العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :24
من الضيوف : 24
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27991980
عدد الزيارات اليوم : 8233
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


مشروع نوري جعفر الوطني

د. جمال حسن العتابي
تحتل تنمية الثروة العقلية واستثمارها محل الصدارة في جهد العلامة (نوري جعفر)، واصبح هذا الهاجس محور اهتمامه الفكري والعلمي طيلة انشغاله في البحث العلمي الرصين، وانصرف كلياً للكشف عن المواهب والكفاءات وتنميتها وتوجيهها ورعايتها علمياً وتربوياً ومهنياً ،


ذلك لانه يعد العنصر البشري جزءاً لايتجزأ من الثروة الوطنية ، ولأجل ضمان تحقيق هذا الاستثمار على خير وجه وفق منهجية علمية مبرمجة، قدم نوري جعفر المئات من البحوث والدراسات الى المؤسسات العلمية والهيئات التربوية، داخل العراق وخارجه ، لكي تتحول تلك الأفكار الى واقع ملموس يرنو ببصره اليه، ليتحول الى حقيقة ماثلة، امام عينيه، ولأنه كان يعي تماماً الصعوبات الجمة التي كانت تعترض سبل الكشف عن مصادر الابداع واعاقتها، بسبب العقلية المتخلفة السائدة التي تدير او تشرف على ميدان العلم ومؤسساته وكثيراً ما تعرض بسبب منهجه هذا الى المضايقات والملاحقة، او التهميش من قبل السلطات الحاكمة، ودفع بسبب ذلك ثمناً باهظاً فاختار الغربة، ايضاً، وعاش بعيداً عن وطنه، بألم وحسرة وهو يشهد ما أحاط بالوطن من ظلمة وخواء .
يقول الراحل نوري جعفر: كان املي كبيراً بأن يصبح مشروعنا في المستقبل غير البعيد مثالاً نموذجياً رائعاً يحتذى به في ارجاء البلاد العربية والدول النامية ، وان يتحول ايضاً بصورة تدريجية الى اكاديمية علمية، ينصرف اعضاء الهيئة التدريسية فيها وطلابها الى اجراء ابحاث علمية اصيلة رائدة نظرية وتطبيقية تقنية، ويعني بذلك مشروعه الوطني في اساليب الكشف عن المواهب العلمية وطبيعتها، وكان يحلم بأن يعرض العراق في هذا المشروع منجزاته العلمية النظرية والتكنولوجية في المحافل العلمية الدولية . تتلخص فكرة هذا المشروع بدراسة المواهب وتحديد ماهيتها، والتي يعرفها، انها قدرات عقلية نادرة او فريدة يتصف بها بعض الناس وتعبر عن نفسها عند النضج بأحد الشكلين الاساسيين وهما:
الكشف عن رابطة خفية موجودة بين شيئين ماديين مألوفين لم يكشف عنها احد من قبل . والمواهب برأيه ارتباط عضوي بالخيال الذي هو في جوهره الجانب غير الواقعي في حياة الفرد العقلية ، وان كانت عناصره مستمدة في الأصل من البيئة الطبيعية والاجتماعية التي يعيش فيها الأنسان، معنى هذا ان الخيال يعبر عن نفسه في التأليف او الجمع غير المألوف بين أشياء محسوسة متباعدة عن بعضها في الزمان والمكان لغرض اظهارها باشكال جديدة غير مألوفة ايضاً، وللخيال درجات متباعدة صاعدة ، وكلما كان الخيال أكثر بعداً عن الواقع في الرياضيات او الشعر مثلاً ، كان ارقى .
 ومثلما يشير (فاخر عاقل ـ الابداع وتربيته) وهو يبحث في طبيعة العمل الابداعي وشروطه، الذي يعرفه بـ (الدهشة الفعالة) فانه يضع التخيل او الحدس ، كأحد المعايير المهمة في خلق هذه الدهشة او مقترناً بها .. فالتخيل بنظره تصور امور غير موجودة امام العين مماحدث في الماضي، او سوف يحدث في المستقبل. ومعنى ذلك القدرة على تكوين صور او مفاهيم عقلية لأمور او أشياء لم يختبرها الانسان . أي اننا نستحضر في اذهاننا لا الاشياء الممكنة فحسب بل والاشياء او الحوادث البعيدة عن الواقع الحالي، التي هي ببساطة امور خلقها خيالنا .
ويضيف عاقل: الحق ان مصطلح (التخيل) يعني دوماً تجاوز الحقائق المعطاة ، اضف الى ذلك كله اننا نصف الابداع الفني بالتخيل، ونعني بذلك الابتكار والخلق . ان التحليل الدقيق يرينا، ان التفكير المتخيل هو في الواقع جزء مهم من التفكير ضمن انظمة مغلقة.
 أخذ البحث في وظائف الدماغ الحيز الاكبر في انشغالات  نوري جعفر العلمية، في ضوء علوم الدماغ الحديثة. وكانت جل طروحاته تنفي وجود قدرات رياضية وغير رياضية  نظرية كامنة في طبيعة الفرد، او مسجلة على صفحة المخ ، فمحتوى القدرات العقلية جميعاً ينشأ بالاكتساب البيئي وان الخصائص المخية لاصحاب المواهب لاتؤدي من نفسها، الى انتاج اي شيء الا اذا وجدت الظروف البيئية الملائمة واستثمرها صاحبها الى حدها الاقصى في الموضوع الذي يجنح نحوه منذ سن مبكرة مع العلم ان تلك الخصائص موجودة بشكلها العام لدى جميع الافراد الاسوياء بدرجات متفاوتة. ان القدرات العقلية برأيه ليست قوة فطرية مسجاة بتحجر على صفحة المخ ، بل هي تنشأ وتتطور في مجرى الحياة اليومية، وان الفروق الفردية في هذه القدرات لاتدل على شيء آخر، سوى ان الاشخاص قادرون على القيام بجميع اوجه النشاط العقلي بدرجات متفاوتة وان كل شخص سوي أقدر من غيره ( ومن نفسه ايضاً) في مجال معين منه في المجالات الأخرى فبعض الطلاب يتخطى اقرانه في بعض الموضوعات ويتخلف عنهم في موضاعات اخرى، وبامكانه ان يتخطى نفسه في موضوع او أكثر من موضوعات الدراسة ، وان يكون مبدعاً فيه، وهذا يستلزم اتاحة فرص تعليمية واجتماعية ملائمة لجميع الطلاب ليستثمر كل منهم رصيده المخي الى حده الأقصى في الموضوع الذي يميل اليه.
 وفي ضوء ما تقدم يؤكد نوري جعفر ضرورة تجهيز الطالب منذ اليوم الأول في تعليمه مادة الرياضيات ـ كونها الميدان الأكثر واقعية في الكشف عن المواهب ـ بمواد حسية بصرية كثيرة ومتنوعة، وجعله يتعامل معها تمهيداً لحصول الصور الذهنية والحسية والبصرية والتعامل معها بدل الأشياء المادية.
ويستلزم كذلك تدريب الطلاب على فهم معاني المصطلحات الرياضية الملائمة وتجهيزهم بثروة لغوية رياضية مناسبة وتبسيط صوغ المسائل الحسابية والعناية بدقة التعابير المستخدمة والابتعاد عن استعمال الالفاظ والعبارات الغامضة تفادياً لحصول الالتباس في اذهانهم . وهو بذلك ينبه الى عقم أساليب التعليم في مراحل الدراسة الابتدائية ، وبخاصة في الصفوف الثلاثة الأولى، لذا كثيراً ما كان يدعو الى ان يغير المعلم موقفه السلبي من الطالب الى موقف ايجابي يتسم بالحنان والتوجيه وبعث الثقة بالنفس لنتمكن من التغلب على صعوبات التعلم والدراسة.
 ويطرح نوري جعفر اساليبه المتنوعة في رعاية الموهوبين ، منطلقاً بذلك من تجارب عالمية في هذا المجال ، وجد في تطبيقها ، او الافادة منها ، معيناً مهماً في ابتكار اساليب جديدة تتناسب والواقع المحلي ، وتكاد تجمع تلك الاساليب على رعاية الموهوبين من خلال اثراء مفردات منهج الدراسة المعتاد ، باضافة موضوعات جديدة ، او التوسع في موضوعاته او باعتماد اسلوب التعجيل (التسريع) وذلك بالسماح للطالب بالانتقال الى صف اعلى من صفه في اثناء العام الدراسي الواحد.  فضلاً عن الرعاية الخاصة بالنشاطات اللاصفية خارج اوقات الدوام المحدد، في ضوء برامج معدة علمياً لهذا الغرض.
ويستلزم تنفيذ هذه الاساليب القيام بمسح شامل للقدرات المتميزة في كل مدارس العراق، وتسجيل الحالات الأكثر وضوحاً في تلك القدرات منها: الرغبة الواضحة في موضوع الرياضيات والفيزياء والميل الملحوظ نحو تعلم واتقان المهارات الاساسية، كذلك القدرة على تعميم المادة الرياضية المتعلمة، والمرونة في اجراء العمليات الرياضية وادراك جوهرها والقدرة على ابتداع اساليب جديدة لحل المسائل الرياضية، والالمام بالعلاقات الرياضية العامة وبأساليب التفكير الرياضي، كذلك القدرة على اختزال خطوات العمل الذهني والميل نحو ادراك العالم الخارجي ادراكاً رياضياً، او تحليل الظواهر البيئية وعلاقاتها تحليلاً رياضياً، والقدرة على ممارسة التفكير بشكل مقلوب، او معكوس اي السير من المجهول والرجوع به الى المعلوم، فضلاً عن الجرأة او الاقدام على اقتحام المجهول. مع ضرورة توفر استقلالية التفكير الرياضي والاتصاف بالمبادرات الشخصية والابتعاد عن التقليد او المحاكاة او التطبيق الميكانيكي على الحالات الجديدة.
 إن احد الاسباب التي دعت نوري جعفر التركيز على حقلي (الرياضيات والفيزياء) في كشوفاته العلمية، هو ايمانه المطلق بان تقدم الشعوب، وتمكنها من بناء حضارتها لم يأت عن فراغ، او مجهول، بل اعتمدت كلياً في برامجها وخططها العلمية على ذينيك العلمين، ووضعتهما في ميدان التطبيق الفعلي والعملي.
وهكذا ظلت الدول المتقدمة تتسابق من أجل تحقيق افضل الانجازات بفضل هذين العلمين ، ولابد من الاشارة الى الرأي الذي كان يرجح سر تفوق (الاتحاد السوفيتي) آنذاك، على الولايات المتحدة في مجال غزو الفضاء، ايام الحرب الباردة ، هو تفوق علمائه الرياضيين والفيزيائيين على زملائهم في الدول الأخرى، وربما يمكن القول  بتأثر نوري جعفر بالمدرسة (السوفيتية) ـ اذا صح التعبير ـ
بعد ان سنحت له الفرصة بعد تموز 1958 للاطلاع مباشرة على تلك التجربة ، وهو لايخفي هذه الحقيقة حين قدم لكتابه (طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف) الصادر عام 1978 إذ يقول: أتاحت لي ثورة 14 تموز فرصة الاطلاع المباشر عن طريق اللغة الانكليزية على منجزات الفكر السوفيتي في علم النفس وفسلجة الجهاز العصبي المركزي، فكانت حصيلة ذلك هذا الجهد الفكري المتواضع. ويكاد يلمس المتتبع لسيرة حياة هذا العالم ملامح جديدة في مواقفه السياسية والاجتماعية  فيها انحياز واضح لقضايا شعبه ويتجلى هذا الانحياز في تعاطفه الكامل مع بافلوف حينما يستعرض حياته اذ يقول عنه: ومع ان بافلوف كان رجل علم مختبري تجريبي، إلا أنه مع ذلك لم يعزل نفسه او علمه عن الحياة الاجتماعية التي كانت تجري من حوله  فارتبط بالجماهير بكل جوارحه وعواطفه النبيلة واعد العمل الشريف الذي يدر على صاحبه الرزق الحلال اثمن شيء في الدنيا، ومقت البطالة والاتكال وشجب العيش الطفيلي على حساب جهود الآخرين.
وكانت ميوله السياسية العامة، تجري ضمن أطار فلسفة الثوريين الديمقراطيين الروس. فكانت ديمقراطية تقدمية.
 ان سيرة حياة نوري جعفر، ومنجزه الفكري والعلمي، تمثل حالة فريدة من العطاء والأصالة، ومنهلاً ثراً للباحثين والدارسين وللثقافة العراقية على وجه الخصوص. فنوري جعفر انسان ومبدع وإرث علمي بحاجة الى اليد التي تعيد له مكانته المتميزة، وترد له اعتباره فحسناً لو فعلت وزارات التعليم العالي والتربية والثقافة بإعادة طبع مؤلفاته ووضعت افكاره في مناهج التعليم موضع التطبيق ، او على الاقل لو اطلق اسمه على احدى الجامعات او القاعات التدريسية او خصص يوم للاحتفاء به او تكريمه وتلك اجراءات لانعتقد انها عسيرة التحقيق لو توفرت النوايا الطيبة لدى (أولي الأمر) في رعاية العلماء، فالبلد الذي لايستذكر رموزه وعلماءه كـ (نوري جعفر ومصطفى جواد وجواد علي وعبد الجبار عبد الله ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر) والقائمة تطول .. إنه والله لبلد عاق.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية