في قراءة الشعر والبستات المكررة؛ ولكنني أفهم نقدك اللاذع لبعض القراء دون غيرهم؛ ولكنني افهم دعوتك لرفع الدمدمات والهمهمات والعبارت والكلمات الاعجمية من صلب المقام لكي يكون بلغة صافية لا حوشي ولا غريب يفسدها؛ قال فناننا الكبير: بالطبع لا يمكن لي أن أعمم هذا الرأي على الجميع؛ ولكنني اقصد الأكثرية الساحقة منهم؛ فبعد أن فتحت بعض المعاهد الفنية؛ لابد أن تنحسر فوضى الأمية بين قراء المقام؛ ولكن الذي لن أغير فيه رأيا هو ضرورة رفع جميع الكلمات الأعجمية من المقام لكي ينسجم هذا مع القول بأن جذوره تمتد إلى العصر العباسي؛ بل وأبعد؛ ثم هناك وجهة نظر أصر عليها؛ ما هي الضرورة إلى التحرير (مقدمة المقام) قبل الدخول في صلب المقام؛ إذا كان باستطاعة الموسيقى أن تحل مكانه؛ أليس ذلك أجمل بان تسمع الأنغام الموسيقية بديلا عن ذات الصوت الذي يحرر ثم يغني نفسه المقام , وأضيف الى ذلك ايضا ؛ انني لا ارى كل المقامات تفيد الخطاب الرومانسي في التعبير عن الشوق ؛ خذ على سبيل المثال هذه الصورة لجندي يعود لتوه منهكا من الجبهة ويريد أن يغني لحبيبته أو خطيبته كلاما فيه لوعة وهيام؛ فتجده قد وقف أمامها لفترة من الزمن وهو يحرر لها مقاما يحتوي على كمية غير مفهومة من الكلمات الاعجمية أو او من الهمهمات والدمدمات ( ياريار يار يار ... الخ) ليقول لها بعد ان يشويها شياً (أنا احبك)؛ هل ترى أن ذلك ينسجم مع روح العصر؛ ثم لماذا هذا التكرار الممل للبستات ذاتها في كل مرة ومن اغلب القراء إلا يمكنهم استحداث كلمات أخرى وأنغام أحدث (يا زارع البزنكوش أو داري داري انا داري؛ أو دك الحديد على الحدي تسمع له رنه؛ ما ريده ما ريده الغلوبي؛ ... الخ)؛ هنا توقف وقال هذا أهم ما عندي الآن: قلت له: احترم وجهة نظرك ومنطقك؛ ولكن هذه هي طبيعة الكلاسيكيات الغنائية لكل امة من الأمم التي لها تراث تقدمه للجمهور في كل أنحاء العالم؛ وأنني معك فقط في رفع الكلمات الأعجمية من المقام وإبدال بعض البستات؛ بأغنيات تكون رقيقة في التعبير وصيغة الكلمة مما يتلاءم وروح العصر؛ أما التحرير الذي يسبق المقام فهو جزء من قدرة المغني على الابداع في المقدمة قبل الدخول في المقام المختار للإنشاد؛ واراه ضروريا اذا ما استبدلت كلماته بأخرى مفهومة المعنى؛ بل حتى لو اقتصر التحرير على مجرد صوت منغم دونما أية كلمات. قال وهو ينظر إلى أعلى: أنها وجهة نظر تمسك بالعصا من الوسط ؛ وهي مقبولة قد تحل الأشكال .
* آخر مقال : كتب عزيز علي ( في المصدر الذي نوهنا به من قبل ) عن آخر ما ألقاه من الإذاعة هذا موجزه: لم تكن
ثورة 14 تموز 1958 مفاجأة كبرى للكثيرين من ابناء العراق الاحرار الغيارى ؛ لاسباب كثيرة ليس هذا مجال ذكرها؛ أقصد ان الثورة كانت متوقعة في كل حين؛ وكان طبيعيا أن أبادر بتأييدها من يومها الاول؛ لاسيما وقد سمعت المذيع في الإذاعة ينادي صاحب التلفون رقم 58385(وكان هذا الرقم هو رقم تلفوني وقتئذ) و يطلب حضوري الى الاذاعة فورا. ..... وحيث أني لم أكن اعرف أهداف هذه الثورة؛ ولا اعرف هويات القائمين بها؛ سوى انها ثورة على فساد الحكم؛ وانها بالتـــالي ثورة على الاستعمـــار وأذنابه؛ فقد صرخـــت مع الشعــب بوجــه الاستعمار قائـــلا لــه
( نو.. لا) لهنانة وبس؛ والقيته إلقاءً؛ اذ لم يتسن لي الوقت الكافي لتلحينه؛ وفي صباح اليوم التالي؛ القيته ملحنا .
بحيل الله وزود الشعب وعزم الأبطال.
راح من اليوم وعاد نحقق الآمــــــال
ونجمع شمل الامة العربية بكل الاحوال
يا وطن أحنا بها اليوم بكل شي نبخـس
بالمال بالاولاد نبخـــس بالنفـــــــــس
نفدي كل شـــــي لأجلك انته المقدس
الخاتمة : لقد دعوت في مرات عدة وانا اكتب عن بعض الشخصيات العراقية المهمة والمؤثرة؛ ان تلتفت الجهات المسؤولة ؛ الى تخليد مثل هؤلاء الافذاذ ؛ فتقيم لهم متحفا او أكثر للحفاظ على تراثهم ونشرما خلفوه من نتاج على مختلف ألاصعدة والاساليب كتلك التي سبقنا اليها العالم المتحضر في طريقة الاحتفاء والتكريم ليس الآني منه حسب؛ بل والدائم وهو الاجدى . والفنان الشاعر المبدع عزيز علي هو لاشك واحد من تلك الكوكبة العراقية اللامعة في سماء العراق ؛ ممن يستحقون مثل هذا التكريم .
وإثراءً لهذا المقترح فأنني اطرح هنا بعضا من أساليب الإفادة من تراث هذا الفنان المبدع واستذكاره؛ ومنها: تأسيس موقع الكتروني للتعريف به وبنتاجه؛ تعليم فنه تلحينا وأداءً في معاهد الموسيقى المتوفرة؛ طبع و نشر اشعاره باعتبارها صيغة خاصة في طريقة التعبير وأسلوب النظم؛ تحديد يوم خاص لإقامة حفل تردد فيه أقواله كما كان يلقيها من قبل نخبة من الفنانين الشباب كتقليد يدلل على الوعي بقيمة الأهداف التي تبناها إضافة إلى القيمة الفنية التي تستحق كل التقدير.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية