العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951295
عدد الزيارات اليوم : 3637
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


د. نــوري جعفـر.. حياة حافلة بالعطاء

ان الرؤية التي تبناها الدكتور نوري جعفر والمتمثلة بالصعوبات الكثيرة والكبيرة في استيراد التكنولوجيا من الدول الصناعية المتقدمة باسعار باهضة وبمواصفات غير ملائمة احيانا وذلك لاستخدامها باقصي حد من السرعة بكوادر بشرية غير مهيأة التهيئة التكنولوجية الكاملة وتطبيقها على مجتمع ما زال هو الاخر غير مهيأ لها من الناحية السايكولوجية.


معنى هذا اننا نواجه قضايا اجتماعية وسايكولوجية كبيرة بالاضافة الى استيراد التكنولوجيا باسعار باهظة جدا. هذه السلبيات التي نوردها جراء الاستهلاك الكبير والمباشر للتكنولوجيا الغربية وتطبيقها على مجتمع متخلف تكنولوجيا وثقافيا وبامكانيات بشرية مدربة تدريبا محدودا من الناحيتين الكمية والنوعية تمثل كارثة كبيرة على المجتمعات العربية ومن جهة ثانية فان هذه الجهات المصدرة للتكنولوجيا تستخدم هذه التكنولوجيا كورقة ضاغطة اقتصادية على الدول المستفيدة اي انها شركات احتكارية كبرى تسعى للحصول على ارباح فاحشة. كما تسعى ايضا  لضمان الحصول على تلك الارباح لفترة طويلة من الزمن عن طريق التصدير والتشغيل والقيام بالصيانة للتكنولوجيا المصدرة حيث ان هذه الشركات لا تبين كيفية صيانة اجهزتها اذا احتاجت للصيانة الا عن طريق مهندسيها وفنييها وعمالها مما تستمر لديها فترة الحصول علي الارباح الكبيرة وهذه رؤية نهضوية كبيرة عمل عليها نوري جعفر نرى تطبيقاتها على ارض الواقع، حيث استمعت الى وزير الكهرباء العراقي في ظل حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي:كريم وحيد حيث صرح اننا اردنا التعاقد مع شركة هيتاشي لنصب محطة كهرباء متكاملة في العراق ولكن ارادوا منا التعاقد معهم ايضا على ان يكون كادر صيانتها وتبديل مستلزمات المحطة مستقبلا كله علي كادر هيتاشي وعدم تدريب اي مهندس عراقي للعمل في المحطة مما يدلل كلامنا هذا علي صحة ما ذهب اليه نوري جعفر وحداثة ما اطلقه من افكار قبل اكثر من 30 سنة وما زالت افكاره حية بيننا اليوم.
كذلك من توصيات الدكتور نوري جعفر التي يريد من خلالها تطوير البحث العلمي والتربوي للحصول على التكنولوجيا المطلوبة هي:
1 ــ ان تقوم مؤسسات البحث العلمي ومراكز البحوث في الاقطار العربية وبالتعاون مع المؤسسات التربوية الاخرى لاسيما الجامعات بدراسة شاملة وعميقة لخبرة الدول المتقدمة في مجال التكنولوجيا من الناحية التاريخية بجانبيها الايجابي والسلبي وذلك لتفادي الوقوع في الاخطاء التي وقعت فيها تلك الدول في فترة تاريخية سابقة.
يجب ان تتم عملية نقل التكنولوجيا وتطويرها وان نتجنب نقل ادوات تكنولوجية قديمة الطرازات او ان نستورد ادوات تكنولوجية متقدمة جدا وباهظة الثمن ومعقدة التركيب بالنسبة للعنصر البشري المتوافر لدينا الذي يستخدمها،والا نستورد ادوات تكنولوجية مبسطة على اساس انها تلائم مرحلتنا التاريخية الراهنة دون النظر الى امكانيات تقدمنا في المستقبل.نوري جعفر قد نظر ايضا الى موضوع التنمية المستدامة من خلال كل ما طرح سابقا من افكاره قبل ظهوره بعشرين سنة وايضا اراد من الدولة كتحقيق جانب تنموي من خلال الحفاظ على البيئة بعدم استيراد ادوات تكنولوجية من خصائصها تلويث البيئة وان نتوخي الدقة في اختيار مواقع اقامتها وتشغيلها كما استخدم كلمة ((التكنولوجيا النظيفة)) و((التوزيع التكنولوجي النظيف)) مما يدلل على انه كان مهتما بتنمية البيئة كاساس للتنمية المجتمعية علما انه استخدم المصطلحين آنفي الذكر كانطلاقة اولى باستخدامهما حيث ان هذين المصطلحين لم يستخدما من قبله على حدود علمنا.
اذن نوري جعفر قاس التنمية في البلاد العربية علي اساس التنمية المستدامة للموارد البشرية في جميع قطاعات التاهيل والعمل والانتاج، وحجم التوظيف المكثف والبحث العلمي والتكنولوجيا والعلوم العصرية،وقد دلت تجارب التنمية الناجحة في جميع دول العالم على ان التعليم العصري والاعداد او التدريب الجيد، والادارة الحديثة هي التي ترفع بشكل بارز نسبة الدخل الفردي والقومي.
ودائما وفي اي موضوع لا ينسى نوري جعفر التراث في جانبه التنويري للافادة منه في جانب التنمية والتعليم وكانه يريد ان يقول ايها العرب ان ماضيكم بماحمل من بعض الخصائص هو افضل من حاضركم بكثير ومن جملة ما يذكره من حوادث تاريخية تهتم بالجانب التنويري التنموي هي الحادثة التالية:

في قضية الانهماك العلمي
ان ابن سحنون كان منهمكا في القراءة والكتابة في احد الايام الى ان حان موعد العشاء فجاءته جاريته بالعشاء فقال لها :يا ام مدام انا مشغول عن العشاء بما انا فيه. فوقفت صامتة على رأسه فلما طال انتظارها اخذت تلقمه الي ان اتت علي الطعام كله.وانصرفت واستمر هو على حاله الى ان اذن المؤذن لصلاة الصبح، فطوى اوراقه وقال: يا ام مدام هات الان ما عندك من العشاء. فقالت: اطعمتك اياه يا سيدي.فقال والله ما شعرت بذلك وحالات اخرى طريفة وكثيرة يذكرها نوري جعفر مهمة تدل على اثر الانهماك في العمل العقلي في رفع مستوى ثقافة المرء.
وبالتالي فان مطالبات نوري جعفر بالانغماس العلمي ومن خلال التاريخ تأخذ مديات واسعة جدا تتطلب عملا روحيا مستمرا كما في حادثة ابن سحنون المارة الذكر،والعلامة نوري جعفر وقع في مسألة اساسية ينبغي الاشارة اليها وهو انه تكلم عن موضوع التنمية والمؤسسات التربوية في العالم العربي ككل ولم يأخذ بالحسبان خصوصية كل بلد عربي فيما يخص مسألة التنمية ودور المؤسسات التربوية فيه.فكان لزاما عليه ان يأخذ هذه الخصوصيات للبلدان العربية على الاقل يجد المتشابه والمختلف بين بعضها البعض لا ان يطلق تعميمات كاملة حول وضع المؤسسات التربوية في العالم العربي ككل كما فعل في ارائه الواردة في هذا الفصل ولكن تبقى هذه الآراء اساسية في عملية النهوض التي ترجوها المجتمعات وينبغي اقتفاء الكثير من الآراء هذه ووضعها موضع التنفيذ لتحقيق نهضة اساسية في عمل المؤسسات التربوية في العالم العربي ومن ثم ايجاد نهضة اقتصادية مرجوة وتنمية اساسية في هذا المجال.

العراقيون أمام الدستور
يعرض نوري جعفر فقرات من الدستور العراقي المكتوب في العهد الملكي ومنها الفقرة السادسة :لا فرق بين العراقيين امام القانون وان اختلفوا في القومية والدين واللغة ويذكر المواد المتعلقة بالحريات من حرية ابداء الراي والنشر والاجتماع وتاليف الجمعيات والانضمام اليها ويركز كثيرا على عرض فقرات الدستور وذلك لانه اعتبر ان الدستور كوثيقة هي عبارة عن مبدأ او مجموعة مبادئ تتفق عليها الامة، وعرض نوري جعفر مواد الدستور مركزا فيها علي المواد المتعلقة بجوانب الحريات الشخصية وصيانة هذه الحريات ومواد المساواة بين كل العراقيين والسيادة للامة علي نفسها. مبتغيا من وراء ذلك ان يركز المتلقي على جوانب المبادئ التي تخص الحريات الاساسية.كما ويعرض من باب المبادئ حقوق الانسان الذي وضعته هيئة الامم ويركز على هذه الحقوق التي تخص المساواة والحريات، ومما يميز قراءة نوري جعفر هذه انه يقارن بين المبادئ النظرية التي تضمنها الدستور العراقي الملكي ووثيقة الامم المتحدة وبين واقعها العملي وتصرفات من يدعون انهم يحملونها من ذوي النفوذ وهذا ما سندخل في تفاصيله فيما بعد من هذا الفصل.
والمبدأ في نظر نوري جعفر كالكائن الحي من حيث نشوؤه وضعفه واندثاره يبدأ ضعيفا فاذا كتب له النصر وصادفته ظروف عامة محلية وعالمية ملائمة نما وانتشر وازدهر فالمبادئ تظهر ضعيفة من الناحية المادية ليست لدى اصحابها او حملتها قوة مادية كبيرة في الرجال او السلاح او المال بالنسبة لخصومهم لنشرها بين الناس ولهذا نجد حملتها يستندون لغرض التبشير بها في هذه المرحلة من مراحل نشاطهم المادي والفكري على المنطق النظري والمناقشة والاقناع بوجاهة مبادئهم وخطل المبادئ التي يناوئونها وتتسع الدعوة الي المبدأ الجديد مع الزمن كلما كثر عدد المؤمنين به. ويتم ذلك بالطبع على حساب المبدأ الذي يناوئونه فضعف احدهما معناه قوة الاخر. فاذا كتب البقاء للمبدأ الجديد فانه ينتقل بعد ان يصبح له اتباع ومؤيدون الى المرحلة الثانية: ويسميها نوري جعفر ((مرحلة الاستناد الي النار والحديد )) وهي تسمية خطيرة جدا اذا ما قارناها بالاسس التي نشأت عليها الاديان أي قوة السيف والسلاح.وهذا يعني انه ينتقل الي المرحلة الثانية،القوة المادية المسلحة ويتوقف نجاحه في هذه المرحلة على ضعف القوة او القوى التي تنازعه البقاء فاذا كتب له الظفر فان ذلك يؤدي الى تقوية الاقلية التي تحمله تقوية مادية ومعنوية، تلك الاقلية التي جمعتها وحدة الايمان بالمبدأ الجديد او وحدة المصالح المشتركة التي تتمثل في الدفاع عنه ماديا وفكريا، بالسيف والقلم واللسان، الامر الذي تنبثق عنه اكثرية تابعه بمرور الزمن رغبة او رهبة وتتكرر المرحلتان الآنفتا الذكر بالتتابع اذا ما حاول اصحاب المبدأ الجديد الخروج عن الحدود الجغرافية للموقع الذي نشأ ذلك المبدأ فيه، وهنا يضع نوري جعفر مقارناته الخطيرة عندما اعتبر ان الاسلام اجتاز المرحلتين الانفتي الذكر في النطاق المحلي والواسع على السواء واجتازت الديمقراطية والشيوعية المرحلتين المذكورتين في النطاق المحلي واجتازتا المرحلة الاولى في النطاق العالمي، وهما الانفي المرحلة الثانية في هذا النطاق الواسع الكبير. فبالتالي المبادئ الناشئة حسب رؤية نوري جعفر تبدأ ضعيفة ثم تقوى شيئا فشيئا يقومها من هو منتفع من المبادئ السابقة ويحتنها من هو سينتفع بالمبادئ الجديدة وسرعان ما تنهار المبادئ القديمة اذا ما كتب الظفر للمبدأ الجديد بغض النظر عن المفاضلة بين القديم والجديد وبغض النظر كذلك عن سلامة الجديد او عدم سلامته من الناحية العملية.
كما يعرض نوري جعفر الى الجوانب النفسية في حالتي الثواب والعقاب وضرب الامثال اثناء السلم والحرب التي يستند اليها من حيث الاساس اصحاب المبادئ الجديدة او المبشرون بها في الاسلام فيذكر كل آيات العقاب الواردة في القرآن وكذلك آيات الثواب وكذلك الآيات التي تدل علي الحرب ولبس لامتها. ويعتبرها جوانب نفسية بحته استثمرت نوازع الخوف والامل في ان واحد عن طريق العقاب والثواب للافراد الذين تناجيهم.

سلوك الجنس البشري
ويربط نوري جعفر ربطا مهما بين المبادئ والدعوة الى الاصلاح للاوضاع القائمة الفاسدة بمقاييس حملة المبادئ فوسيلة اصلاح المجتمع الفاسد عن طريق المبدأ الديمقراطي تختلف كثيرا عن وسيلة اصلاحه عن طريق الشيوعية أي ان المبادئ ذات اهداف عامة متقاربة من حيث الاساس غير انه لا تتفق دائما في الوسائل.
كما يعتبر نوري جعفر ان قضية تغيير بعض المبادئ القائمة في الدولة كالدساتير وبعض القوانين من اجل الاصلاح للاوضاع القائمة لهو امر اساسي وضروري،وكانما هو يناغم مرحلتنا الحالية،فلا ضير ان يغير بعض فقرات الدستور او بعض القوانين في سبيل ارساء بعض الاصلاحات المهمة في البلاد والا نبقى على الاوضاع الفاسدة القائمة بحجة عدم استطاعتنا تغيير الدستور.ويعرض لبعض جوانب تعديل الدستور الامريكي ولما لهذا التعديل من اهمية لانه اتاح قدرا اكبر من الحريات ومنها تعديل المادة التاسعة عشرة منه في عام 1920م وفيها ادخل حق المرأة في التصويت لانتخاب اعضاء مجلس النواب.ثم ان نوري جعفر يبحث عن الجوانب التطبيقية للمبادئ ويحث على ايجادها والا تكون المبادئ هي عبارة عن حبر على ورق فالغاية من ايجادها هو التاثير في سلوك الجنس البشري الحاكمين والمحكومين على السواء عن طريق تطبيق نصوصها. وعلى هذا الاساس يمكننا ان نقول انه لا قيمة للمبادئ مهما بلغت من السمو في محتوياتها النظرية من الناحية الواقعية اذا لم يتسن لتلك المبادئ ان تتبناها فئة من الناس نظريا وعمليا. كما يشير نوري جعفر اشارة سايكولوجية مهمة تتعلق ببناء الانسان كأساس لبناء المجتمعات وهي ان المبادئ نستطيع ان نضخها للمجتمع عبر تغذيتها للاطفال الذين ينشأون بحكم تفاهتهم بمقاييس الكبار من الناحيتين المادية والمعنوية مزودين بمرونة الخضوع للمبدا الجيد اما غرس المبادئ في الكبار المعتادين على اخلاقيات مجتمع معين فهذا امر يتطلب الكثير من المجهود. وينبغي ملاحظة سلوك الافراد كدلالة دالة علي تشربهم بالمبادئ الجديدة ومدي التزامهم بها، وينبه نوري جعفر انه اذا كتب النصر للمبدأ الجديد انضوى تحت لوائه (بالاضافة الى المؤمنين به ايمانا صافيا) بعض الوصوليين او الانتهازيين حفظا لمصالحهم القديمة او املا بالانتفاع في كسب مغانم جديدة كما ان هؤلاء الانتهازيين يكونون من اكثر الناس محافظة على المبدأ الجديد لضمان مصالحهم فتبدأ حالات صراع مجتمعية بينهم وبين الناس بدعوى حفاظهم علي المبادئ الجديدة وبالتالي فهم لا يختلفون عن سابقيهم من العهد القديم. ويعلق نوري جعفر على هذه المسألة قائلا بما نصه ((فكأن التاريخ البشري، من ناحية المبادئ والرجال، صراع بين فئات من الناس ترتبط كل منها بروابط فكرية خاصة ــ يسميها كارل مانهايم ــ في علم الاجتماع detached perspectives فاذا انتصرت فئة ما على من ينافسها فان ذلك يعني انتصار المبدأ الذي تؤمن به او تتظاهر بانها تؤمن به. وهذا يتضمن ان يصبح المبدأ المنتصر هو المبدأ السائد على ما يري نوري جعفر في المجتمع فيخضع له السكان راضين او متذمرين اما من الناحية الفكرية فيعتبر نوري جعفر ان القائمين على المبدأ القديم يسعون الى تقوية ايمان الناس بالمبدأ السائد الذي يرتكز عليه النظام القائم، ومما يجعل مهمتهم ليست بالعسيرة هو ان اغلبية الناس لا تميل الى تغيير ما الفته من عقائد وتقاليد، واذا كانت جماهير الناس بالعهد البدائي (الذي مر به الجنس البشري لاتميل الي تغيير وسائلها المادية واساليبها الالية في الحياة وهو ما يطلق عليه اسم: technological piety دع عنك مبادئها في الدين والسياسة والاخلاق فان الانسان الحديث ما زال رغم تحرره من الخضوع للجانب الآلي غير راغب من الناحية النفسية في تبديل عقائده وافكاره بشكل سريع. وفي هذا يشير نوري جعفر ومن خلال هذه الافكار الى ان الناس يألفون ما طبعوا عليه او كما يسميه سلامة موسى ان الناس الفوا الكسل فلا يستطيعون التغيير لمجمل افكارهم وعقائدهم لذلك فان التغيير الفكر او المبدأ السائد بآخر افضل منه يعتبر من الشجاعة والاستطاعة الانسانية القوية لذلك ربط نوري جعفر المبادئ بالرجال، والرجال حسب رؤية نوري جعفر ينقسمون قسمين من ناحية صلتهم بالمبادئ: اصحاب المبادئ بغض النظر عن نوعها وسلامتها، والوصوليون او الانتهازيون الذين مبدؤهم عدم قبول مبدأ معين اللهم الا مبدأ اللامبدأ. اما اصحاب المبادئ فيصنفهم نوير جعفرالى قسمين :اصحاب المبادئ الفاضلة أي التي تهدف الى نشر العدالة الاجتماعية بين الناس ورفع مستوياتهم المادية والفكرية دون تمييز الا على اسا س الايمان بها،واصحاب المبادئ الفاسدة. وهنا يقول نوري جعفر بما نصه معلقا على هذه الافكار : (( وعندي ان علي بن ابي طالب يقع في قمة الصنف الاول.ويقع الشيطان (كما جاءت سيرته في القرآن )في قمة الصنف الثاني )) ونوري جعفر قد تحدث عن مبادئ علي بن ابي طالب في عدد من الكتب منها (علي ومناوئوه) (والصراع بين الامويين ومبادئ الاسلام) و(فلسفة الحكم عن الامام). ويعتبر نوري جعفر ان الشيطان صلب في الدفاع عن عقيدته على الرغم من سخافة عقيدته بمقاييسنا الاسلامية ــ على حد تعبير ــ ويذكر من القران الايات التي ذكر بها الشيطان

2
يعد الكلام عن التنمية من الاساسيات المنتظرة لاي مفكر او باحث في المجالات الحداثوية او النهضوية والتنمية هي ليست فقط في المجال الاقتصادي بل التنمية الثقافية والتنمية السياسية والتنمية المجتمعية والتنمية الاقتصادية وتعد التنمية الاقتصادية من اهم انواع التنميات بل يعتبرها بعض المفكرين المحرك الاساسي لانواع التنميات الاخري فلا تحدث تنمية مجتمعية او ثقافية او سياسية دون وجود تنمية اقتصادية ولو اننا نذهب الى ان اساس التنمية في المجتمع هي السياسية فبالاصلاح السياسي تتكون التنميات الاخرى وتتعاضد في تشكيل الهوية النهضوية للمجتمعات وسنبحث في هذا المجال اكثر في كتابنا القادم (التنمية واقع اممي)، ما يهمنا هنا ان نشير الى ما ذهب اليه نوري جعفر في اهمية التنمية في المجتمعات كاساس استراتيجي للبناء مما يدلل على ان التنمية تسهم اسهامة مباشرة واساسية في قضية النهضة ومما يدلل ايضا على رؤية نوري جعفر الثاقبة كرجل اصلاح ونهضة والا لما فكر في موضوع حيوي كموضوع التنمية.
وهو يبحث بالذات بموضوعه الاساسي التربوي واثر المؤسسات التربوية بإحداث نهضة اقتصادية فهو يدعو الى اقامة ربط عضوي بين مؤسسات التعليم لاسيما العالي وبين خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة وبين العلوم الطبيعية والتكنولوجية من جهة اخرى لاهميتها طبعا في تحقيق التنمية الاقتصادية فهو يشير الي مجموعة من الاراء منها الترابط الكبير بين العلوم التطبيقية كالفيزياء والكيمياء كما اشار نوري جعفر الي مسالة اساسية من ناحية حلول النزعة التعاونية بين العلماء بدل زمن العلماء الافذاذ، كما انه يلزم المجتمع بالنظر الى العلوم بجانبيها النظري والتطبيقي من حيث كونها ظواهر اجتماعية تاريخية لا مجرد ظواهر علمية نظرية وتطبيقية ضيقة،وقد ثبت تاريخيا ان تحقيق اي تقدم اجتماعي اقتصادي وثقافي في اي مجتمع لا يتم بمعزل عن الاستعانة بالعلم النظري والتكنولوجي فالعلم بجانبيه كان ومازال وسيبقي وثيق الصلة بالتقدم الاجتماعي، ويعطي نوري جعفر اول نتيجة حول موضوع التنمية مفادها ان الفرق الرئيسي بين الدول المتقدمة والنامية او المتخلفة يكمن في مدى استخدام كل منها العلم والتكنولوجيا في جوانب حياتها المتعددة،

استنزاف الموارد الطبيعية
كما يولي نوري جعفر اهمية قصوى للبيئة التي تحوي الانسان وان التكنولوجيا المعاصرة اخذت تحتل بالتدريج المركز الاول في علاقات الانسان بالبيئة الحية والجامدة المحيطة به مع ما يرافق ذلك من آثار سلبية مثل تلويث واستنزاف الموارد الطبيعية وتشويه جمال الطبيعة الامر الذي ادى الى اعادة النظر في علاقة الاننسان بالبيئة لضمان بقائه واستمرار تقدمه ذلك لان الطبيعة في الحقيقة هي ام الانسان الرؤوم لا خصمه اللدود وهذا التركيز الاساسي على البيئة واهميتها للانسان من الاول اولويات التنمية الحديثة وقد اشار اليه نوري جعفر قبل اكثر من 30 سنة، الامر الاساسي الهام الذي ذكره نوري جعفر هو فيما يتعلق بالصلة بين العلم النظري والتكنولوجي من جهة وبين المؤسسات التربوية الوثيقة من جهة اخرى. فالمؤسسات التربوية تمد العلم بالعنصر البشري الكفوء والمدرب وتستمد منه معطياته النظرية واجهزته المختبرية والوسائل التعليمية اما العلاقة بين المؤسسات التربوية وبين العلم النظري والتكنولوجي من جهة وبينهما معا وبين التقدم الاقتصادي من جهة ثانية يتمثل بداية في ان المؤسسات التربوية اصبحت في الوقت الحاضر لا بد منها لتكوين القوة البشرية العاملة في مختلف جوانب الحياة وتزويدها بالمعرفة العلمية النظرية والتكنولوجية التي تستلزمها المهن المختلفة كما ان المؤسسات التربوية تزود العاملين في الصناعة والزراعة وحقل الخدمات العامة في الطب والتعليم والمواصلات بالمعلومات العلمية التي لا يستغني عنها الانسان المتقدم المعاصر وكونها تساهم ايضا بشكل فعال في تكوين المواطن الصالح بمقاييس مجتمعه وهذا يعني ان المؤسسات التربوية تقوم بمهمة مزدوجة او ذات جانبين متلاحمين ومتبادلي الاثر يتعلق اولهما بالجانب الاجتماعي الانساني للفرد ويرتبط الآخر بالجانب المهني الوظيفي المحض.
ويثير نوري جعفر سؤالا مهما مفاده ايهما اسبق من الناحية الزمانية وايهما العامل المؤثر الذي طور صاحبه اهو التقدم العلمي ام الاجتماعي؟ فالآراء الاجتماعية المتقدمة هي الاسبق هذا ما ذهب اليه نوري جعفر وقد اشار نوري جعفر الى هذه القضية في كتابين من كتبه هما : دور المؤسسات التربوية في مجال التنمية الاقتصادية في الوطن العربي والتقدم العلمي والتكنولوجي ومضامينه الاجتماعية والتربوية واشار الى هذا الموضوع بنفس المعلومات نصا مما يدلل على ظاهرة التكرار التي اشرنا اليها فيما سبق والتي وقع فيها نوري جعفر الى درجة كبيرة،كما ان الاسبقية في موضوع الافكار الاجتماعية والعلمية كنا قد اشرنا اليها في الفصل الاول من هذا الكتاب.

الدراسة العلمية الشاملة
كما ان التقدم العلمي النظري يتفاعل بدوره مع العلوم الانسانية ومع الفكر الاجتماعي العام.
كما ان نوري جعفر يطلق مجموعة من التوصيات لتطوير العمل التربوي في الوطن العربي وذلك لانه الاساس للبناء الاقتصادي وهذه النقاط استخلصناها من فكره يمكن ايجازها بالتالي:/
1 ــ نبذ المفاهيم التربوية العاجزة القديمة التي تعبر عن نفسها في عزل التعليم عن الحياة وخاصة المدرسة عن المجتمع وعزل تربية العقل عن تربية الجسم.
2 ــ ربط العلم بالفن والادب والعمل المستمر على ادراج عمل المؤسسات التربوية ضمن خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تستند الى الدراسة العلمية الشاملة والعميقة التي يقوم بها ذوو الكفاية والخبرة والاختصاص.
3 ــ إعداد العنصر البشري الى اقصى حد للمساهمة في عملية التطوير الاجتماعي المنشودة مع العلم ان العملية التربوية ذات مردود اجتماعي بطيء ولكنه مضمون.ومعلوم ان المواطن المتعلم هو افضل من نقيضه وأكفأ في الانتاج فالعملية التربوية تؤدي الي الاسراع في التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لانها تمدها بالعنصر البشري الكفوء والمدرب.فالتنمية والتربية اذن عمليتان متلاحمتان ومتبادلتا الاثر او هما وجهان مختلفان لعملية اجتماعية واحدة.
4 ــ التربية بنظر نوري جعفر أشمل من التنمية الاقتصادية وهذه قفزة فكرية للعلامة تدلل بشكل كبير على نظرته البنائية والنهضوية للمجتمع فهو يركز على عملية بناء الانسان التي هي الاساس لبناء العمران،ويعلل هذا الرأي لان التنمية الاقتصادية لا تمس الا جانبا واحدا من جوانب العملية التربوية هو الجانب الكمي وهو جانب مهم دون شك وإن لم يكن الاهم من وجهة نظر نوري جعفر.اما جانب التربية فيمس الجانب الفكري والثقافي وتكون المواطن الصالح بمقياس مجتمعه.
5 ــ تعديل مناهج الدراسة واساليب التعليم حتى وان كانت تلك اجراءات حاسمة وجذرية.
6 ــ تغيير جديد في العنصر البشري المتمثل في المعلم الجديد الشاعر بمسؤولياته الاجتماعية والثقافية والقادر على انجازها بفطنة وكفاية من جهة وفي موقع الطالب نفسه في العملية التعليمية من ناحية مساهمته الفعالة في استثمار نشاطه الى حده الاقصى استثمارا نافعا له ولمجتمعه من جهة اخرى
7 ــ اعادة النظر في كليات التربية ومعاهد اعداد المعلمين وابعاد الموضوعات العقيمة والعناصر العاجزة عنها لاعداد المعلم الكفوء ولاجتذاب افضل العناصر البشرية للعمل في مهنة التعليم لاثرائها وتطويرها ولاعداد جيل مزود بالعلم وبحب الوطن والشاعر بمسؤوليته الاجتماعية اوالمتكامل الشخصية المتعددة الجوانب والذي يساهم ايضا في تقدم المعرفة العلمية، وفي مجال الادب والفن والعلوم الانسانية.
8 ــ تهيئة المواطن ليكون قادرا على مواجهة الاحداث بحزم وصرامة لتخطي الصعوبات التي تعترض سبيله مع التعود على التعاون لانجاز العمل المثمر وعلى المثابرة والتطلع دائما الى معالى الامور واحترام النفس والترفع عن الصغائر التي تشين الرجال.

اختيار ناجح
9 ــ تحبيب مهنة التعليم للشباب بجلب العناصر الكفوءة للالتحاق بكليات التربية ومعاهد اعداد المعلمين وللاحتفاظ بالعناصر الكفوءة الموجودة في الخدمة الفعلية وللحيلولة دون تسربها الى خارج المهنة.
10 ــ بث الوعي التربوي في صفوف الناشئة منذ مرحلة الدراسة الثانوية عن طريق الندوات والمناقشات والمؤتمرات لتهيئة اذهان الطلاب وتكوين قدرتهم على اختيار ناجح للمهن التي تلائم كلا منهم في المستقبل وبضمنها مهنة التعليم بالطبع.
عن كتاب نوري جعفر
رجل النهضة والاصلاح



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية